تفسير القرآن
النساء / من الآية 105 إلى الآية 113

 من الآية 105 الى الآية 113

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً* وَاسْتَغْفِرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً * هَـأَنْتُمْ هَـؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً * وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}(105ـ113).

* * *

معاني المفردات

{لِّلْخَآئِنِينَ}: الذين يخالفون الحق بنقض العهد في السرّ. قال الراغب: الخيانة والنفاق واحد، إلاّ أن الخيانة تقال اعتباراً بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتباراً بالدين، ثم يتداخلان[1].

{خَصِيماً}: مجادلاً عنهم ومدافعاً، والخصيم هو الذي يدافع عن الدعوى، وخصمته: نازعته خصماً. وأصل المخاصمة، أن يتعلق كل واحد منهم بخصم الآخر، أي جانبه.

{تُجَادِلْ}: المخاصمة والمجادلة والمناظرة والمحاجّة نظائر، وإن كان بينها فرق، فإن المجادلة هي المنازعة في ما وقع فيه خلاف بين اثنين، والمخاصمة: المنازعة بالمخالفة بين اثنين على وجه الغلظة، والمناظرة في ما يقع بين النظيرين والمحاجة في محاولة إظهار الحجة، وأصل المجادلة من الجدل وهو شدة الفتل، ورجل مجدول كأنه قد جدل أي فتل والأجدل: الصقر، لأنه من أشد الطيور قوّة.

{يَخْتَانُونَ}: يخونون خيانةً بينه. والاختيان: أشدّ من الخيانة.

{يَسْتَخْفُونَ}: يكتمون ويستترون. خفي الشيء: استتر ولم يظهر.

{يُبَيِّتُونَ}: يدبّرون ويزوّرون في الليل. والتبييت: التدبير للشيء بالليل لأن ذلك يكون في وقت رواح الناس إلى بيوتهم.

{خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً}: اختلف في التفريق بينهما، فقيل: إن الخطيئة ـ هنا ـ هي التي تكون عن قصد إلى فعلها، والإثم يكون عن قصدٍ وعمد وقيل: الخطيئة هي المعصية التي لا تتجاوز موردها وبالاً، والإثم المعصية التي يستمرّ وبالها كقتل النفس من غير حق.

{لَهَمَّتْ}: الهمّ ما هممت به، ومنه الهمّة، والهمَّام: الملك العظيم.

* * *

مناسبة النزول

جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ قال: أنزلت كلها في قصة واحدة، وذلك أن رجلاً من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحارث سرق درعاً من جار له يقال له قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثم خبّأها عند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين، فالتمست الدرع عند طعمة، فلم توجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وما له بها[2] من علم، فقال أصحاب الدرع: بلى، والله قد أدلج علينا فأخذها وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق، فلما أن حُلِّف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه، فقال: دفعها إليّ طعمة بن أبيرق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر، وهم قوم طعمة، انطلقوا بنا إلى رسول الله(ص)، فكلموه في ذلك، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي، فهمّ رسول الله(ص) أن يفعل ـ وكان هواه معهم ـ وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} الآيات كلها. وهذا قول جماعة من المفسرين[3].

وهناك رواية أخرى ذكرها صاحب مجمع البيان قال: نزلت في بني أبيرق وكانوا ثلاثة إخوة: بشر وبشير ومبشر، وكان بشير يكنى أبا طعمة، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله(ص) ثم يقول: قاله فلان، وكانوا أهل حاجة في الجاهلية والإسلام، فنقب أبو طعمة على عليّة[4] رفاعة بن زيد وأخذ له طعاماً وسيفاً ودرعاً، فشكا ذلك إلى ابن أخيه قتادة بن النعمان، وكان قتادة بدريّاً، فتجسسا في الدار وسألا أهل الدار في ذلك، فقال بنو أبيرق: والله، ما صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل ذو حسب ونسب، فأصلت عليهم لبيد بن سهل سيفه وخرج إليهم وقال: يا بني أبيرق، أترمونني بالسّرق وأنتم أولى به مني وأنتم منافقون تهجون رسول الله(ص) وتنسبون ذلك إلى قريش، لتبيننّ ذلك أو لأضعنَّ سيفي فيكم، فداروه، وأتى قتادة رسول الله(ص) فقال: يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل بيت سوء عدوا على عمّي فخرقوا عليه له من ظهرها وأصابوا له طعاماً وسلاحاً، فقال رسول الله(ص): انظروا في شأنكم، فلما سمع ذلك رجل من بطنهم الذي هم منه يقال له أسير بن عروة، جمع رجالاً من أهل الدار ثم انطلق إلى رسول الله(ص) فقال: إنّ قتادة بن النعمان وعمّه عمدا إلى أهل بيت منا لهم حسب ونسب وصلاح وأبّنوهم[5] بالقبيح وقالوا لهم ما لا ينبغي، وانصرف، فلما أتى قتادة رسول الله بعد ذلك ليكلمه، جبهه رسول الله(ص) جبهاً شديداً[6] وقال: عمدت إلى أهل بيت حسب ونسب تأتيهم بالقبيح وتقول لهم ما لا ينبغي، قال: فقام قتادة من عند رسول الله(ص) ورجع إلى عمه وقال: يا ليتني مت ولم أكن كلمت رسول الله(ص) فقد قال لي ما كرهت، فقال عمه رفاعة: الله المستعان، فنزلت الآيات {إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}، فبلغ بشيراً ما نزل فيه من القرآن، فهرب إلى مكة، وارتد كافراً[7].

