من الآية 129 الى الآية 130
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيتــان
{وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً}(129ـ130).
* * *
معاني المفردات
{تَمِيلُواْ}: تجوروا وتعدلوا بأهوائكم. يقال: مال عن الحق إذا عدل عنه.
{كَالْمُعَلَّقَةِ}: بمعنى لا تحسّ بالعلاقة الزّوجية، ولا تشعر بلذة الحرية التي تشعر بها غير المتزوجة في طريقة حياتها، وكأنها ليست ذات زوج ولا أيّماً.
* * *
إشكالية عدم استطاعة العدل بين النساء
إنه التحديد القرآني للعدل بين الزوجات، في ما يريده الله في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ}[النساء:3]، فليس هو العدل في العاطفة والمعاشرة والملاطفة، في ما يدخل في نطاق الحالات النفسية العاطفية أو في طريقة التعبير عنها، لأن ذلك قد لا يكون عملياً أو ممكناً في بعض الموارد، إذ من الصعب على الإنسان أن يعمل على التسوية بين الزوجات في حجم العاطفة، أو في نوعية الشعور، أو في أسلوب التعبير عنه، ما دامت العناصر الجسدية الجمالية وغير الجمالية أو المؤثرات الذاتية، من خلال ما تتصف به هذه المرأة أو تلك من ثقافة وأخلاق وطريقة حياة، أو غيرها، موجودة مما يترك في نفس الإنسان تأثيراً مختلفاً لا يملك الإنسان معه السيطرة على نوازعه الداخلية؛ فلا يمكن أن يكلّف الإنسان بالعدل بهذا المعنى، لأنه قد يشبه التكليف بغير المقدور مهما بذل الإنسان من جهد، أو أثار من أجواء؛ بل القضية في العدل، هي قضية السلوك العملي في المعاملة الحياتية؛ وذلك بأن يعاملها كزوجة في ما جعل الله لها من حقوقٍ، بحيث تشعر بأنها تعيش معه كزوجةٍ حقيقية، في النفقة والمعاشرة ضمن النطاق المفروض لها، فلا يجوز له أن يهجرها هجراناً كلياً ويقبل على الأخرى إقبالاً كلياً، بحيث لا يبقى لها من الزواج إلا الاسم، بينما تعيش في الواقع عيشة المطلّقة، فتبقى كالمعلّقة التي لا تحس بمعنى العلاقة الزوجية في حياتها، ولا تشعر بلذّة الحرية التي تشعر بها المرأة غير المتزوجة في طريقة حياتها؛ فإن في ذلك الظلم الكبير الذي يبغضه الله لأنه يحوّل الزواج إلى سجن مظلم لا تملك فيه المرأة أيّ بصيص من النور.
ويوجّه الله للرجال ـ بعد ذلك ـ الأمر بالإصلاح والتقوى في مثل هذه الحالات التي تتعرض فيها العلاقة الزوجية للانهيار أو التضعضع، ويعدهم بالمغفرة والرحمة إن كان هناك خطأ سابق في التصرف، وذلك من خلال الإخبار بأنه كان غفوراً رحيماً.
وهذا الحديث كله وارد في حالة إرادة الإبقاء على علاقة الزواج بينهما؛ أما إذا شعرا بأن الحياة لم تعد محتملة في هذا الجو، ورأيا أن التجربة فاشلة، وأن النتائج لا تسير في الاتجاه السليم الذي يخدم حياتهما ومسؤوليتهما أمام الله، فإن بإمكانهما أن يتفرقا دون أن يخافا من مشاكل الفقر أو الحاجة، لأن الله الذي منحهما الغنى والاكتفاء في داخل الحياة الزوجية هو الذي يمنحهما ذلك في خارجها، لأن خزائنه واسعة لا تنفد؛ وكان الله واسعاً في ملكه وفي عطائه، حكيماً في تقديره الرزق لعباده؛ فلا يخشى أحدٌ الضياع في كل حالاته، لأن الله هو الذي يرعاه ويحميه ويقوده إلى كل خير بكرمه ورحمته وحكمته...
