من الآية 95 الى الآية 96
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيتــان
{لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}(95ـ96).
* * *
معاني المفردات
{الضَّرَرِ}: النقصان، وهو هنا كلّ ما يضرك وينقصك؛ من عمى ومرض وعلة، مما يمنع من القيام بأمر الجهاد والقتال.
{دَرَجَةً}: الدرجة: المنزلة. ودرَّجْتُه إلى كذا أي رقّيته إليه منزلةً بعد منزلة، وأدرجت الكتاب طويته منزلة بعد منزلة، ودرج الرجل: مضى لسبيله، لأنه صار إلى منزلة الآخرة، ومنه فلان أكذبُ من دبّ ودَرَج، أي أكذب الأحياء والأموات.
* * *
مناسبة النزول
جاء في مجمع البيان، نزلت الآية في كعب بن مالك من بني سلمة ومرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف وهلال بن أمية من بني واقف، تخلّفوا عن رسول الله يوم تبوك، وعذر الله أولي الضرر وهو عبد الله بن أم مكتوم، رواه أبو حمزة الثمالي في تفسيره، وقال زيد بن ثابت: كنت عند النبي حين نزلت عليه: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون»ٍ، ولم يذكر أولي الضرر، فقال ابن ام مكتوم: فكيف، وأنا أعمى لا أبصر، فتغشى النبي الوحي، ثم سُري عنه فقال: اكتب «لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر»[1].
ونلاحظ على الفقرة الأخيرة ـ في سؤال ابن أم مكتوم وجواب النبي له ـ أن من البعيد جداً أن تنزل الآية مجردة عن قوله {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} لتجتذب سؤال ابن أمّ مكتوم، ليكون رد فعل النبي(ص) إضافة الكلمة، كما لو كانت الكلمة منه بما توحي به الرواية، لا سيما إذا لاحظنا أن الآية واحدة في مضمونها؛ والله العالم.
* * *
التفاضل في الإسلام يكون بالعمل
لا فضل في الإسلام لأحدٍ على أحد إلا بالعمل في نطاق المسؤولية، وأيّ عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله. وقد جاءت هاتان الآيتان لتؤكدا على هذه الحقيقة الإسلامية بشيء من التفصيل؛ ففي حالات التحدي التي يواجهها المسلمون في معركتهم ضد الكفر والشرك والطغيان، قد يقعد بعض الناس بسبب بعض الحالات المرضية التي قد تمنعهم عن القتال؛ وهؤلاء معذورون لا ينقص من أجرهم شيء، لأن الله لم يجعل على المؤمنين من حرج في ما يكلفهم به، وقد يقعد البعض بسبب خوفٍ أو حالة كسل أو استرخاء أو حبّ للدعة والراحة، في الوقت الذي لم تصل فيه الدعوة إلى الجهاد إلى مستوى النفير العام، بل كانت واجباً كفائياً يقوم بمن تُسَدُّ بهم الحاجة، وهؤلاء مأجورون في ما يقومون به من أعمال صالحة على المستوى الفردي والجماعي، ولكنهم يخسرون الكثير الكثير من فرص الثواب الكبير الذي يحصل عليه المجاهدون في الجهاد، الذين رفع الله منزلتهم عن المسلمين القاعدين، وأعطاهم من مغفرته ورحمته الدرجات الرفيعة والأجر العظيم.
وقد تحدثت الآية عن المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وعن تفضيلهم على القاعدين بطريقة مؤكدة، وذلك ما يوحي به أسلوب التكرار، فبدأت بقوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} لتقرر التفضيل من جانبه السلبي من حيث عدم المساواة بين هذا الفريق وذاك، ثم أوضحت الموضوع بخصوصيته الإيجابية {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً..} والظاهر أن المراد من الدرجة ليس الوحدة في الأرقام الحسابية، بل المبدأ من حيث النوع، وذلك ما يوحيه وقوع الكلمة بعد فقرة عدم الاستواء، لبيان أن هذا الفريق أعلى درجة من الفرق الأخرى؛ فلا يتنافى مع الفقرة المذكورة في الآية التالية {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ}؛ ثم قررت الآية أن القعود لا يمثل خطيئة في ذاته، عندما لا يكون هناك إلزام بالجهاد {وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}؛ فلكلٍّ من القاعدين والمجاهدين أجره بحسب عمله، {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} فليست الحسنى التي وعد الله بها المجاهدين، هي نفسها التي وعد الله بها القاعدين، لأن للجهاد مرتبة كبيرة عند الله، مما يجعل أجره في مستوى عظيم لا يرقى إليه أجر أيّ إنسان آخر {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}، فإن الصعوبات التي تواجه المجاهدين، والمتاعب التي يتحملونها، ترفعهم عند الله {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ}، لأنّ علوّ الدرجة يتبع صعوبة المعاناة وروعة التضحية {وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} فإن الله يغفر لمن آمن وعمل صالحاً، وأيُّ عمل صالح أعظم من بذل النفس والمال في سبيل الله، {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ..}، [الأعراف:56]، وأيُّ إحسان أعظم من الذين يضحّون في سبيل الإسلام والمسلمين.
ــــــــــ
(1) مجمع البيان، ج:3، ص:147.
تفسير القرآن