* * *

ملاحظات حول روايات النزول

ونلاحظ على هاتين الروايتين أنهما لا تنسجمان مع أخلاقية النبي(ص) وعصمته وعدالته وابتعاده عن النطق عن الهوى، فقد ذكرت الرواية الأولى، أن النبي(ص) قد استجاب لأهل السارق المسلم الذين كلموه في الدفاع عن صاحبهم خوفاً من ثبوت الحكم عليه وافتضاحه، وخوفاً من تبرئة اليهودي الذي يعلمون ببراءته، فهمَّ رسول الله(ص) أن يفعل، لأن هواه كان معهم، وصمم أن يعاقب اليهودي انسجاماً مع هواه، على حسب إيحاء الرواية، لولا أن الله سبحانه أنقذه من هذا الموقف الظالم الذي يسيء إلى موقعه الرسالي.

إن الصورة هي صورة النبي(ص) الذي لا يدقق في الدعوى ولا يطلب عليها شهوداً، بل يستجيب لكلام هؤلاء الناس الذين يهواهم ـ كما تقول الرواية ـ من دون أن يسألهم عن طبيعة الدعوى وعن الأساس في اتهام اليهودي الذي لا تمنع عداوته لله ورسوله أن يعدل النبي محمد(ص) معه، فيسأله عن دفاعه عن نفسه وعن طبيعة اتهام الآخرين له، والله يقول: {يَـأَيُّهَآ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[المائدة:8].

أما الرواية الثانية، فإنها تصور النبي لنا في الوهلة الأولى ـ عندما أخبره قتادة بالحادث وقال: انظروا في شأنكم ـ بأنه يدقّق في طبيعة القضايا والبحث عن وسائل الإثبات، مما يجعله في موقع المنتظر للنتائج من حيث الشهود، ولكنه عندما جاءه الرجل الذي هو من بطنهم، وشكا له قتادة وعمه، لم يتثبت من صحة الحديث ولم يتأكد من طبيعة المسألة التي سبق لقتادة أن حدثه عنها، فوبخ قتادة على كلامه مع هؤلاء، كما لو كانوا أبرياء، من دون أن يسأله عن ظروف الحديث وطبيعته، مما جعل قتادة يتمنى موته وجعل عمه يلجأ إلى الله ليستعين به، لأنه لم يجد هناك من يثبت له حقه، حتى رسول الله(ص) ـ حسب الرواية.

إن مثل هذا النوع من الروايات يخضع لاجتهادات المفسرين أكثر مما يخضع للروايات الموثقة المباشرة التي تتحدث عن سماع ذلك، مما يجعلنا نتصور أنهم استنطقوا الآية في مدلولها الحرفي، ففهموا منها أن الله كان يعاتب نبيّه على دفاعه عن الخائنين وجداله عنهم، لا سيّما أنه أمره بالاستغفار كما لو كان قد صدر منه ذنب في الانحراف عن خط العدالة والتعاطف مع المنحرفين، ولكنهم لم ينفتحوا على الأسلوب القرآني الذي يخاطب الأمة من خلال مخاطبته للنبي محمد(ص) تماماً كما لو كان هو الذي تتمثل في سلوكه المفردات.

