النساء الآية 123-125
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً* وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً* وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً}(123ـ125).
* * *
معاني المفردات
{بِأَمَانِيِّكُمْ}: الأماني جمع أمنية، وهي تقدير الأمن في النفس على جهة الاستمتاع به.
{نَقِيراً}: النكتة في ظهر النواة كأن ذلك نقر فيه.
{خَلِيلاً}: محبّاً لا خلل في مودته لكمال خلّته. قال صاحب المجمع: الخليل مشتق من الخُلّة ـ بضم الخاء ـ التي هي المحبة، أو من الخَّلة ـ بفتح الخاء ـ التي هي الحاجة، وإنما استعمل بمعنى الصداقة، لأن كلَّ واحد من المتصادقين يسدُّ خلل صاحبه، وقيل: لأن كل واحد منهما يطلع صاحبه على أسراره، فكأنه في خلل قلبه، وإنما استعمل في الحاجة للاختلال الذي يلحق الفقير في ما يحتاج إليه[1].
* * *
مناسبة النزول
جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ قال: جلس أهل الكتاب، أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الأديان، كل صنف يقول لصاحبه: نحن خير منكم، فنزلت هذه الآية. وقال مسروق وقتادة: احتج المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب نحن أهدى منكم، نبينا قبل نبيّكم وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أهدى منكم وأولى بالله، نبيّنا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب التي قبله، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان بقوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وبقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} الآيتين[2].
والظاهر أن هذا الكلام المذكور في الروايتين يمثل اجتهاداً لأصحابه من خلال استيحاء الآية في مناسبتها لهذا الجدل الدائر بين هؤلاء من أهل الأديان، ولكن الظاهر أن مساق الآية هو مساق التأكيد على أن الانتماء الديني لا يحمي أصحابه من التعرض لعذاب الله على السوء الذي يعملونه، لأن قضية الدين عقيدة وعمل، فمن يعمل سوءاً يجز به، وليست المسألة مسألة التفاضل بين الأديان.
كما جاء في «تفسير البيان» للطبري روايات كثيرة في سبب نزول هذه الآيات. منها رواية مرفوعة إلى السدّي قال: التقى ناس من اليهود والنصارى، فقالت اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبيّنا قبل نبيّكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً. وقالت النصارى مثل ذلك. فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيّكم، وقد أُمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحق، ولن يدخل الجنّة إلاّ من كان على ديننا. فرد الله عليهم قولهم فقال: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} ثم فضل الله المؤمنين عليهم، فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً}[3].
* * *
معنى الانتماء في الإسلام
في هذه الآيات تخطيطٌ للتصور الإسلامي في معنى الانتماء إلى الدين، فليس معناه أن ينتسب الإنسان إليه ليمثل ذلك امتيازاً ذاتياً يكتفي به في عملية الالتزام، ليباح له ـ بعد ذلك ـ كل شيء، بل إن معناه، هو الالتزام العملي، باعتباره خطاً يسير عليه في الجانب الفكري والعملي من حياته، مما يوحي لكل أتباع الأديان أن لا يستسلموا للأماني الذاتية بأن انتسابهم إليه يحقق لهم النتائج الجيدة على مستوى النعيم والفوز بالجنة في الآخرة، بعيداً عن العمل في هذا الاتجاه، فالله يريد للحياة أن تتحرك في الخطوط التي خططها في رسالاته، ويريد للإنسان أن يكون خليفته في الأرض من خلال ما يقوم به من بناء الحياة في نفسه وفي نفوس الآخرين وفي كل ما يتعلق بمسؤوليته الفردية والاجتماعية؛ فإذا لم يتحقق ذلك، كان هذا دليلاً على فقدانه للصدق في الإيمان، وبالتالي على خسرانه لكل نتائجه الإيجابية على مستوى المصير. ويتفرع عن ذلك، أن الإنسان المؤمن لا يخضع في تقييمه للعلاقات الإيمانية لمجرد الانتماء إلى الدين، بل يحاول أن يرتكز على العمل كأساس للتقييم، لأن المبدأ الذي تتحدث عنه الآية ليس مجرد مبدأ يتصل بتعامل الله مع الإنسان، بل يتصل بالصفة الحقيقية للانتماء؛ وفي ضوء ذلك يمكن أن تكون الآية واردة في الإشارة إلى قصة المسلم الذي سرق وأراد قومه تبرئته وإلصاق التهمة باليهودي، على أساس أن انتماءه للإسلام يبرّر ذلك؛ فجاءت الآيات هنا لتقول لهم: إن قيمة الانتماء إلى الإسلام تتحدد بمقدار الإخلاص العملي له، وذلك بالالتزام بالأمانة، وعدم الدفاع عن الخائنين، وعدم اتهام الناس بدون حق، أيّاً كان دينهم وعقيدتهم...
