تفسير القرآن
النساء / الآية 116

 الآية 116
 

   بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــة

{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً}(116).

إن الله لا يغفر أن يشرك به

إن قضية التوحيد والشرك ليست قضية فقرة من فقرات العقيدة التي تتحرك في نطاق محدود، بل هي قضية منهج للحياة، ينطلق من القاعدة التي تربط الحياة بالله بكل أفكارها وقضاياها ومواقفها، أو ينطلق من النقطة التي تربطها بغير الله بكل مجالاتها الخاصة والعامة... وبذلك يكون الشرك انحرافاً عن خط الله من حيث الأساس، لأن التفاتك لغير الله، في ما تعتبره شريكاً لله، يعني استغراقك في عبادتك له، مما يجعل العبادة لله شيئاً لا معنى له في عمق النفس الإنسانية، كما نلاحظه في الكثيرين ممن يعبدون الأصنام والأشخاص والكواكب والشمس والقمر وغيرها... فإننا نجد أنهم يستغرقون فيها بحيث يبتعدون عن الله، حتى لو هتفوا باسمه، لأن الهتاف يتحوّل إلى لفظ بلا معنى؛ وفي ضوء ذلك لا يبقى لأعمال الإنسان أيُّ أساس يربطها بالله، بل تصبح الحياة كلها في قبضة غير الله. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ التوحيد يعتبر من وجهة النظر العقلية، من خلال ما يوحي به القرآن، معبّراً عن الحقيقة الواضحة التي لا شك فيها ولا ارتياب، وذلك في ما يحسه الإنسان بشعوره وتفكيره؛ وبذلك يكون إنكاره إنكاراً بعد تبيّن الحق ووضوحه، فلا يستحق رحمة الله ومغفرته، لأنه ابتعد عنه بالطريقة التي لا مجال لأن يلتقي فيها معه من قريب أو من بعيد. أما الأشياء الأخرى التي قد تتعلق ببعض تفاصيل العقيدة أو ببعض مظاهر العمل أو طبيعته، فيمكن أن تنالها المغفرة، لأن الإنسان يتعلق بالله بركن وثيق، لتبقى كل الأشياء قضايا قابلةً للمسامحة في ما يشاء الله ذلك على أساس حكمته ورحمته، فهي لا تمثل الخطأ المميت الذي يفقد فيه الإنسان روح العلاقة بالله الذي يبتعد به مسافة بعيدة لا مجال فيها للهدى، لأن أساس العلاقة بالله لا يزال قوياً في حركة التوحيد في الفكر والروح والشعور.

وهنا ملاحظة حول التكرار في القرآن، فقد وردت هذه الآية في هذه السورة آية(48)، فلماذا تكرر ذكرها؟ والجواب أن هناك نقطتين: الأولى: أن القرآن كتاب توعيةٍ وتثقيف وتوجيه وموعظة وإصلاح، ولذلك كان من الطبيعي أن يكرر الفكرة الحيوية التي تتصل بأكثر من جانب من جوانب الاستقامة في الخط الفكري والعملي للإنسان، لا سيّما إذا كانت في مستوى مسألة الشرك التي تضاد مسألة التوحيد في العمق والامتداد، وقد جاء الإسلام لإسقاط وثنية الشرك في روح الإنسان ووجدانه وحركة حياته، لتأكيد التوحيد في الفكر والواقع، وذلك لما يمثّله الشرك من خطورةٍ على مصلحة الإنسان العليا في العمق، وهذا هو الذي أراد الله تأكيده للمقارنة بين الشرك كجريمةٍ عقيديةٍ وعمليةٍ وبين الذنوب الآخرى التي قد تختلف في حجمها من حيث الكبائر والصغائر، وأن الله لا يغفر الشرك لمن مات مشركاً، لأنه لا يرتكز على أيّ أساس وجداني أو علمي، في حين ينطلق التوحيد من الفطرة الإنسانية في العقل والروح، بينما ـ يغفر لمن يشاء ـ أيّ ذنب آخر، لأنه يتصل بانحراف الغريزة تحت تأثير العوامل والعناصر الخارجية المؤثرة في الإنسان بطريقة شعوريةٍ أو لا شعورية.

النقطة الثانية: أن ذيل الآية الأولى يختلف في مدلوله عن ذيل هذه الآية فقد جاء في الأولى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}[النساء:48]، مما يوحي بأنها تعالج المسألة من حيث أن الشرك يمثل افتراءً عظيماً على الله وعلى الحقيقة، مما يتصل بعلاقة هذه القضية بالله في نطاق المعرفة، أما هذه الآية، فقد جاء في ذيلها قوله تعالى: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـلاً بَعِيداً} مما يدل على اتصالها بالجانب الإنساني الذي يجعل المشرك إنساناً ضائعاً في متاهات الضلال بالمستوى الذي يعرّض الإنسان للخطر الذي يمثله سلوكه في الخط الضائع. وربما كان الحديث عن الشرك ـ من حيث المبدأ ـ كمقدمة للحديث عن التفاصيل في الآية التالية. والله العالم.