تفسير القرآن
النساء / من الآية 97 إلى الآية 100

 من الآية 97 الى الآية 100

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً * وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}(97ـ100).

* * *

معاني المفردات

{تَوَفَّاهُمُ}: تتوفاهم، حُذفت إحدى التائين تخفيفاً، والتوفي هو أخذ الشيء وافياً تاماً، إما من عالم الحياة، وإما من عالم اليقظة، وإما من عالم الأرض؛ كتوفي المسيح وأخذه، والتوفي في الآية هو المعنى الأول.

{ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ}: بخسوا أنفسهم حقها ولم ينصفوها، وعرّضوها للهلاك في ما ساروا في طريق الانحراف في العقيدة والعمل، فأوردوها الخسارة والعقاب.

{فِيمَ كُنتُمْ}: في أيّ شيء كنتم من دينكم، وهو سؤال تقريري توبيخي عن الحال التي كانوا يعيشون فيها من الالتزام الديني. وكلمة «مَ» هي «ما» الاستفهامية حذفت منها الألف لدخول حرف الجر عليها.

{مَأْوَاهُمْ}: المأوى المرجع من أوى إلى منزله يأوي أوياً إذا رجع إلى منزله.

{الْمُسْتَضْعَفِينَ}: الاستضعاف: وجدان الشيء ضعيفاً، كالاستطراف ونحوه.

{حِيلَةً}: الحِذق في تدبير الأمور، فهي ما يتوسل به إلى الحيلولة بين شيء وشيء، أو للحصول على شيء آخر أو حال آخر. وغلب استعمالها في ما يكون خفيةً، وفي الأمور المذمومة.

{سَبِيلاً}: طريقاً حسياً يهاجرون من خلاله أو معنوياً، وهو كل ما يخلصهم وينقذهم من الفتنة والاستضعاف.

{يُهَاجِرْ}: المهاجرة: المفارقة، وأصله من الهجر ضد الوصل.

{مُرَاغَماً}: مواضعاً للهرب تُرغَمُ فيها الصعوبات والعقبات وتذلل ويُرغَمُ فيها أنف القوى الطاغية، «والمراغم المضطرب في البلاد والمذهب، وأصله من الرغام وهو التراب، ومعنى راغمت فلاناً هاجرته ولم أبال رغم أنفه، أي وإن لصق بالتراب أنفه، وأرغم الله أنفه ألصقه بالتراب، وقيل: أصله الذل والشدة، والمراغم المعادي الذي يروم إذلال صاحبه، ومنه الحديث: «إذا صلى أحدكم فليلزم جبينه وأنفه الأرض حتى يخرج منه "الرّغم"، أي حتى يذل ويخضع لله تعالى، وفعلته على رغمه، أي على ذله بما يكره، وأرغم الله أنفه أذلّه، والمراغم: الموضع، والمصدر من المراغمة»[1].

* * *

مناسبة النزول

جاء في مجمع البيان: قيل: لما نزلت آيات الهجرة سمعها رجل من المسلمين وهو جندع أو جندب بن ضمرة وكان بمكة فقال: والله ما أنا مما استثنى الله، إني لأجد قوّةً وإني لعالم بالطريق، وكان مريضاً شديد المرض، فقال لبنيه: والله لا أبيت بمكة حتى أخرج منها، فإني أخاف أن أموت فيها، فخرجوا يحملونه على سرير حتى إذا بلغ التنعيم مات، فنزلت الآية[2].

* * *

الضعف الذاتي ليس مبرراً للاستسلام

هل الضعف الذاتي لدى الإنسان يعتبر مبرراً للاستسلام لمخطّطات المستكبرين في العقيدة وفي السلوك، فينحرفون معهم إذا انحرفوا، وينفذون خطط الظلم للآخرين إذا أرادوا ذلك؛ ويمتد بهم الانحراف والضلال، ثم يقفون بعد ذلك أمام الله ليبرروا أعمالهم، بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض، لا يملكون القدرة التي يستطيعون من خلالها الوقوف في وجه المستكبرين؟!.