وقد نستوحي من ذلك رفض الأساليب التي تستعملها الطوائف الدينية في المجتمعات ذات التعدد الطائفي، أو التيارات السياسية في المجتمعات التي تتعدد فيها الأحزاب، وذلك بحماية المجرمين والخونة الذين ينتسبون إليها بمواجهة المظلومين والأبرياء، على أساس أن الانتماء يجعل لهؤلاء قيمةً دينيّةً وسياسيةً وذاتيةً تمنع من الاقتصاص منهم ودفع عدوانهم عن الآخرين. وقد ترك هذا التصرف آثاراً سلبية على طبيعة سلامة هذه المجتمعات، عندما انطلق المجرمون والخونة يعيثون في داخلها فساداً تحت حماية النفوذ الطائفي والسياسي، في الوقت الذي تحوّل فيه هؤلاء إلى عناصر تمارس السيطرة على مسيرة الناس الذين يعيشون معهم من دون أن يملكوا أمر مواجهتهم، لأن ذلك يكلّف الناس مواجهة الطائفة أو الحزب، مما لا قوة عندهم لتحمّله؛ وهذا هو المبدأ الجاهلي الذي كان يقول «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً».
{لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} في ما توحون به إلى أنفسكم بأن انتسابكم إلى الإسلام يمنحكم الأمن عند الله من دون عمل {وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ} الذين يعتقدون أنهم أبناء الله وأحباؤه، فلهم الحرية في أن يفعلوا ما يشاؤون من دون خوف من عذاب الله، لأن الله لا يعذب أحبّاءه. {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} مسلماً كان أو كتابياً أو ملحداً، لأن عمل السوء يوحي بالروح المتمردة على الله، الرافضة للانسجام مع طبيعة المسؤولية؛ وهذا ما يتنافى مع إخلاص الإنسان لله، ومع مصلحة الحياة في ما يريده الله لها من انسجام مع خط الرسالات الإلهية. {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}، لأن الولاية لله على الحياة كلها، فكل الخلائق خاضعةٌ لولايته باختيارها أو بحاجتها إليه في طبيعة تكوينها، ولأن القوة لله في كل وسائلها ومظاهرها وآفاقها، فلا قوة لغيره بعيداً عن قوته {هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ} [الكهف:44]، {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة:165]، فمن يكون الولي والنصير من دون الله؟ إن الذي يفكر بذلك يُغرق حياته في بحرٍ من الأوهام.
{وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى}، فإن العمل الصالح يحقق نتائجه من أيّ شخص صدر، سواء كان ذكراً أو أنثى، لأن الفوارق بين الرجل والمرأة قد تجعل لكل واحد منهما دوراً مميزاً على الآخر في طريقة تنظيم العلاقة الزوجية، أو في بعض القضايا المتصلة بالجانب الوظيفي من حياة المجتمع؛ أمّا في الجانب الإنساني الذي يتمثل بالعمل الصادر من الإنسان من حيث هو طاقةٌ معيّنةٌ، فإن القيمة هي للعمل، بقطع النظر عن شخصية العامل من حيث الصفات التي لا علاقة لها بكمية العمل ونوعيته… وبهذا كان تفضيل الرجل على المرأة في نطاق العلاقات العامة والخاصة على أساس مستوى معيّن لا يدخل في حسابات الآخرة عند الله؛ فقد يكون الرجل أفضل من المرأة وأرفع درجة عند الله، لكن لا من حيث ذكوريته بل من خلال عمله؛ وقد تكون المرأة أفضل من الرجل للسبب نفسه. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}، لأن غير المؤمن لا يستحق على الله شيئاً جزاء عمله.
* * *
مصير من يعمل عملاً نافعاً وما هو بمؤمن
وقد يخطر بالبال سؤال وهو: إن كثيراً من الناس يقومون بأعمال عظيمة في خدمة البشرية، من خلال ما اكتشفوا من اكتشافات وما حققوا من مشاريع، وما هدّموا من قوى الظلم والطغيان، ولكنهم غير مؤمنين؛ فهل تذهب أعمالهم هباءً؟ وهل يكون عمل المؤمن البسيط جداً في حجمه أو في نتيجته مستحقاً للثواب، بينما هذه الأعمال الكبيرة التي ترفع مستوى الناس جميعاً، في ما يتعلق بخدماتهم أو تطورهم، لا تستحق شيئاً؟ وهل يخضع مثل هذا لمقياس التوازن والعدل في المقارنة بين الأشياء؟
وقد يجاب عن ذلك بأن هناك نقطةً مهمةً يجب أن نركز عليها، وهي أن للعمل نظرتين أو حيثيتين في مجال عملية التقييم؛ فهناك النظرة إلى العمل من حيث طبيعته، في حجمه وفي نوعيته وفي تأثيره في حياة الناس، بعيداً عن شخصية صاحبه؛ وذلك من خلال كونه حقيقةً موضوعيةً مجرّدةً. وهناك النظرة إليه من حيث انتسابه إلى الإنسان وعلاقته بتقييم الشخصية، في دوافعه وروحيته والجو المهيمن عليه... فإذا نظرنا إليه من الحيثية الأولى، كانت القضية قضية الموازنة بين العملين في الكم والكيف والنتائج؛ وبذلك يكون العمل المتمثل في بناء مدرسة أعظم من العمل في بناء بيتٍ ٍشخصي لإنسان فقير، والتصدق بألف ليرة أكبر من التصدق بمائة...
