الآية 104
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيـــة
{وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَآءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}(104).
معاني المفردات
{تَهِنُواْ}: تضعفوا في القلب والنفس، فتضعفوا في الحركة والمقاومة، والوهن: الضعف.
{ابْتِغَآءِ}: الطلب.
{تَأْلَمُونَ}: الألم: الوجع.
{وَتَرْجُونَ}: الرجاء: الأمل، وقد يستعمل بمعنى الخوف، قال تعالى: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [نوح:13] والمعنى: لا تخافون لله عظمة. وإنما استعمل على معنى الخوف لأن الرجاء أمل وقد يخاف أن لا يتم.
* * *
مناسبة النزول
جاء في مجمع البيان: قيل: نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان يوم أحد، وقيل: نزلت يوم أحد في الذهاب خلف أبي سفيان وعسكره إلى حمراء الأسد، عن عكرمة[1]، وقيل: إن المسلمين هبوا لملاحقة العدو ــ بعد نزول الآية وتلاوتها عليهم ــ «لأن الله تعالى أمرهم، على ما بهم من الجراح أن يتبعوهم، وأراد بذلك إرهاب المشركين، فخرجوا إلى بعض الطريق وبلغ المشركين ذلك فأسرعوا حتى دخلوا مكة»[2]
كما جاء في «تفسير البيان» للطبري حديث مرفوع إلى ابن عباس قال: لمّا كان قتال أحد وأصاب المسلمين ما أصاب، صعد النبي(ص) الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمّد، لا جرح إلاّ بجرح، الحرب سجال، يوم لنا ويوم لكم. فقال رسول الله(ص) لأصحابه: أجيبوه. فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنّة، وقتلاكم في النار. فقال أبو سفيان: عزى لنا ولا عزى لكم. فقال رسول الله(ص): قولوا له: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: اعل هبل أعل هبل. فقال رسول الله(ص) قولوا له: الله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصّغرى. ونام المسلمون وبهم الكلوم. قال عكرمة: وفيها أُنزلت: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الاَْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران:140] وفيهم أُنزلت: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}[3].
دعوة للأخذ بأسباب القوة
إنّها دعوة للأخذ بأسباب القوة، من خلال ما يوحيه الإيمان بالله والثقة بنصره وعدم الاستسلام للوهن، وذلك لما يهوّله الشيطان ويثيره من نوازع الضعف. {وَلاَ تَهِنُواْ} أي: لا تضعفوا، بل تابعوا الهجوم والملاحقة {فِي ابْتِغَآءِ الْقَوْمِ} أي: في طلب الكفار والمشركين في المعركة، فإن حالكم ليس بأسوأ من حال أعدائكم {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ}، لأن آلام المعركة تفرض نفسها على جميع المقاتلين، ولكنكم تتفوقون عليهم في نقطة مهمة، {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} من النصر والمعونة والتأييد والرضوان والجنة؛ فأنتم تتحركون من موقع الثقة بالله والأمل الكبير به، بخلافهم، فإنهم لا يتمسكون بشيء من ذلك. {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً} بما تعملون، {حَكِيماً} في ما يفرضه عليكم من المواقف.
وربما نستوحي من أجواء الآية أن القضية المطروحة هي أن يبقى المسلمون في خط المواجهة للأعداء، الذين يعملون على إسقاط الواقع الثقافي والسياسي والاقتصادي والأمني، بالرغم من اختلال موازين القوى، ومن الآلام الروحية والجسدية، المادّية والمعنوية، لأن طبيعة الصراع في عملية الكرّ والفرّ في حركة التجاذب المتبادل بين الفريقين، تفرض توزيع الآلام على الجميع، فقد ينتصر هذا الفريق ليجلب الآلام للفريق الآخر وقد يردّ الفريق المهزوم الكرّة على الفريق المنتصر ليفرض عليه الآلام بشكل أقسى، وهكذا يفرض الإسلام على المسلمين أن لا يسمحوا للمأساة الذاتية أن تأكل الإرادة القوية الصلبة في حركة جهادهم، لأن لا جهاد من دون ألم، ولا نصر من دون معاناةٍ، وفي ضوء ذلك تتحرك الآية من أجل الدعوة إلى أن يتسلّم المسلمون زمام المبادرة في حركة الصراع، لأن الذين يبادرون هم الذين يمسكون ـ غالباً ـ بزمام القضية، لا أن تكون مبادرتهم الهجومية عدواناً من خلال العقدة الذاتية ضد الإنسان الآخر، بل هي مبادرة وقائية ضد الذين يريدون السبق إلى الهجوم ليكونوا في موقع القوّة كأي مهاجم، لا في موقع الضعف كأي مدافع. وهكذا ينطلق الموقف المتحدّي في رحلة الآلام الجهادية من قاعدة الإيمان بالله والأمل به، لأنهم يجاهدون في سبيله ويعملون من أجل تأكيد دينه ويستهدفون ـ في نهاية المطاف ـ الحصول على رضاه في كل شيء. وإذا كان الرجاء ينطلق في واقع الدنيا من النصر الإلهي الذي يهيّىء الله أسبابه، وفي واقع الآخرة من الشهادة التي قد تفرضها المعركة، فإن المؤمن يعيش الرجاء في كلتا الحالتين، وكلاهما النصر أو الشهادة ربح في الدنيا وسعادة في الآخرة.
ــــــــــــ
(1) مجمع البيان، ج:3، ص:159.
(2) الطوسي، أبو جعفر، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، م:3، ص:314.
(3) تفسير البيان، م:4، ج:5، ص:357 ـ 358.
تفسير القرآن