إن هذه الآيات تحدد الاستضعاف الذي يمكن للإنسان أن يجد فيه السبيل للعذر أمام الله، والاستضعاف الذي لا عذر للإنسان معه؛ لأن القضية لا تخضع ـ في ذاتها ـ للحالة الآنية التي يعيشها الإنسان، بل للظروف الموضوعية المحيطة به في حركة الحاضر والمستقبل، والفرص المتنوعة المتاحة له، للخروج من هذا الجو الخانق أو ذاك، والإمكانات المختلفة باختلاف المكان والزمان؛ فإذا كان يملك فرصة مستقبلية لعملية صنع القوة في المستقبل، فعليه أن ينتظر تلك الفرصة، فلا يستسلم تحت ضغط الضعف الحالي إلا بمقدار ما يتمكن من ترتيب عملية القفز نحو المستقبل من مواقعه الحاضرة. وإذا كان هناك مكان جديد يستطيع أن ينمّي قوته فيه، بعيداً عن التحديات الضاغطة؛ فعليه أن يهاجر إليه من أجل التزوّد بالقوة اللازمة للتصدي لمواقع الظلم والطغيان، والعمل على تهديم كيانها، وإضعاف قوتها، بل إزالتها نهائياً، بل إزالة قوتها. وهذا ما عبّرت عنه هذه الآيات في أسلوبٍ يتحدث عن الموضوع من خلال علاقته بالمصير الذي ينتظر الإنسان في الآخرة على أساس سلوكه في الدنيا، وذلك بتقديم أحد النماذج المستسلمة لحالة الاستضعاف مع قدرتها على تجاوزها إلى حالة قوة...

* * *

ظلم النفس من الكفر والضلال

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَـئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} فقد جاءتهم الملائكة لتتوفاهم بأمر الله الذي أوكل إليهم أمر الموت، وكانوا في حالة الظلم لأنفسهم لأنهم انحرفوا في العقيدة والعمل. وهذا ـ أعني ظلم النفس وهو تعبير قرآني مميز عن الكفر والضلال الذي يؤدي بالإنسان إلى الهلاك، مما يجعل السير في طريقه ظلماً للنفس وتعريضاً لها للعذاب الأليم… ولم يترك الملائكة هذه الحالة بدون حساب، فقد أوكل الله إليهم أمر التحقيق في أعمال الناس الذين يتوفونهم؛ وبدأت عملية التحقيق {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} ما هي الأجواء التي كنتم تتحركون في داخلها؟ وما هي الأسباب التي أدّت بكم إلى هذا السلوك؟ وما هي مبرراتكم التي تقدمونها بين أيديكم لتدافعوا بها عن أنفسكم؟ {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض}، فلم تكن لنا قدرة على مواجهة هؤلاء الناس الذين يفرضون علينا العقيدة الباطلة والسلوك المنحرف، ولا يسمحون لنا بالتعرف على العقيدة الحقة، لأنهم يغلقون عنا سبل المعرفة من جميع الجهات، فلا نجد أمامنا إلا الباطل الذي يحيط بنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن يميننا وعن شمالنا، ولا نملك ـ في الوقت ذاته ـ حرية الحركة، في ما نريد أن نقوم به من عمل في نطاق الحق والهدى، لأنهم يحددون لنا الساحة التي نتحرك فيها ويحيطونها بأسلاك شائكة، تمنع النفاذ منها إلى ساحات أخرى.

{قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}؟ ولم يقتنع الملائكة بالجواب، بل حاولوا التوسع في التحقيق، لتحديد الحالة التي تخضع لحساب المسؤولية في واقعهم الفكري والعملي؛ فسألوهم عن إمكانيات الفرص البديلة للواقع الذي عاشوه، وعما إذا كانت هناك أرض أخرى حرة، لا يسيطر عليها المستكبرون؛ بل تنطلق فيها الحرية الفكرية والعملية بأوسع مداها، مما يتيح لها مجال المعرفة الحرة والسلوك الحر، وكان السكوت هو الرد الذي قابلوا به هذا السؤال، لأنهم لا يملكون الإنكار أمام الحقيقة الحاسمة التي كانت تتمثل في حياتهم؛ فقد كانت لهم مجالات للهجرة إلى المواقع الجديدة التي يخرجون بها من حالة الاستضعاف هذه، ولكنهم استسلموا لحالات الاسترخاء والكسل والخشية من المتاعب الجسدية والمالية ونحوها، وعاشوا في خدمة المستكبرين؛ وبذلك حقّت عليهم كلمة الله، وقامت عليهم الحجة {فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً..}.

أما إذا كان هذا الإنسان لا يملك الفرصة للهجرة ليتحرّر من ضغط القوى المستكبرة عليه، كما في الكثير من النماذج البشرية المسحوقة التي لا تملك الوسائل المتحركة لاستعمال الحيلة في الخروج من المأزق، ولا تهتدي السبيل للهجرة، لعجز في الطاقة الجسدية، أو لضعف في الإمكانات المادية والمعنوية؛ فهؤلاء قد يجدون بعض العذر عند الله، وهذا ما عبرت عنه هذه الآية بأسلوب الاستثناء من القاعدة السابقة.

{إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} مراعاةً لظروفهم الصعبة، وربما كان التعبير بكلمة {عَسَى} التي لا توحي بالجزم، ليظل الإنسان في حالة استنفارٍ دائمٍ لقدراته وإمكاناته، فلا يسترخي أمام حالة العجز بشكل سريع. {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً } فقد سبقت رحمته غضبه، في ما ينحرف به الناس عن الخط نتيجة هفوة أو ضعف أو عجز... فإنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، وهو خير الغافرين.

* * *

ولا بد لنا من إيضاح ما أشرنا إليه ضمن حديثنا هذا، وهو أن الاستضعاف قد يكون في العقيدة؛ وذلك في الحالات التي لا يملك فيها الإنسان وسائل المعرفة للانفتاح على ما هناك من أفكار وأديان وشرائع، وقد يكون الاستضعاف في العمل والسلوك، وذلك في المجالات التي تكون فيها إرادته مسحوقة تحت ضغط إرادة أخرى قاهرة؛ وفي كلا الحالين يتحدد العذر بإمكانات التخلّص من الطوق المضروب حول الإنسان بالهجرة إلى أماكن أخرى، أو بالانتظار إلى وقت آخر، أو بغير ذلك من الوسائل العملية للخروج من المأزق، فمع توفرها لا عذر للإنسان بالبقاء في حالة الضعف، أما مع عدم توفرها، فإن الله هو العفو الغفور.

* * *

{وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} هذه هي الحقيقة التي يؤكدها القرآن في هذه الفقرة من الآية، وخلاصة فكرتها أنّ قضية القوة والضعف لا يمكن أن تخضع للحدود الجغرافية التي تحيط الإنسان وتضغط على حركته، بل يمكن للإنسان أن يمتد إلى أماكن أخرى من الأرض، ليجد فيها السعة التي لا تضيق بنشاطه، والفرص التي يستطيع ـ من خلالها ـ أن يرغم أنف القوى الطاغية الكافرة. وتلك هي قصة كل الدعوات الخيّرة والرسالات الكبيرة، التي لم تستطع أن تتقدم إلى أهدافها في المحيط الذي انطلقت منه، ولكنها استطاعت أن تمتد إلى أبعد مدى في الأرض، فتفسح لخطواتها المجال الذي تسير فيه بسرعة فائقة، بعيداً عن كل الضغوط والتحديات؛ وبذلك انطلق الإسلام إلى خارج مكة، بالهجرة التي كانت الحد الفاصل بين عهدين للإسلام، عاش في أحدهما الاضطهاد والضغط والتنكيل إلى ما يشبه الاختناق وتحرك في ثانيهما من يثرب حتى انتشر في الآفاق الواسعة من العالم...

