من الآية 117الى الآية 122
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً* لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً* وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الاَْنْعَامِ ولآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً* يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً * وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً}(117ـ122).
* * *
معاني المفردات
{مَّرِيداً}: مارداً شديداً في كفره وعصيانه، متمادياً في شرّه، عارياً عن الخيرات، من قولهم: شجر أمرد، إذا تعرى عن الورق، والأمرد: المتجرد عن الشرّ. والمريد والمارد والمتمرد بمعنى، وهو العاتي والخارج عن الطاعة والمتملّس منها.
{لَّعَنَهُ}: أصل اللعن البعد ومنه قيل للطريد: اللعين
{مَّفْرُوضاً}: أصل الفرض القطع، والفُرضة الثلمة تكون في النهر، والفُرض: الحز الذي في السواك وغيره يشدّ فيه الخيط، والفرض في القوس الحزّ الذي يكون فيه الوتر، والفريضة ما أمر الله به العباد.
{فَلَيُبَتِّكُنَّ}: ليقطعنّ أو ليشققنّ، قال صاحب المجمع: التبتيك: التشقيق. والبتك: القطع[1]. وقد كان المشركون يجدعون آذان الأنعام.
{مَحِيصاً}: معدلاً ومخلصاً ومهرباً.
* * *
الشيطان يعدّد بعض أضاليله
كيف يتصور المشركون شركهم، {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} ربما كان ذلك في تصورهم للملائكة أنها بنات الله، أو في تصورهم للأصنام عندما يطلقون عليها اسم الإناث؛ وربما قيل إن في إطلاق اسم الإناث على ما يشركون به خصوصية، وهو الدور المنفعل للأنثى في قبال الذكر، فكيف يمكن أن يكون إلهاً من يكون كذلك؟ في الوقت الذي ينبغي أن يكون للإله دور الفعل، كونه من صفات الألوهية من العلم والقدرة والخلق ونحوها… ويتابع القرآن هذا التصور المنحرف {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـناً مَّرِيداً}، فهم يتبعون الشيطان في تفكيرهم وتصورهم، ويعبدونه من دون الله من خلال استسلامهم وطاعتهم له… {لَّعَنَهُ اللَّهُ}، فقد أبعده عن ساحة رحمته عندما ارتدى رداء الكبرياء بين يدي الله، {وَقَالَ لاََتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً}. فلما أمهله الله إلى يوم القيامة، ورأى نفسه مرذولاً مهاناً أمام تكريم الله لهذا المخلوق الجديد آدم، أعلن الحرب عليه، وقال: لآخذن من ذريته حصّةً مفروضة لي، أقتطعها لنفسي، فأمارس معهم كل الأساليب التي تبعدهم عن الله وتنحرف بهم عن الطريق السويّ؛ {ولأضِلَّنَّهُمْ} وأقودهم إلى الضياع حيث لا يجدون أمامهم العلامات الهادية إلى مقاصدهم التي تفتح لهم أبواب الهدى؛ {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} فأغرق كل تصوراتهم بالأحلام الخيالية والأماني المعسولة التي يعيش الإنسان معها في أجواء مسحورة بعيدة عن الحقيقة، مما يؤدي إلى تخبّطه وإمعانه في ضلال التيه، ويظل يركض وراء الأوهام فيبتعد رويداً رويداً عن نداء الحقيقة الإلهية المشرقة؛ {ولآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الاَْنْعَامِ}، وذلك بأن يشقوا آذانها فتحرم ـ بذلك في زعمهم ـ عليهم وتكون للأصنام؛ كما كان سائداً في الحياة العربية الجاهلية. وقد أراد الله أن يبيّن أنه من تسويلات الشيطان، لأن التحريم والتحليل بيد الله، فلا حرمة لما لم يحرمه الله، فكيف يحكمون بحرمتها؟ {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} فسّر ذلك بالتغيير الجسدي، واعتبر حلق اللحية أحد مصاديقه، وجعلت هذه الآية دليلاً لحرمته وقيل: إن من مصاديقه الخصاء الذي كان يستعمل للعبيد حتى يدخلوا على النساء من دون حرج؛ وفسّره البعض بأنه التغيير المعنوي، وهو تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهي التوحيد، انطلاقاً من قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم:30]، وذلك بإبعادهم عنها في ما يعتقدون وما يعملون وما يتصفون به من أخلاق...
وقد جاء في تفسير العياشي بإسناده عن أبي عبد الله جعفر الصادق(ع) قال: أمرُ الله بما أمَرَ به، وعن الإمام أبي جعفر محمد الباقر(ع) قال: دين الله[2].
ويناقش المنكرون لتخصيصها بالتغيير الجسدي، أن الآية لم تتحدث عن تغيير جسم الإنسان، بل تحدثت عن تغيير خلق الله، فإذا أريد منه المعنى المادي، فيلزم حرمة تغيير كل ما خلقه الله من النبات والحيوان والجماد والإنسان، وهو أمر مقطوع البطلان، لجواز التغيير في أكثر ذلك، فإذا التزمنا بالتخصيص، لزم تخصيص الأكثر. وعلى ضوء هذا، فلا مانع من تحويل الإنسان من جنس إلى آخر، كتغيير الذكر إلى أنثى والعكس، لأنه باقٍ على أصل الإباحة وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
{وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً}، لأنه ليس صادقاً في وعوده ومودته للإنسان، فكيف يأمن له ويستريح إلى كلماته؟ {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} ولكنه يخلف في وعوده، ويكذبهم في أمانيهم عندما يخيّل إليهم بأن الدنيا هي الفرصة الوحيدة للإنسان التي يعيش فيها مع شهواته ولذائذه، أو يوحي إليهم بأنه سينقذهم ويحميهم من كل الأخطار التي تواجهه عند الله. {وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} وخداعاً؛ فإذا استسلم الإنسان إليه ووقف أمام المصير المحتوم الذي يواجه فيه عذاب الله، تبرأ منه وتهرّب من كل مسؤولية تجاهه؛ كما حدثنا الله عن ذلك في قوله تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيء مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر:16].
{أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً}، لأن ذلك هو المصير المحتوم الذي يواجهه كل إنسان يبتعد عن الله ويستسلم للشيطان بعد أن حذّره الله منه وأقام عليه الحجة في ذلك كله، {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ}؛ فتحركوا في الحياة على أساس الإيمان، ولم يكتفوا بالتصورات الإيمانية بعيداً عن خط العمل، خلافاً للذين يتصورون أن الإيمان بالقلب وأنه لا ضرورة للعمل؛ فإن ذلك يعني عدم صدق الإيمان. ولهذا عبّر القرآن في أكثر من آية عن الانحراف بأنه كفر، للدلالة على أن قيمة الإيمان تتحدد بمقدار ما تتحرك في خط العمل؛ {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً} وذلك هو الوعد الذي يجب على الإنسان أن يتحمّس له وينطلق معه، لأنه الحق الذي لا مرية فيه {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً}، وهذا ما عبّر عنه القرآن في آية أخرى، وهو يتحدث لنا عن الحوار بين الناس والشيطان يوم القيامة. {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِي الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم:22].
ــــــــــــ
(1) مجمع البيان، ج:3، ص:171.
(2) تفسير الميزان، ج:5، ص:98.
تفسير القرآن