الآية 115
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــة
{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً}(115).
* * *
معاني المفردات
{يُشَاقِقِ}: كناية عن المخالفة مع العداوة، وشق العصا، أي فارق الجماعة، والشق: النصف، وأصله من الشقّ وهو القطع طولاً، وسميت العداوة مشاقةً، لأن أحد المتعاديين يصير في شقٍّ غير شقّ الآخر من أجل العداوة التي بينهما ومنه الاشتقاق، فإنه قطع الفرع عن الأصل.
{نُوَلِّهِ}: من الوَلْي، وهو القرب، يقال: ولي الشيء إذا قرب منه، وكل ما يليك أي ما يقاربك، والوَليّ المطر الذي يلي الوسميّ ـ وهو أول مطر الربيع ـ.
{وَنُصْلِهِ}: الصلاء لزوم النار.
* * *
من يشاقق الرسول.. نُصْله جهنم
إن الآية تتحدث عن هؤلاء الذين يثيرون الشقاق والنزاع مع الرسول أو مع الرسالة، بعدٍ أن قامت عليهم الحجة من الله ووضح لهم الحق، ولم يعد لهم عذر في أية شبهة أو شك أو رأي مضاد، فإن المفروض فيهم أن ينسجموا مع الدلائل التي يقدّمها لهم الرسول، وينطلقوا في خط الإيمان على النهج الذي يسير فيه المؤمنون في حياتهم العملية ككل إنسان يواجه الحق في مواقع الوضوح؛ فإذا انحرفوا عن ذلك، تركهم الله لما يتولونه من نهج أو طريق، وعذّبهم في نار جهنم التي تمثل سوء المصير.
وقد ينبغي لنا أن نلاحظ هذه اللفتة القرآنية المعبّرة؛ وهي أن الله لم يواجه الإنسان بالعقوبة والإبعاد، من خلال إنكاره للحق أو مخالفته للرسول؛ بل واجهه بذلك على أساس وضوح الأمر لديه وقيام الحجة عليه، بالمستوى الذي لا يملك معه عذراً مقبولاً في الإنكار والانحراف عنه، مما يوحي بأن لديه عقدة مرضية تتحرك في خط العناد وإثارة الفتن والمشاكل؛ وبذلك تكون العقوبة على ما يحمله الإنسان من روح التمرّد على الله، لا على مجرد ما يحمله من رأي مخالف.
* * *
من إيحاءات الآية
وربما يستوحي البعض من هذه الآية عدة أمور.
الأمر الأول: قوله تعالى: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى}، فقد يستدلّ بها على أن الله يحمّل الإنسان مسؤولية اختياره، مما يوحي بأن الإنسان مختار في فعله وليس مجبراً.
الأمر الثاني: قوله تعالى {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى}. فقد يستوحي منها أن المسؤولية تنطلق من وضوح الحق للإنسان المنحرف عن الخط عملياً بعد أن قامت الحجة عليه في ذلك، وعلى ضوء ذلك، فإن الإنسان الذي حاول معرفة الحق بجهده وسعى إلى ذلك بالوسائل المتعارفة ولم يصل إلى المعرفة بل بقي في حالة شك وارتياب، لا مسؤولية عليه لأن الحجة لم تقم عليه مع عدم كونه في طريق التمرّد. ومن خلال ذلك يمكن لنا أن نفهم أنّ الإنسان الذي اجتهد في سبيل الوصول إلى الحق، وأخطأ النتيجة مع المزيد من البحث الذي لم يبق له معه أيّ أمل في الحصول على دليل آخر غير ما لديه، فهو معذور[1].
الأمر الثالث: ذكر الرازي في تفسيره، أن الشافعي سُئل عن آيةٍ في القرآن في كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة، حتى وجد هذه الآية: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} وتقرير الاستدلال أنّ اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجباً[2]، ومن الطبيعي أن المؤمنين إذا أجمعوا على شيء، كان ذلك مصداقاً لما يستفاد من الآية من ضرورة اتباع سبيل المؤمنين.
ولكن هذا الدليل غير تام، لأن الآية تتحدث عن الذين يتبعون غير سبيل المؤمنين في الإخلاص لله ولرسوله واتباع أوامره ونواهيه، مما يكون مصداقاً لمشاقة الرسول التي تتطابق مع التمرد عليه الذي يلتقي مع واقع المشركين والمنافقين، وأين هذا من مسألة الإجماع الذي يمثل اتفاق المؤمنين على خط عملي لم تقم عليه حجة ولم يثبت أنه صادر عن الرسول كما هو الفرض، لأنه لا طريق له غير الإجماع، فهي تتحدث عن الواقع الذي كان يعيشه الوضع الإسلامي مع القوى المضادة. وقد جاء عن الشيخ محمد عبده ـ نقلاً عن تفسير الكاشف ـ: أن الإجماع الذي يعنونه هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة نبيها، والآية نزلت في عصره، لا بعد عصره[3].
ـــــــــــــــ
(1) يراجع: مغنية، تفسير الكاشف، م:2، ج:5، ص:437.
(2) الرازي، الفخر، التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي، ط:3، م:6، ج:11، ص:43.
(3) تفسير الكاشف، م:2، ج:5، ص:437.
تفسير القرآن