إن القضية هي أن الرواة، أو المفسرين، لم يدرسوا شخصية النبي الأخلاقية وعدالته الرسالية التي لا يمكن أن تنجذب إلى أي شخص وضد أي شخص من خلال عاطفةٍ ذاتية متصلة بالنوازع النفسية الخاصة وهو صاحب الخلق العظيم، ورسول العدل والإحسان، فكيف يبتعد عن خط العدل وروحية الإحسان!

الإسلام يرفض الدفاع عن الخائنين

نحن الآن أمام آيات كريمة نزلت على رسول الله(ص)، لتعالج حالة معينة من الحالات المقلقة التي كانت تحدث داخل المجتمع الإسلامي، فتثير بعض المشاعر والانفعالات والأفكار؛ الإيجابية منها من جهةٍ والسلبيّة منها من جهةٍ أخرى. وكان القرآن ينزل من أجل مواجهة الأفكار والمشاعر السلبية التي كانت تشد الناس إلى جاهليتهم، وتربطهم بالقيم الفاسدة التي أراد الله لها أن تزول من حياتهم. وتلك هي إحدى وسائل القرآن التربوية، فقد كان يرصد الوقائع والأحداث التي كانت تمر بالمسلمين، ليوجههم من خلال الوجهة الصحيحة، فلا تغرق أفكارهم في بحار الخيال والمثال، بل يحركونها في حركة الواقع، عندما يعيشون المشاكل كأشدّ ما تكون إلحاحاً وتأثيراً وضغطاً على الكيان، ثم تنطلق الحلول في حجم الواقع، ليتطابق الحل مع المشكلة على صعيد واحد.

ولهذه الآيات قصة ذكرها المفسرون في أسباب النزول، وخلاصتها أن أحد المسلمين سرق مالاً من شخص مسلم، وكان للسارق عشيرة تملك مواقع متقدمة في المجتمع، وكانت الدلائل التي اتبعها المسلمون ـ أو أرادوا أن يتبعوها في التحقيق ـ تهدي إلى السارق الحقيقي، واجتمعت عشيرته للتشاور، وقرروا أن يبعدوا التهمة عنه، فجاؤوا بالمال المسروق ووضعوه عند يهودي هناك، لتثبت الجريمة عليه ويبرّأ السارق، وحاولوا أن يخلقوا جواً يوحي بالثقة بالنتائج التي أرادوها أمام رسول الله(ص)، ظناً منهم أن يهودية هذا الشخص تساهم في استبعاد دفة الاتهام عن السارق الحقيقي في التحقيق في المسألة، وتسهّل ـ بالتالي ـ ثبوت التهمة عليه. وقد خُيِّلَ إليهم أن الرسول(ص) ربما يميل إلى ما أرادوه أو ظنوه، إرادةً منه لتبرئة المسلم على كل حال.

ولكن الله أراد أن يسدّد رسوله ويطلعه على جانب الغيب في المسألة، حتى لا يتوقف أمام الإثباتات الظاهرية للقضية، على أساس أن القضاء في الإسلام يخضع للبيّنات والأيمان، فهي الوسائل المطروحة لدى القضاة، حتى ولو كان النبي هو القاضي، ولا مسؤولية له بعد ذلك في خطأ النتيجة أو صوابها، ما دام غير مكلّف بأن يعلم الغيب في حقائق الأشياء، لأنه لا يملك وسائله بشكل ذاتي، كما أن القضاء لا يغيّر ولا يبدّل شيئاً في واقع الموضوع، فإذا لم يكن للمدعي حقٌّ في دعوى، وكانت البيّنة إلى جانبه وحكم القاضي بها، فإن ذلك لا يُحِلُّ له أكل الباطل في ما انتهت إليه الدعوى. ولكن ذلك جارٍ على الأوضاع العادية في مسائل التحاكم؛ أما في القضايا التي تتعلق بالخط المستقيم للعدالة بشكل عام، فإنها ترتبط بالأجواء الداخلية والسلوكية للتصور الإسلامي للعلاقات التي تعطي المسلمين الجوَّ الرائع في الأخلاق والسلوك، في ما يجب أن يتمثلوه ويعيشوه في حياتهم، كما حدث في هذه القضية التي أراد الله من خلالها تقرير مبادىء عدة في حياة المسلمين العاطفية والاجتماعية، من أجل أن لا تنحرف عن خط العدالة في ذلك كله.

