تفسير القرآن
النساء / من الآية 131 إلى الآية 134

 من الآية 131 الى الآية 134

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{وَللَّهِ مَا فِي السَّمَـواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَـواتِ وَمَا فِي الأرضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً * وَللَّهِ مَا فِي السَّمَـواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِـاخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذلِكَ قَدِيراً * مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخرةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً}(131ـ134)

* * *

لله ما في السماوات والأرض

إنها الحقيقة التي تفرض نفسها على الحياة والفكر والشعور، وتتحرك في كل اتجاهٍ في عملية تحدٍّ وإيحاءٍ بالقوة والثقة، ودعوةٍ للالتزام والانضباط والعمل... ففي البداية كانت للإيحاء بالثقة بأن الله يغني كلاًّ من سعته، لأن ملكه وسع السموات والأرض وما فيهنّ، فكيف يمكن للإنسان مع هذه الحقيقة أن يخاف الفقر على نفسه في أية حالة من الحالات؟ ثم كانت الدعوة إلى التقوى ومراقبة الله في كل الأمور، والعمل بطاعته في ما يأمر به وما ينهي عنه؛ هذه الدعوة التي وجهها الله إلى أهل الكتاب وإلى المسلمين وأراد منهم الالتزام بها في خط الإيمان، وأطلق هذه الحقيقة ـ بعد ذلك ـ في مقام التحدي لمن أراد أن يكفر بالله ولا يراقبه، بأن الله كان غنياً عنهم حميداً في كل أفعاله، لأنهم جزءٌ مما في السموات والأرض الذي هو ملك الله سبحانه، ثم وجههم إلى أن يعملوا ليكونوا تحت رعايته التي هي سر وجودهم ووجود كل شيء في السموات والأرض، مما يحتويه ملكه، مما يتصرف به من دون أن تحتاج الموجودات معه إلى أيّ مخلوق؛ {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} في القيام بأمور عباده وشؤونهم.

ويتعاظم التحدي والإيحاء بالقوة في مقابل الإيحاء بالضعف البشري للمخاطبين في قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِـآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذلِكَ قَدِيراً}. قد يكون المراد من الإذهاب الموت والفناء، كما ذكر البعض، وقد يكون المراد منه تبديلهم بآخرين من الناس ممن يتقون؛ وقد روي عن النبيّ(ص) أنها لما نزلت، ضرب بيده على ظهر سلمان وقال: إنهم قوم هذا[1] يعني عجم الفرس.

وتطوف الآية الأخيرة بالمشاعر العميقة للإنسان، عندما يقف وجهاً لوجه أمام قضية المصير؛ فقد يفكر بثواب الدنيا، باعتبار أن ذلك هو معنى مصيره في ما يتصور، ثم يبدأ في الخضوع لهذا ولذاك من أجل الحصول عليه، فيشرك بعبادة الله غيره، ويبتعد عن الله سبحانه، في الوقت الذي يريد الله منه أن يقف لحظة للتفكير، ليفكّر بأن هؤلاء لا يملكون شيئاً من ثواب الدنيا بعيداً عن ملك الله الذي يعطيهم إياه، فلماذا لا يقدر الله حق قدره، ويعرف أن الدنيا والآخرة بيده، وأن ثوابهما بإرادته، وأن عليه أن يتوجه إلى الله ليحصل على ثواب الدنيا والآخرة منه، فيلتقي مصير الدنيا لديه بمصير الآخرة، وذلك بأن يدعو الله في سره وعلانيته ويبتهل إليه بنبضات قلبه وخفقات روحه، ويعمل في سبيل الله في كل المجالات التي يريد الله للحياة أن تتحرك فيها... {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} لكل كلمات الخير والخشوع والخضوع التي تنطلق من قلبه وشفتيه، {بَصِيراً} بكل المواقف الحقة التي يقفها من أجله.

ــــــــــــ

(1) تفسير الميزان، ج:5، ص:106.