أمّا إذا نظرنا إليه من الحيثية الثانية، فإن التقييم قد ينعكس إذا كانت الدوافع في بناء المدرسة مربوطة بهدفٍ شخصيٍ أو مزاجيٍ، بينما كانت الدوافع لبناء البيت روحية إنسانية، فإن العمل الصغير ـ حينئذ ـ يعبّر عن شخصية كبيرة، تنطلق ـ في حركتها ـ من الأهداف الكبيرة السامية؛ أمّا العمل الكبير، فإنه ينطلق من شخصية صغيرة ترتبط بالأشياء الصغيرة الحقيرة في الحياة، لأن العمل الذي يرتبط بالإنسان، يأخذ شيئاً من داخله، ويكتسب صفةً إنسانيةً في مضمونه؛ وبذلك تتحدد قيمته بمقدار ما يحمل من معنى الإنسانية في طبيعته، في مضمونها الروحي والأخلاقي... وفي ضوء ذلك، يمكننا أن نقرر نظرة الإسلام إلى العمل كقيمة إنسانية روحية، لأن اهتمام الإسلام في تشريعه يتركز على الاهتمام ببناء الإنسان في روحيته وتفكيره وإنسانيته من حيث ارتباطها بالله؛ ولذلك اختلف الثواب على العمل حسب اختلاف المعنى الذي يكشف عنه؛ فهناك فرقٌ بين العمل الصادر عن رياءٍ والعمل الصادر عن غير الواعي من موقع مستواه، وهناك فرقٌ بين العمل الصادر من أجل القرب إلى الله، وذاك الصادر للقرب من إنسانٍ. وهكذا تتصل القيمة بالمضمون، ولا تتصل بالشكل.
وعلى هذا الأساس، فقد يكون العمل الصادر عن هؤلاء الناس غير المؤمنين كبيراً من حيث الحجم والنوعية والنتائج كحقيقة موضوعية، ولكنه لا يحسب في هذا المستوى في نظرة الإسلام، إذا كانت الدوافع مزاجية أو مصلحيّةً أو بعيدةً عن الله في الجوانب الآخرى، فلا يستحق عليه ثواباً، لأنه لا يحمل أيّ معنى روحيٍّ أو إنسانيٍّ كبيرٍ، عندما يبتعد عن قاعدة الإيمان التي تحرك العمل في اتجاه المعاني الروحية الكبيرة التي ترتبط بالله. وقد ذكر بعض الباحثين من الفقهاء، أن الله قد يثيب الإنسان على العمل الخيّر في ذاته، إذا قام به الإنسان بدافع حبّه للخير، وإن لم يقصد القربة إلى الله فيه؛ ولكننا نعلّق على ذلك، بأن الإيمان هو الذي يجعل الخير حالة ذاتية للإنسان، من خلال ما يختزنه الإنسان ـ ولو بطريقة لا شعورية ـ من مشاعر الإيمان وإيحاءاته، مما يجعل نية القربة إلى الله مخزونة في وعي الإنسان المؤمن بطريقة ارتكازيةٍ لا شعوريةٍ؛ ولكن لا بد من الإيمان، فمن دونه لا مجال للثواب كحق للعبد على ربه، لكن قد يتفضل الله على بعض عباده العاملين للخير حتى لو كانوا غير مؤمنين في الدنيا كما ورد في بعض الأحاديث... {فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} بسبب عملهم {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً}؛ والنقير مأخوذ من النقرة الموجودة في النواة، ويراد بها أصغر وحدةٍ في الكم، كناية عن العمل الصغير جداً في حجمه، فإن الله لا يغفل عنه، بل يثيبه عليه مهما كان صغيراً.
