الآية 94
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــة
{يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَـمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}(94).
* * *
معاني المفردات
{ضَرَبْتُمْ}: ذهبتم وسافرتم، من ضرب الأقدام على الأرض. وأصل الضرب: إيقاع الشيء على الشيء، ولاختلاف ما يوقع يختلف تفسير الأرض.
{فَتَبَيَّنُواْ}: دققوا وتأنّوا وميّزوا لتعرفوا ـ جيداً ـ طبيعة الأشخاص الذين يجوز قتالهم من غيرهم، ولا تؤاخذكم نوازع العجلة في التشخيص والتمييز.
{عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: متاع الدنيا: فإن جميع متاع الدنيا عرض، يقال: إن الدنيا عرض حاضر، ويقال لكل شيء يقلّ لبثه عرض، ومنه العرض الذي هو خلاف الجوهر عند المتكلمين لأنه ما لا يجب له من اللبث ما يجب للأجسام، والعرض ما يعرض للإنسان من مرضٍ أو غيره.
* * *
مناسبة النزول
وذكر صاحب الميزان أنه جاء في تفسير القمي: إنها نزلت لما رجع رسول الله(ص) من غزوة خيبر، وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام، كان رجل يقال له مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلما أحسّ بخيول رسول الله(ص)، جمع أهله في ناحية الجبل، فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فمر به أسامة بن زيد فطعنه فقتله، فلما رجع إلى رسول الله(ص)، أخبره بذلك، فقال له رسول الله(ص): قتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. فقال: يا رسول الله، إنما قالها تعوّذاً من القتل. فقال رسول الله(ص): فلا كشفت الغطاء عن قلبه، ولا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت... وروى هذا المعنى الطبري في تفسيره عن السدّي. كما أورد روايات مختلفة في سبب نزول هذه الآية[1].
* * *
تنبيه المسلمين من ابتغاء عرض الحياة الدنيا
وقد تبيّن أجواء الآية بعض الملامح التي توضح طبيعة الممارسة التي قام بها هذا البعض من المؤمنين، بأكثر مما توحيه الروايات المفسّرة؛ فإن الآية توحي بأن الحادثة كانت بسبب الطمع في الغنيمة وما يملكه هذا الرجل من مال، لأن قبول الإسلام منه والعفو عنه في هذه الحال يمنع من التعرّض لماله فيخسرون بذلك حصتهم من الغنيمة؛ وتلك هي إحدى نقاط الضعف الكامنة في شخصية المؤمنين آنذاك، التي كانت تستيقظ في بعض الظروف التي يغفلون فيها عن إيمانهم الذي يحميهم من تأثير نقاط الضعف في حياتهم؛ فكانت هذه الآية من أجل أن تدفعهم إلى التغلب عليها، بالالتفات إلى الخطة التي وضعها الإسلام في قبول الذين يدخلونه بإعلان الشهادتين، من دون محاولة التدقيق في صدق ذلك، فكان يُقبل إسلام الذين يدخلون فيه رغبةً ورهبةً، كما يقبل إسلام الذين يدخلون فيه صدقاً وإخلاصاً، لأن الهدف من ذلك هو تحييد الكثيرين من الكافرين عن جبهة الكفر، بإدخالهم في الجبهة الإسلامية، في نطاق خطةٍ من الحذر والحيطة، وتطبيق سيطرة الإسلام عليهم، والعمل على العيش في أجواء نظيفة روحية طاهرة، من أجل الوصول إلى النتيجة الحاسمة، وهي تعميق العقيدة في نفوسهم، وتأكيد خط الالتزام في حياتهم، وإبعادهم عن الأجواء النفسية المعقّدة.
