تفسير القرآن
النساء / الآية 128

 الآية 128

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــة

{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}(128).

معاني المفردات

{بَعْلِهَا}: زوجها.

{نُشُوزاً}: استعلاءً وارتفاعاً بنفسه عنها، وقد مرت سابقاً.

{إِعْرَاضاً} انصرافاً بالوجه وهجراً وجفاءً.

{الشُّحَّ}: الإفراط في الحرص على الشيء، ويكون بالمال وبغيره من الأعراض، يقال: هو شحيح على مودتك، أي حريص على دوامها، ولا يقال في ذلك: بخيل، والبخل يكون في المال خاصة.

* * *

مناسبة النزول

جاء في مجمع البيان: كانت بنت محمد بن سلمة عند رافع بن خديجٍ، وكانت قد دخلت في السنّ، وكانت عنده امرأة شابة سواها، فطلّقها تطليقة، حتى إذا بقي من أجلها يسير، قال: إن شئتِ راجعتكِ وصبرت على الأثرة، وإن شئتِ تركتكِ. قالت: بل راجعني، وأصبر على الأثرة. فراجعها، فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله تعالى أنزل فيه هذه الآية عن أبي جعفر، وسعيد بن المسيب[1].

كما جاء في «تفسير البيان» للطبري حديثٌ مرفوع إلى سعيد بن المسيّب وسليمان بن يسار قال: إنّ رافع بن خديج كان تحته امرأة قد خلا من سنّها، فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة عليها، فأبت امرأته الأولى أن تقيم على ذلك، فطلّقها تطليقة، حتى إذا بقي من أجلها يسير، قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك، قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة! فراجعها. ثم آثر عليها، فلم تصبر على الأثرة فطلقها أخرى، وآثر عليها الشابة[2].

* * *

كيفية مواجهة المرأة لنشوز الزوج

قد تلمح المرأة في حياتها مع الزوج تغيّراً في معاملتها وتمرّداً على حقوقها وإعراضاً عنها بوجهه، وربما كان ذلك نتيجة كِبَرٍ أو ميلٍ إلى زوجة أخرى أو غير ذلك من الأسباب... فكيف تواجه المرأة هذا الموقف؟

من الطبيعي أن الإسلام لم يرخص للرجل في ذلك فقد أراد الله له أن يعاشر زوجته بالمعروف، ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ رخّص له في الطلاق، عندما تموت العاطفة في الروح، ويتبدل الجو الطيّب إلى حالةٍ من النفور. وقد لا تحب الزوجة أن تفارق زوجها، بسبب بعض المؤثرات الذاتية، فلها أن تدخل معه بالمفاوضات التي تنتهي إلى الصلح، وذلك بأن تتنازل له عن بعض حقوقها المالية، أو عن حق المعاشرة الزوجية، ليمتنع عن طلاقها وليصلح شأنه معها. وقد أكّدت الآية أن الصلح خير، لأنه يفسح المجال لحل المشاكل بطريقة سلمية لا تخلِّف وراءها مشاكل جديدة... {وَأُحْضِرَتِ الأنفُسُ الشُّحَّ} أي البخل، فإنه من الغرائز الإنسانية التي تكمن في داخل الإنسان فتمنعه من العطاء، وتحول بينه وبين تقديم التنازلات من أجل الوصول إلى الحلول الوسط في العلاقات الإنسانية، مما يعقّد الحياة لدى جميع الفرقاء المتنازعين ويحوّلها إلى جحيم؛ فلا مناص من الصلح الذي يقود الطرفين إلى بعضٍ من الحق، بدلاً من حرمانه منه بأجمعه. وقد ورد في الدر المنثور، عن علي بن أبي طالب(ع)، أنه سُئل عن هذه الآية فقال: «هو الرجل عنده امرأتان، فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمةً، فيريد فراقها فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت به نفسها فلا بأس به؛ فإن رجعت سوّى بينهما»[3]... وربما كان هذا التفسير من قبيل الحديث عن النموذج، وليس من قبيل التخصيص؛ لإمكان أن يكون هناك عدة حالات من هذا القبيل. ثم انطلقت الآية إلى الرجال ـ في ما يوحي به السياق ـ لتدعوهم إلى الإحسان والتقوى، لئلا تقودهم الحالات النفسية المعقدة إلى الانحراف عن خط الله في السلوك في داخل العلاقة الزوجية، فيعرض نفسه لعقوبة الله الذي هو خبير بكل ما يقومون به من أعمال.

وفي ضوء ذلك، يمكننا أن نفهم أن التنازل الذي يراد من الزوجة تقديمه ليس في مقابل إقناع الزوج بالقيام بحقها الشرعي الذي فرضه الله عليه؛ فإن ذلك أمر واجب لا يتحدث القرآن عن الدخول في مفاوضات الصلح من أجله، لأن الانحراف عنه غير شرعي، بل هو في مقابل تنازل الزوج عن حقه في الطلاق، الأمر الذي يجعل الدعوة إلى الصلح، دعوةً إلى بناء الحياة الزوجية على أساس التراضي والوفاق، في الحالات التي تتحرك الظروف في اتجاه تهديمها وإزالتها من حياة الطرفين.

ــــــــــــ

(1) مجمع البيان، ج:3، ص:183.

(2) تفسير البيان، م:4، ج:5، ص:417.

(3) تفسير الميزان، ج:5، ص:108.