إن الإسلام يريد أن يثير في نفوس العاملين أن اضطهاد الدعوة، في أحد مواقع العمل، لا يعني استحالة الحركة، لأن هناك مواقع أخرى للحرية يمكن الانتقال إليها من أجل التحرك بالإسلام إلى آفاق جديدة وانتصارات كبيرة... إن العاملين لا يعيشون ضيق الأفق في النطاق الإقليمي الذي يتحرك فيه عملهم الرسالي، بل يعتبرون ساحتهم بحجم ساحة الرسالة، وذلك هو حجم العالم كله بكل مجالاته ووسائله وآفاقه. فليس للإنسان أن يتجمد عند فرصته، وليس له أن يختنق في زاوية، وليس لخطواته أن تتبعثر في أيّة ساحة؛ فمن حقه أن يدخل كل بلد، ومن واجبه أن يكتشف كل أفق، لينطلق فيه إلى البعيد البعيد من أهداف الإسلام... وفي ضوء ذلك، لا بد له من أن يحرّك طاقاته وينميها بالمستوى الذي يستطيع من خلاله أن يستوعب الحركة في حجم العالم ما أمكنه ذلك.

* * *

فلسفة الهجرة في الإسلام

{وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ..} والهجرة إلى الله ورسوله تتمثل في كل رحلةٍ يقوم بها الإنسان في خدمة الإسلام والمسلمين، وفي القيام بواجب شرعي من عبادةٍ ونحوها، وفي إنقاذ أية فئة محرومة أو مضطهدة من الفئات التي أوجب الله علينا إنقاذها. فمن خرج ليطلب العلم من أجل أن يرفع مستوى المعرفة لدى الناس، من خلال ما يقربهم من الله ويبعدهم عن الشيطان، وينمي لديهم القدرات العلمية التي تفتح آفاقهم على العزة والحرية والكرامة التي يحبها الله لعباده المؤمنين، فقد خرج مهاجراً إلى الله ورسوله؛ ومن خرج ليجاهد في سبيل الله، أو ليقضي حاجة مؤمن، أو ليغيث ملهوفاً، أو ليقوي مستضعفاً، أو ليهدي ضالاًّ، أو ليقوم بعملية إصلاح بين الناس، أو ليدخل السرور على الناس، أو ليشارك في حكم عدل، أو ليقوم بأيّ عمل من الأعمال التي يحبها الله ورسوله، أو ليحج بيت الله ونحو ذلك... فهو من المهاجرين إلى الله ورسوله. وهكذا تكون حياة الإنسان في سبيل كل الأهداف الرسالية الكبيرة هجرة إلى الله ورسوله، حتى ولو كان واقفاً في مكانه، لأن الهجرة ليست فكرة تخضع لحركة الإقدام من موقع إلى آخر، بل تشمل حركة العمل التي تنقل المجتمع والحياة من مرحلةٍ متأخرةٍ إلى مرحلةٍ متقدمةٍ، ومن حالةٍ شريرةٍ أو كافرةٍ، إلى حالةٍ خيّرة أو مهتدية، لأن القضية مرتبطة بالمضمون والهدف لا بالشكل والموقع... وإذا تحققت للإنسان مثل هذه الهجرة، بجميع أسبابها، كانت حياته سائرة في خدمة الله، لأنه لا يعمل من أجل مطامحه الذاتية، بل من أجل رسالة الله العامة. فإذا أدركه الموت وهو في الطريق، كان موته في خط العمل، وبذلك كان أجره على الله. وهذا ما عبّرت عنه الآية في قوله تعالى: {ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.