* * *

الحكم بما يريه الله من الحق

1 ـ {إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ}. إن الله أنزل الكتاب بالحق ليكون هو القاعدة الفكرية والعملية التي ينطلق منها المؤمنون في تسيير جميع شؤون حياتهم، فلا مجال لاتباع الآراء والأهواء التي تبتعد عنه، لأن الله يريد للحياة أن تقوم على أساس الحق الذي يواجه القضايا من منطلق الواقع، بعيداً عن أية علاقة أو انتماء أو مطمع... وفي هذا الجو لا بد أن يحكم الحاكم، في كل المسائل التي تثار أمامه، بما أراه الله من الحق، فلا يتطلع إلى أيِّ شيء آخر في ما يدخل في حيثيات حكمه، مهما كانت الظروف والاعتبارات والنتائج، لأن ذلك يمثل انحرافاً عن الحق وابتعاداً عنه. وهذا هو الخط الذي نستهديه في كل مجالاتنا الفكرية والاجتماعية والسياسية؛ فإذا كان الكتاب هو الذي أنزله الله بالحق، فإن علينا أن ننطلق من مفاهيمه وتعاليمه في كل شيء، وأن ننطلق من أجوائه في منهج التفكير وطريقته.

* * *

الاستغفار وسيلة تربوية روحية

2 ـ {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} الاستغفار من وسائل التربية الروحية التي يريد الإسلام من الإنسان أن يمارسها بوعي المؤمن الذي قد يرتكب المعصية، أو وقد يهمّ بها، أو قد تطوف بخاطره، أو يعيش في مناخها... من أجل تحقيق هدفين:

الأول: القرب من الله بعد أن أبعدته تلك الأجواء والمشاعر والأفكار عنه، لأنه يمثل الإحساس بالذنب في عملية اعتراف وندم وتراجع.

الثاني: الحصول على المناعة الداخلية من خلال الإيحاء بالتأنيب الداخلي للذات وهو في موقع الابتهال إلى الله. وقد يلاحظ الإنسان ويتساءل كيف يوجّه القرآن الخطاب إلى الرسول بالاستغفار، وهو المعصوم الذي لا تخطر بباله المعصية، فضلاً عن ارتكابها؛ وقد يجاب عن ذلك بأن الأسلوب القرآني يوحي بالخطاب للأمة من خلال خطاب النبي(ص) إمعاناً في تأكيد الأهمية للموضوع، وربما يخطر بالبال أن الاستغفار لا يُراد منه معناه الحرفي الذي يدلّ على وقوع الإنسان في الذنب أو حضوره في أجوائه، بل يقصد منه الابتهال إليه تعالى ليسدّد الإنسان بالابتعاد عن ذلك، من باب التعبير عن عصمة الله للإنسان بتوفيقه للبعد عن الذنب، بطريقة الطلب إلى الله أن يغفر له ذلك، كأسلوب من أساليب التعبير عن النتائج بالمقدمات؛ والله العالم.

* * *

الخيانة مرفوضة بكل أشكالها

3 ـ {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}.

إن الإسلام يرفض الخيانة من الإنسان بأيّ شكل كانت، وفي أيّ موقع وجد، في الحقول العامة والخاصة من حياة الفرد والمجتمع، في قضايا المال والحكم والنفس والعرض والعلاقات... ويؤكد الإسلام، في رفضه لكل القيم الشريرة، على أن يتحرك الرفض في الفكر والشعور والعمل، فلا يعيش الإنسان فكر الخيانة كطريقةٍ يخطط بها الخطط، ليتحرك الفكر من هذا الموقع، ولا يرضى له بأن يتعاطف مع الخائنين بالشعور والكلمة والموقف، لأن المؤمن لا يجتمع في قلبه حب الأمانة وكره الخيانة مع محبة الخائنين؛ وعلى هذا، فلا بد من مواجهة الخونة بالموقف السلبي الحاسم الذي يتمثل فيه موقف المواجهة لهم، وترك الدفاع عنهم، ومناصرتهم بأية وسيلة كانت؛ وفي ضوء ذلك، لا يبيح الإسلام مهنة المحاماة إذا انطلقت في خط الدفاع عن المجرمين.