* * *
ضرورة التبين قبل القتل على الإسلام
وقد نجح الإسلام في ذلك، كما دلت عليه هذه الآية في بعض ما نستوحيه منها من أفكار من خلال ما نستعرضه من تفسير هذه الآية بشكل توضيحي: {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ..} أي إذا سرتم في الأرض من أجل الجهاد {فَتَبَيَّنُواْ} ودققوا في شخصية الأشخاص الذين تقاتلونهم، لتعرفوا هل يجوز لكم قتالهم أم لا، ولا تستسلموا لنوازع العجلة والسرعة في ذلك، {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَـمَ} بإعلان الشهادتين باعتبارها رمزاً للاستعداد للسلام مع المؤمنين، لأن البقاء على الكفر يعني البقاء على حالة الحرب {لَسْتَ مُؤْمِناً}، لأنكم لا تملكون الدليل على ذلك، ولا يجوز لكم الاعتماد على الظن فيه، فقد يعيش الإنسان حالة يقظةٍ إيمانية في بعض هذه الحالات، {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ومتاعها الزائل؛ وربما كانت هذه الكلمة إيحاءً لهم بأن عليهم أن يفتشوا في داخلهم، ليكتشفوا دوافعهم الخفية اللاشعورية، فيعرفوا أن تصرّفهم في إطلاق الحكم بنفي الإيمان عن هذا الإنسان أو ذاك، لم يكن منبعثاً عن إخلاص للإسلام، بل هو منبعث عن طمع في الغنيمة كامن في أعماقهم، الأمر الذي يجعلهم في موقع المحاسب لنفسه قبل أن يقدم على أي عمل من أعمال المسؤولية.
وقد يكون هذا الاتجاه في دلالة الآية هو الذي يبعد القضية عن أن تكون قتل عمد يستوجب القصاص، كما أن الحديث في سبب النزول يشير إلى ذلك؛ {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} فلا ينبغي للمؤمن أن يفكر بمغانم الدنيا فتضيع عليه الخطوط، بل إن عليه أن يفكر بمغانم الله الكثيرة التي أعدها للمؤمنين العاملين في سبيل الله بوعي وصدق وإخلاص… {كَذلِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ} مشركين كما كان هؤلاء ونطقتم كلمة الإسلام، وقبلها الرسول منكم من دون تدقيق بما تكنه قلوبكم وما تنطوي عليه ضمائركم، {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} وأصبحتم بنعمته مسلمين في عمق أفكاركم ومشاعركم؛ فلِمَ لا تقبلون من هؤلاء ما قبله الرسول منكم؟!. {فَتَبَيَّنُواْ} في ما تقبلون عليه من مواقف جديدة وحاولوا أن لا تقعوا في مثل هذه التجربة الخاطئة التي وقعتم فيها، وراقبوا الله جيداً في أعمالكم من خلال مراقبتكم لدوافعكم الخفية {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة مما ظهر ومما بطن، في واقع الأشياء ودخائل النفوس.
* * *
لا يحل للمؤمن أن يؤاخذ الإنسان بغير علم
وقد نستفيد من هذه الآية كيفية تعامل المؤمنين مع الناس الذين قد توحي بعض ظواهرهم بأنهم ينطلقون إلى السير في ركاب الإسلام من موقع الرغبة في بعض المكاسب، أو في التوقي من بعض المشاكل، وذلك عندما تكون الموجة الإسلامية مندفعةً بقوة في حياة الأمة، مما يحقق بعض الامتيازات المادية أو المعنوية لبعض السائرين بركبها... فقد يكون من المصلحة أن نحذر من هؤلاء، من خلال ما توحيه هذه الظواهر من أسباب للشك الباعث على الحذر، ولكن لا يجوز لنا ـ في الوقت ذاته ـ أن نتصرف معهم تصرفاً سلبياً على هذا الأساس، لأنه لا يحلّ للمؤمن أن يؤاخذ الإنسان بغير علم. وهذا هو الخط الذي يحفظ للإسلام مواقعه ويبعده عن حالة الخطر، ويحمي الإنسان المعلن للإسلام من الاعتداء عليه بدون حق؛ فإن من الملاحظ أن الآية لم تنه عن الحذر، بل نهت عن التصرف السلبي بدون تدقيق وتمييز.
إن على العاملين للإسلام إفساح المجال لكل الأصوات أن تعلن الإسلام، ليرتفع صوته عالياً في الساحة كجزءٍ من الحملة النفسية ضد كل الأصوات الأخرى المضادة؛ ولكن ذلك لن يتحقق من موقع السذاجة التي تتقبل الأشياء ببساطة من دون تحقيق، بل من موقع الوعي والحذر الذي يعطي لكل شيء دوره وحجمه، ولا يتجاوزه إلى أبعد من المصلحة الحقيقية للإسلام.
ـــــــــــ
(1) تفسير الميزان، ج:5، ص:46.
تفسير القرآن