وقد نستطيع أن نستوحي من التسوية بين الذكر والأنثى في نتائج العمل الصالح، أن هذه دعوة غير مباشرة للمرأة بأن تنطلق في كل عمل صالح في كل مجالات الحياة من دون تحديد، إلا ما حدده الإسلام من الحد الفاصل بين العمل المشروع والعمل غير المشروع؛ فلو كانت هناك حدود خاصة يفرضها الله عليها في مجال الخدمات العامة السائرة في نطاق العمل الصالح لاستثناه؛ وبذلك يمكن للمرأة أن تنطلق في كل الأعمال الخيرة الصالحة في نطاق الأجواء الشرعية التي أرادها الله لها كما أرادها للرجل، لتتحقق من خلال ذلك المصلحة الإنسانية.
* * *
أحسن الدين السليم المطلق لله تعالى
{وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً} هذا هو الدين الحق الذي يريد الله للإنسان أن يتحسّسه في مشاعره وأفكاره، فيستسلم لله استسلاماً مطلقاً في جميع قضاياه وتصرفاته؛ وهذا هو ما تمثله كلمة الإسلام لله، أو إسلام الوجه لله، لأن ذلك هو ما تفرضه قضية العبودية أمام الألوهية، في عمق الإحساس الداخلي وسعة الأفق الممتد في تفكير الإنسان على طريق المسؤولية، في ما توحيه كلمة الإحسان من معنى شامل يتسع للحياة وللذات وللإنسان، لأن الإسلام في مضمونه العملي يفرض التحرك في اتجاه الأعمال التي يحبها الله في عباده وبلاده...
وذلك هو ما تعنيه كلمة {مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً}... فإن إبراهيم كان يمثل الخط العام لكل الرسل، كما أن رسالته كانت العنوان الكبير الذي تتحرك في داخله الرسالات الأخرى، فهي قد تختلف في بعض التفاصيل والتشريعات، ولكنها تلتقي جميعاً في الخط العام والعنوان الكبير، ولذلك كان اتباع ملة إبراهيم حنيفاً ـ أي خالصاً ـ، وجهاً من وجوه الالتزام بالإسلام لله؛ فقد انطلق النبي إبراهيم أمام الله في وقفة إسلام رائعة {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *وَوَصَّى بِهَآ إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة:131 ـ 132]... وتحركت الرسالات في تاريخ البشرية لتحمل عنوان الإسلام، حتى رسالة الإسلام في نبوة النبي محمد(ص)؛ وهكذا كان الدين الأحسن هو الذي يحمل الإنسان فيه هذه العناوين الثلاثة التي تشمل الحياة كلها: إسلام الوجه لله، والإحسان بمعناه الممتد في الحياة، واتّباع ملّة إبراهيم حنيفاً.
{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً} تلك الصداقة التي منحها الله لهذا النبي العظيم، تكريماً لتضحيته وإخلاصه وفنائه في ذات الله؛ وقد جاء عن الإمام أبي الحسن الرضا(ع) قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه(ع) أنه قال: إنما اتخذ الله إبراهيم خليلاً لأنه لم يردّ أحداً ولم يسأل أحداً قط غير الله عز وجل[4]. وتلك هي العلاقة التي يمنحها الله للمخلصين من عباده، وربما كان الحديث عن هذا الجانب من شخصية إبراهيم للإيحاء بأن الإسلام العميق المتمثل في روحه وحياته هو الذي رفعه إلى هذه الدرجة؛ وهو الذي ينبغي للمؤمنين أن يعيشوه ويحصلوا عليه ليصلوا إلى بعض مراقي هذا السمو الذي يقربهم إلى الله في الدرجات العلى.
وذلك ما ينبغي للتربية الإسلامية أن تتجه إليه في بناء شخصية الإنسان المسلم، ليعيش الإسلام من خلال هذا المعنى العميق الممتد في الفكر والروح والشعور والحياة، لا من خلال الألفاظ الجامدة التي تؤطّرها الاصطلاحات بإطارٍ لا يوحي بأيّة حيوية تلامس الأعماق. إنها العبودية المطلقة أمام الله بإزاء الحرية المطلقة أمام عباده؛ لتكون العلاقة بالكون والحياة والإنسان تعبيراً عن العلاقة بالله، وليكون الإحسان إلى الحياة في كل مجالاتها الفكرية والعملية تجسيداً للإحسان كقيمةٍ روحيةٍ يعبد بها الإنسان ربه في المحراب الكبير في الكون كله، بعيداً عن كل شخص وعن كل عرض زائل.
ـــــــــــــــ
(1) مجمع البيان، ج:3، ص:177.
(2) أسباب النزول، ص:100ـ101.
(3) تفسير البيان، م:5، ج:5، ص:390.
(4) البحار، م:5، ج:12، ص:6 ـ 7، باب:1، رواية:5.
تفسير القرآن