وقد أكد القرآن هذا الخط في عدة أساليب، فبدأ بالنهي عن أن يكون المؤمن خصيماً، أي مدافعاً عن المؤمنين، لأن الكتاب يرفض الخيانة، فلا يجوز للمؤمن أن يدافع عنها بالدفاع عن رموزها، وإلا كان ذلك انحرافاً عن الوقوف عند الحق. واعتبر الخائنين خائنين لأنفسهم، كما هم خائنون للناس من حولهم، لأنهم أوقعوا أنفسهم في الهلكة بما مارسوا من الأعمال التي تعرضهم لعذاب الله، فكيف يجادل الإنسان عن هؤلاء؟ وهل يكون ذلك إلا نوعاً من أنواع مساعدة الإنسان على خيانة نفسه، بالتمرُّد على إرادة الله، في الوقت الذي يريد الله للمؤمن أن يساعد العصاة على أنفسهم بهدايتهم إلى سبيل الله في السير على هدى أمره ونهيه؟ ثم تحدثت عن طبيعة العلاقة بين الله وبينهم وبين الخائنين هؤلاء، فهم من الأشخاص الذين لا يحبهم الله، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}، فكيف يمكن للإنسان المسلم أن يحب من لا يحبه الله، مع أن علامة إيمان المؤمن هي أن يحب من يحبه الله، ويبغض من يبغضه الله؛ بحيث يكون شعوره السلبي والإيجابي تبعاً لإيمانه، في ما يوحيه من مشاعر وعواطف؟!

* * *

الله محيط بعمل الإنسان

4 ـ ويطوف القرآن بالمسلمين في الآفاق الروحية للإيمان التي قد يبتعدون عنها، في ما يقتربون من أجواء العصبية الجاهلية؛ فهؤلاء الذين اجتمعوا ليلاً ليتداولوا في أمر الخيانة ليبعدوا التهمة عن السارق ويلصقوها بالبريء، كانوا يحاذرون أن يراهم أحد أو يستمع إليهم، لأنهم يخشون من الناس على مصالحهم وعلى مكانتهم، ويخافون من انتقامهم عند انكشاف خطة المؤامرة، ولم يحسبوا لله حساباً في ذلك كله، وهو الذي يعلم سرّهم وعلانيتهم، فكيف يستخفون منه؟ أولا يعيشون الشعور بالحاجة إلى ذلك، فيلحّ عليهم إلحاحاً شديداً في داخل كيانهم، ليكتشفوا من خلال ذلك أن الإنسان لا يتمكن من أن يستخفي من الله، مما يدفعه إلى أن لا يفعل ما لا يرضاه، لأنه مطّلع عليه. {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وهذا ما ينبغي للإنسان المؤمن أن ينفتح عليه في حياته، من الإحساس العميق بحضور الله في نفسه، بالمستوى الذي يشعر بإحاطته به من كل جانب، ليمنعه ذلك من المعصية في ما يفعله أو ما يتركه.

* * *

الآخرة يوم ظهور الحق

5 ـ {هَـأَنْتُمْ هَـؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}.

ما هي فائدة جدالكم عنهم؟ إنكم قد تستطيعون الدفاع عنهم في الدنيا، فتنقذونهم من عقوباتهم لأنكم تملكون الوسائل المقنعة التي تثبت دعواكم الباطلة بطريقة أو بأخرى، ولا يملك الحاكم وسيلة العلم بالغيب ليكتشف كذبكم، ولكن هل ينتهي الأمر عند هذا؟ ألا تؤمنون بالآخرة وعذابها وثوابها، يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها؟ فهل تستطيعون أن تجادلوا عنهم هناك؟ حيث لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله، ومن الذي يكون عليهم وكيلاً، ليتولى الدفاع عنهم أمام الله؟ إن على الإنسان المؤمن أن يفكر بقضية الأمن والمصير على مستوى الآخرة لا على مستوى الدنيا، لأن أمر الدنيا زائل بثوابها وعذابها، أما أمر الآخرة فإلى خلود في كل أجواء النعيم والجحيم؛ وهذا هو المفهوم الإسلامي الذي يريد أن يوحي للناس، أن يتجاوزوا حياتهم إلى الحياة الآخرة، من خلال ما يخوضون فيه من جدال حول القضايا التي يختلف فيها أمر الحق والباطل، مما يدفعهم إلى مراقبة الله في ذلك كله، ليكون هو الأساس في النظرة إلى الأشياء.

* * *

رحمة الله واسعة لكلّ توّاب

6 ـ {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً}.