* * *

وجوب الهجرة من كل بلد يضعف فيه الإنسان دينياً

وربما تحدث المتحدثون ـ ولا سيما الفقهاء منهم ـ عن وجوب الهجرة من كل بلدٍ يضعف فيه الإنسان دينياً مما قد يؤدي به ـ في نهاية المطاف ـ إلى الخروج من الدين، وذلك من خلال الاستيحاء من الآية، لأن مسألة ضغط المستكبرين لا خصوصية له إلا من حيث النتيجة السلبية التي قد تترتب على البقاء في مواقع سلطتهم، فإذا عاش الإنسان في بلد تنطلق فيه قوّة الكفر في امتداد فكره وسيطرة قيمه وأخلاقه وعاداته بالمستوى الذي يضغط فيه على المؤمن وعلى أهله ويحاصره في أوضاعه الخاصة والعامة بحيث لا يملك التخلص من التأثر به ـ ولو بشكل لا شعوري ـ مما قد يؤدّي ـ في نهاية المطاف ـ إلى ما يشبه الكفر إذا لم يؤدّ به إلى الكفر المباشر، وذلك في استسلامه الثقافي لثقافة الكفر وضعفه الروحي أمام روحيته، وانحرافه الأخلاقي أمام أخلاقه، وإذا كان يمكن أن يحفظ نفسه بعض الشيء من سيطرة الواقع الكافر على شخصيته، فإنه لا يملك أن يحفظ أولاده وأهله من ذلك، لأنهم لا يملكون أية مناعةٍ ذاتية ضد السقوط تحت تأثير هذا الواقع الكافر أو الضال، مما يجعل من بقائه في هذا البلد أو ذاك سبباً في السقوط الفردي أو العائلي إسلامياً، وانحرافاً عن مدلول الآية {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[التحريم:6].

ولعل هذا هو ما نشاهده في هجرة الكثيرين من المسلمين إلى بلاد الغرب الذي يخضع في حضارته وقيمه وأوضاعه لفكر يختلف كثيراً عن فكر الإسلام، ولعادات وتقاليد ومناهج مضادة للإسلام في المبدأ والتفاصيل وقد انحرف الكثيرون منهم فكرياً وأخلاقياً وروحياً بحيث عادوا مسلمين من دون إسلام في واقع الآباء الذي بقي الانتماء حياً في أشخاصهم بطريقة تقليدية، أما الأبناء، فقد ابتعدوا ابتعاداً تاماً عن الإسلام حتى لم يبق لهم من الإسلام شيء إلا ما يرددونه من بعض الكلمات في دائرتهم العائلية بفعل المجتمع الذي يتحركون فيه، والمدارس التي يتعلمون فيها، والأوضاع التي يعيشون في داخلها ويتأثرون بتفاصيلها.