* * *
وقد تحدثنا في بداية السورة، كيف حاول البعض أن يجعل من هذه الآية دليلاً على أن الإسلام يحرّم التعدد في الزوجات، لأنه اشترط العدل في البداية، ثم أعلن استحالته هنا، الأمر الذي يدل على أن الحديث عن الإباحة المعلّقة، حديث عن شيء لا يمكن تحققه. ولكننا أوضحنا هنا وهناك، أن العدل هناك، هو العدل في النفقة وغيرها من الحقوق العملية التي فرضها الله، أما العدل المستحيل، فهو المساواة في العاطفة والمشاعر وأساليب المعاشرة، مع أن مثل هذا الاتجاه في الفهم يجعل القرآن متحدثاً عن الفرضيات غير المعقولة، وذلك سبيلٌ لا يتناسب مع حكمة الله في كتابه.
وقد نجد في بعض أحاديث أئمة أهل البيت(ع) ما يؤكد هذا التمايز بين مفهوم العدل في آية التعدد ومفهومه في هذه الآية، فقد جاء في تفسير العياشي بسنده عن الإمام جعفر الصادق(ع) في قول الله عز وجل {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} قال: في المودة[1].
وجاء في الكافي بإسناده عن نوح بن شعيب ومحمد بن الحسن قال: سأل ابن أبي العوجاء هشام بن الحكم، فقال له: أليس الله حكيماً؟ قال: بلى، وهو أحكم الحاكمين، قال: فأخبرني عن قوله عز وجل: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَواحِدَةً} أليس هذا فرض؟ قال: بلى، قال: فأخبرني عن قوله عز وجل: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ} أيّ حكيم يتكلم بهذا؟ فلم يكن عنده جواب. فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد الله «جعفر الصادق(ع)»، فقال: يا هشام في غير وقت حجٍ ولا عمرةٍ، قال: نعم، جعلت فداك، لأمر أهمّني، إنّ ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء، قال: وما هي؟ قال: فأخبره بالقصة، فقال له أبو عبد الله(ع) أمّا قوله (عز وجل): {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَحِدَةً} يعني في النفقة، وأمّا قوله {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} يعني في المودة[2].
* * *
معنى المرأة المعلقة
وهناك ملاحظة، وهي أن التدقيق في كلمة « المعلّقة»، قد توحي بأن من المفروض في علاقة الرجل بزوجته أن تحس المرأة بمعنى الزوجية في حياتها الزوجية سواء أكان ذلك في استمرار الإنفاق عليها بما يجب لها من النفقة، فلا ينفق عليها زماناً ليحرمها في زمان آخر، أم في معاشرتها في البيت من حيث تواجد الزوج معها في حياةٍ طبيعية، فلا يسافر عنها مدةً طويلة كالذين يهاجرون ويغتربون ليتركوا زوجاتهم في وحدةٍ موحشة كما لو لم تكن زوجة، أم في حقها من الجنس بحسب حاجتها إلى ذلك، بما يلبي جوعها ويعصمها من الانحراف ويحصّنها بالعفة على أساس الاكتفاء الجنسي، فيمنحها حاجتها منه كلما أرادت إذا لم يكن هناك مانعٌ صحيَّ أو غيره مما يمنعه من القيام بذلك وفي ضوء ذلك، فإننا نتحفظ على التحديد الفقهي بانحصار حقها في كل أربعة أشهر مرة، لأن ذلك يجعلها كالمعلقّة من الناحية الجنسية، باعتبار عدم انسجام هذا الحدّ الزمني مع العلاقة الزوجية الطبيعية، وهكذا يجتذب الرفض الإسلامي لتحوّل المرأة إلى شخصية (المرأة المعلّقة) العنوان الإيجابي في تعميق المعنى الزوجي في علاقة الرجل بزوجته.
ـــــــــــــ
(1) تفسير الميزان، ج:5، ص:108.
(2) الكافي، ج:5، ص:362، رواية:1.
تفسير القرآن