إن الله يفتح باب رحمته ومغفرته لكل خاطىء، من مواقع الرحمة التي جعلها لعباده في كل زمان ومكان؛ وفي ذلك إيحاء للإنسان بأن الخطيئة ليست ضريبةً لازمة للخاطىء، بل هي حالة طارئة يمكنه أن يتجاوزها إلى حيث الطاعة والرضوان بالاستغفار الذي يعبر عن الندم والتوبة وإرادة التغيير، والتصميم على أن يصحح الإنسان نفسه وطريقه، كوسيلة من وسائل السمو بالنفس الإنسانية إلى آفاق الله.

* * *

كل نفسٍ بما كسبت رهينة

7 ـ {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}.

إن الإنسان يتحمل مسؤولية عمله، في ما يكسبه من آثام وخطايا بكل ما تفرضه من نتائج سلبية على مستوى حياته في الدنيا، وعلى مستوى مصيره في الآخرة؛ فإذا كانت القضية تنعكس على شخصيته، في ما يتصل بأمور الكرامة والشرف، فإن عشيرته وأولاده وأهل بلده لا يتحملون شيئاً من ذلك، لأن شرف الإنسان يخصه ولا يخص غيره، من خلال ممارسته. وإذا كانت القضية تنعكس على مصيره في ما يتصل بعذاب الله، فلا يعذب إنسان لعمل إنسان آخر، لأن العذاب كان نتيجة كسبه السّيء، فهو الذي يحمل مسؤوليته؛ وعلى هذا الأساس ينبغي للإنسان أن يواجه مواقفه ليعرف كيف يتحمل مسؤوليته أمامها، وليعي ـ جيداً ـ أن الناس لا يغنون عنه شيئاً في قليل أو في كثير، كما أن أخطاء الآخرين لا تلزمه بشيء ولا تخيفه في شيء، وعليه أن يراقب الله في كل أموره، فإنه العليم الحكيم الذي يحيط بكل شيء ويدبّر الأمور بحكمته.

* * *

الإسلام يرفض الظلم والكذب والبهتان

8 ـ {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً مُّبِيناً}.

ليس للإنسان المؤمن أن يبرّىء نفسه باتهام غيره البريء، بل عليه أن يتحمل مسؤولية عمله بالالتزام بكل النتائج المترتبة عليه، من دون فرق بين أن يكون هذا البريء الذي يُراد إلصاق التهمة به مسلماً أو غير مسلم، لأن القضية قضية المبدأ الذي يفرضه الإيمان كموقف في الحياة، وهو أنه لا يجوز معاقبة أي إنسان بريء بما لم يفعله، ولا يجوز اتهامه حتى لو لم تترتب عليه أية نتائج عملية؛ لأن ذلك كذب وظلم وبهتان، والإسلام لا يريد لمجتمعه أن يعيش فيه الناس تحت رحمة الاتهامات الكاذبة والعقد النفسية، والقوى المسيطرة، بل يريد للفرد، مهما كان دينه وعقيدته وموقعه الاجتماعي، أن يشعر بالأمن والطمأنينة تحت ظل العدل الذي يمارسه الحاكم والمحكوم، في حماية الحق أينما كان موقعه، وفي مواجهة الباطل أينما كان مجاله؛ وبهذه الروح أراد الله لليهودي البريء أن يعيش في حماية الإسلام، من دون أن يكون ليهوديته أية صفة سلبية ضده في ميزان الحكم بالعدل، كما أراد للمسلم السارق أن يأخذ حصته من العقوبة في خط العدل، من دون أن يكون لإسلامه أية صفة إيجابية في الحكم له بالباطل. إن الإسلام يواجه الواقع في مجالات الحكم على أساس ما هو الحق والباطل، بعيداً عن أية نظرة إيجابية أو سلبية، فيمن له الحق أو فيمن عليه الحق.

* * *

الله تعالى عاصم لنبيه من الضلال

9 ـ {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيء وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}.