ونحن نوافق هؤلاء الفقهاء على هذا الحكم، لأن قضية الهجرة الواجبة في مورد الآية لا خصوصية لها إلا من خلال الضعف الذي يعيش فيه المستضعفون تحت تأثير المستكبرين بما يؤدي إلى ضلالهم، فتشمل كل حالة مماثلة من حيث العيش في دائرة الاستكبار الثقافي والتربوي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي بما لا يملك الإنسان المؤمن الثبات على دينه في ساحاته، وهذا هو الذي أشار إليه الحديث المأثور: «لا تعرّب بعد الهجرة»[3] باعتبار أن التعرب يمثل حالة البعد عن مصادر الثقافة الإسلامية والقوة الروحية والمجتمع العاصم من الانحراف، فيتحول الإنسان ـ بفعله ـ إلى شخص يشبه الأعراب الجاهليين الذين لا يملكون الوعي الإسلامي الثقافي والالتزام الديني والاستقامة الأخلاقية، مما تمثل الهجرة الخروج منه. وربما كان وجوب الهجرة في صدر الإسلام منطلقاً من التخطيط الإسلامي لبناء الشخصية الإسلامية للمسلمين في دائرة المجتمع النظيف الذي يحميهم من كل قذارات الجاهلية، ليكون نموّهم بين المسلمين نموّاً طبيعياً يتمثلون فيه فكر الإسلام وقيمه وعاداته وأخلاقياته بشكلٍ دقيقٍ، هذا بالإضافة إلى ما يريده الإسلام في تشريعه الهجرة من مكة إلى المدينة من تقوية المجتمع الإسلامي بتجميع كل أفراده وجماعاته في الموقع الإسلامي الجديد لمواجهة التحديات الكبرى التي يفرضها الشرك على الإسلام وأهله، وقد جاء عن أمير المؤمنين(ع) «والهجرة قائمةٌ على حدّها الأول»[4]، لأن الظروف التي فرضت الهجرة في صدر الإسلام، تفرض الهجرة في المدى الزمني في حياة المسلمين، كما أن القضايا التي أريد تأكيدها وتأصيلها هي نفسها القضايا التي يراد تركيزها في المراحل الإسلامية في حركة الخط الإسلامي في الواقع، وأما الحديث الذي روي عن النبي محمد(ص) «لا هجرة بعد الفتح»[5]، فالظاهر أنه مخصوص بالهجرة من مكة، لأنها تحوّلت إلى بلد إسلامي في مجتمعه وسلطته، فلا مشكلة في البقاء فيه، بل ربما كان ذلك ضرورةً في واقعه الجديد.

* * *

المستضعفون وضرورة تحريك الإمكانات المتاحة

أمّا المستضعفون من هؤلاء المسلمين الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً إلى الهجرة من بلاد الكفر البقاء في بلاد الإسلام يضطرون ـ بفعل بعض الضغوط الساحقة ـ البقاء في بلاد الكفر، فيجب عليهم أن يحركوا كل إمكاناتهم لتنمية العناصر الإسلامية في مجتمعهم، بإيجاد المؤسسات الإسلامية كالمساجد والمدارس والنوادي الثقافية والرياضية والاجتماعية التي تحرّك الروح الإسلامية، والتربية الدينية التي تثبّت لهم إيمانهم وتحمي إسلامهم، وتصنع منهم دعاة إلى الإسلام في دار هجرتهم، ليكونوا عناصر قوة للإسلام بدلاً من أن يكونوا عناصر ضعف له في استسلامهم للكفر.

ولعل من الضروري أن يبادر المسلمون من خلال قياداتهم إلى القيام بالمشاريع الإسلامية الثقافية والتربوية ومساجد العبادة وغيرها في بلدان الغرب أو غيره من البلدان غير الإسلامية، لأن الحاجة قد أصبحت ملحّةً لسكن المسلمين فيه من خلال حاجاتهم الاقتصادية والثقافية التي تفرض الهجرة إليها، بحيث تحوّل الوجود الإسلامي العددي في بعض البلاد الغربية إلى قوّة من الدرجة الثانية بالنسبة إلى الموقع الديني مقارناً بالدين الآخر. هذا مع ملاحظة أن التطورات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية أصبحت تفرض على المسلمين الانفتاح على العالم كله من أجل تجميع عناصر القوة في كل أوضاعهم العامة والخاصة، مما يجعل انتقالهم إلى بلدان العالم ضرورة حضارية على جميع المستويات، لأن بعض الحالات الضاغطة في مجتمعات الكفر قد تؤدي إلى عزلة المسلمين عن العالم إذا أرادوا أن يخضعوا لبعض التحفظات التي يمكن إزالتها بالتخطيط لإيجاد الأجواء الإسلامية التي تؤكد حماية الواقع الإسلامي من الانحراف.

ـــــــــــــ

(1) مجمع البيان، ج:3، ص:152.

(2) (م.ن)، ج:3، ص:152.

(3) البحار، م:4، ج:10، ص:277، باب:7، رواية:1.

(4) نهج البلاغة، خطبة:189، ص:279.

(5) البحار، م:4، ج:10، ص:277، باب:7، رواية:1.