هؤلاء الناس الذين يملكون مواقع اجتماعية، وحصلوا على الثقة لدى الناس في ظاهر أمرهم، ودخلوا في الإسلام؛ كانوا يحاولون بمختلف أساليبهم أن يصوروا الأمر للرسول(ص) كما لو كان حقيقة، من خلال البينات التي أقاموها والأجواء العاطفية التي أثاروها والضغوط النفسية التي حشدوها، والتي أرادوا من خلالها أن يقنعوا رسول الله(ص) ببراءة السارق الحقيقي وجريمة البريء لينحرفوا بالقضية من خط الهدى إلى خط الضلال؛

ولكن الله يلهم نبيّه ـ في الحالات الصعبة التي تمثل جانباً من الخطورة في حركة الإسلام في الحياة ـ ويعرّفه واقع الأمور من خلال الغيب، ليكشف له وجه الحق، لأن الاعتماد على الوسائل العادية التي يتبعها القضاء الإسلامي من الإيمان والبينات، قد تخطىء السبيل إلى النتائج الحقيقية، في ما يملك الناس أمر التلاعب فيه؛ وربما كانت بعض المراحل لا تتحمل الخطأ الذي قد تتحمله مراحل أخرى، مما يستدعي التدخل الغيبي. وهكذا أوحى الله لنبيه بالحق، فلم يستطع هؤلاء القوم أن ينحرفوا بحكم النبي(ص) عن وجه الحق، ولكنهم هم الذين ضلوا بانحرافهم في شهاداتهم الباطلة، وفي دفاعهم عن المجرم واتهامهم للبريء؛ وذلك من فضل الله ورحمته على رسوله وعلى الأمّة، كما كان من فضله عليه أن أنزل عليه الكتاب الذي يفصّل له حقائق الحياة، في ما تريد أن تبلغه من النمو والسمو والتقدم والسلام، وأنزل عليه الحكمة، في ما يتحرك فيه من مواقف قيادية ونظرات عملية يضع فيها الأمور في مواضعها، وألهمه وعلّمه علم ما لم يكن يعلم من كل الأمور التي يحتاج إليها في رسالته من الناحية الفكرية والتطبيقية، ورفعه أعلى الدرجات؛ وكان فضل الله عليه عظيماً.

وقد نستوحي من هذه الآية أن على الإنسان، الذي يتحمل أية مسؤولية في حياة الناس، أن ينتبه إلى هذه النماذج القلقة التي تعمل على تضليل القادة وإبعادهم عن خط العدل بمختلف الأساليب والوسائل الضاغطة، مما يدفعنا إلى التدقيق في طبيعة الطروحات التي يطرحونها والشهادات التي يشهدونها، ليكتشف الإنسان منها بعض الخفايا الدقيقة من وسائلهم، لا سيّما في المسائل التي تتصل بصورة العدالة الإسلامية، مما هو مماثل لهذه القضية التي نزلت هذه الآيات فيها؛ فإن الناس قد يتحمسون كثيراً لاتهام الأشخاص الذين يخالفونهم في العقيدة، أو في الاتجاهات المتنوعة التي تقسم الناس إلى فرقٍ وشيعٍ وأحزابٍ، كما يعملون على تبرئة الأشخاص المرتبطين بهم بأية صلةٍ عاطفيةٍ أو فكريةٍ أو غير ذلك...

ولا بد لنا ـ في الوقت ذاته ـ أن نثق بالله عندما نسير على الخط المستقيم، لنعرف أنه سينقذنا من ضررهم، فلا يأخذنا الرعب والهلع من مكانتهم الاجتماعية، في مواجهة كل خططهم الشيطانية بما يحفظ للعدل قوّته ودوره في حفظ مصالح الناس الحقيقية.

* * *

هل الآية دالة على العصمة بمعناها الفلسفي؟

جاء في تفسير الميزان ـ للعلامة الطباطبائي ـ أن الآية وهي قوله تعالى: {وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} تدل على العصمة من حيث أنها توحي بأن الله سبحانه وهب نبيه العصمة، وهي «سبب شعوري علميّ غير مغلوب البتّة، ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراك لتسرّب إليها التخلّف، وخبطت في أثرها أحياناً، فهذا العلم من غير سنخ سائر العلوم والإدراكات المتعارفة التي تقبل الاكتساب والتعلّم، وقد أشار الله تعالى إليه في خطابه الذي خصّ به نبيه(ص) بقوله: {وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} وهو خطاب خاص لا نفقهه حقيقة الفقه، إذ لا ذوق لنا في هذا النحو من العلم والشعور، غير أن الذي يظهر لنا من سائر كلامه تعالى بعض الظهور كقوله: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} [البقرة:97] وقوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِي مُّبِينٍ} [الشعراء:193 ـ 195] أن الإنزال المذكور من سنخ العلم، ويظهر من جهةٍ أخرى أن ذلك من قبيل الوحي والتكليم كما يظهر من قوله: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشورى:13] وقوله: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ [النساء:163] وقوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيّ} [الأنعام:50] وقوله: {إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ} [الأعراف: 203]»[8].

ونلاحظ أن دراستنا للآيات المماثلة لهذه الآية توحي بأنّ المراد من العلم الذي لم يكن يعلمه، هو ما قصه عليه من أخبار الأولين والكتاب والحكمة، بحيث تكون جملة {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} بمثابة التفسير للجملة الأولى، للإيحاء بأن ما أنزله الله عليه كان جديداً على وعيه العلمي، وهذا هو ما جاء في قوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا}[هود:49] وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَـكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى:52] فإن الظاهر من الآيتين أنهما تتحدثان عن أن هذا العلم الذي وهبه الله لنبيه مما يتعلق بأنباء الغيب والكتاب والإيمان، لم يكن مما يعلمه النبي محمد(ص) قبل ذلك، أمّا تفسير كلمة {رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} بروح القدس التي تسدده وتعصمه عن المعصية والخطيئة، فهو غير ظاهر من الآية، لا سيما أن الله جعلها موضوعاً لوحيه، مما يدل على أنها من نوع المعرفة التي يلقيها الله بالوحي على نبيه من أمره الذي هو سرّه وشأنه. وعلى كل حال، فإنه لم يأت بدليلٍ على أن هذا العلم الذي علّمه الله لنبيّه من الأمور التي لا نفقهها ولا ندركها، باعتبار أنها سرّ الله، الذي يختلف عن الكتاب والحكمة إلا من جهة العطف بالواو الذي يدل على التغاير، ولكنه ـ بقرينة الآيات الأخرى ـ ظاهر في العطف التفسيري لبيان نكتة مهمة، وهي أن ما أوحى به الله إليه لم يكن معلوماً عنده.

أمّا الاستدلال عليه بأن مورد الآية، قضاء النبي(ص) في الحوادث الواقعة والدعاوى التي ترفع إليه، برأيه الخاص، وليس ذلك من الكتاب والحكمة بشيء، وإن كان متوقفاً عليها، بل هو رأيه ونظره الخاص؛ فهو غير دقيق، لأن رأيه الخاص ليس حالةً ذاتيةً تنطلق من علمٍ غيبيٍّ خفيٍّ لا يعلمه أحد، لأنه لا يحكم إلا بالوسائل الشرعية التي وضعها الله بين يديه مع مراعاة الخطوط التشريعية التي تمثل الأحكام المتصلة بالقضايا العامة والخاصة للناس، وهذا هو ما نستوحيه من الحديث المأثور عنه(ع) أنه قال: «إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان وبعضكم ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنما قطعت له به قطعة من النار»[9]، مما يوحي بأن ما ذكره العلامة الطباطبائي حجة على اختلاف مدلول قوله تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} عن الكتاب والحكمة، غير صحيح، لا سيما وأننا نعرف أن القضايا التي يختلف فيها الناس تتحرك في دلائلها من خلال الواقع الخارجي الذي تتناثر فيه وقائع الأمور.

إننا نؤكد عصمة النبي محمد(ص) لأن دوره الرسالي الذي ينطلق من إرادة الله له تغيير الإنسان على أساس الحق، لا يمكن أن يتناسب مع بناء شخصية الرسول على غير الحق، بحيث يمكن أن يعرض لفكره ولعمله.

إن الرسول ليس مجرد مصلح ينطلق من ذاته ليخضع للخطأ والصواب ذاتياً، بل هو الإنسان التغييري على قاعدة روحية الحق كله في الوعي والممارسة. أمّا الاستدلال عليها بهذه الآية، فهذا مما لا نفهمه منها ولا دلالة للفظ في الآية عليها؛ والله العالم.

ـــــــــــ

(1) مفردات الراغب، ص:162.

(2) في الأصل "به".

(3) أسباب النزول، ص:100.

(4) العلية: بيت منفصل عن الأرض ببيت أو نحوه.

(5) أبّنه: عابه وعيّره.

(6) جبه الرجل: ضربه على جبهته، ردّ عن حاجته.

(7) مجمع البيان، ج:3، ص:160 ـ 161.

(8) تفسير الميزان، ج:5، ص:80 ـ 81.

(9) الوسائل، م:18، باب:2، ص:169، رواية:1.