تفسير القرآن
النساء / الآية 135

 الآية 135

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــة

{يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالاَْقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}(135).

معاني المفردات

{قَوَّامِينَ}: المبالغة في القيام، فالمراد بالقوّامين بالقسط القائمون به أتمّ قيام وأكمله، بعيداً عن الأهواء والأطماع.

{بِالْقِسْطِ} القسط والإقساط: العدل، يقال: أقسط الرجل إقساطاً إذا عدل وأتى بالقسط.

{تَلْوُواْ}: اللّيّ الدفع، يقال: لويت فلاناً حقه، إذا دفعته ومطلته ومنه الحديث: «ليّ الواحد ظلم» أي مطل الغنيّ جور[1].

مناسبة النزول

جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ روى أسباط عن السدي قال: نزلت في النبي(ص) اختصم إليه غني وفقير، وكان ضلعه مع الفقير، رأى أن الفقير لا يظلم الغني، فأبى الله تعالى إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير، فقال: {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} حتى بلغ: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا}[2].

كما جاء في «تفسير البيان» للطبري حديث مرفوع إلى السدي، في قوله: {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ} قال: نزلت في النبيّ(ص) واختصم إليه رجلان غني وفقير، وكان ضلعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنيّ، فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط في الغني والفقير، فقال: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ}[3] .

* * *

ونلاحظ على هاتين الروايتين أنهما لا تتناسبان مع روحية العدالة لدى النبي(ص) التي تنطلق من خلال التأكيد على إعطاء صاحب الحق حقه من دون فرق في صفة صاحب الحق، ولا معنى للقول بأن الفقير، لا يظلم الغني، لأن الظلم لا ينطلق دائماً من خلال القوة التي لا يملكها الفقير بل قد ينطلق من خلال العقدة التي يحملها الإنسان للإنسان الآخر أو الحسد الذي يوحي إليه بالتمرد عليه من خلال بعض الظروف الملائمة لأوضاعه، ولذلك، فلا يمكن نسبة هذا الموقف البعيد عن خط العدل إلى النبي(ص)، وهو رسول العدالة المنفتحة على الحق لا على الشخص. هذا مع ملاحظة أن الخطاب موجّه للناس بشكل عام، لا للنبي محمد(ص). والله العالم.

* * *

كونوا قوامين بالقسط

وتواصل الآيات القرآنية النداء تلو النداء للمؤمنين، لتكون خطواتهم العملية في هدى الشخصية الإسلامية التي أرادها الله، لتكون عنصراً قوياً ثابتاً لبناء الحياة على أساس العدل الذي هو الهدف الكبير للحياة في تطلعات الإسلام وأهدافه؛ فلا بد للمؤمنين من تأكيد هذا الهدف في تكوينهم الذاتي، ليكونوا الصورة الحقيقية للواقع العملي الذي يعملون من أجله. {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} والقسط هو العدل، أن يكونوا قائمين به؛ أن يجعلوا حياتهم قياماً به من أجل أن يستوعب كل علاقاتها ومعاملاتها وأعمالها وأقوالها، بحيث تتحول كل نشاطاتهم إلى حركة دائبة في هذا السبيل، لا أن يكون ذلك جانباً محدوداً من النشاطات. {شُهَدَآءِ للَّهِ} لا للعاطفة ولا للمزاج؛ ولا للمصلحة، أو للطمع، وذلك بأن يواجه الواقع الموضوعي كما هو، من خلال ما يراه وما يسمعه، بعيداً عن أية مؤثراتٍ أخرى، على أساس أن دور الشهادة هو أن يكشف الحقيقة لتكون أساساً للعدل الذي هو ـ في محتواه ـ لله، {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ}، لأن الله أقرب إليه من نفسه، فلا ينظر في شهادته مصلحة نفسه ورضاها، بل مصلحة العدل الذي يلتقي به رضا الله. {أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ} فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا قيمة للعلاقات الشخصية أمام علاقته بالله، فإنها تنتهي عند حدود رضاه. وتلك هي قصة القيم الكبرى في الحياة، فإنها تتقدم كل شيء مهما كانت عظمته، لتكون الأشياء كلها في خدمتها من أجل أن تكون في خدمة الإنسان في دوره الحقيقي أمام الله؛ وبذلك تتصاغر العواطف والمشاعر لتتحول إلى هواء ودخان، لتبقى للحياة عناصرها الأساسية الدائمة… {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} فلا يفكر الإنسان ـ أمام خط العدل ـ أن يشهد لمصلحة الغني لغناه، أو ضد مصلحته من أجل العقدة الذاتية تجاه الغني، أو يشهد للفقير على أساس العاطفة التي تتفاعل إنسانياً وعاطفياً مع مظاهر الفقر وآلامه، مما قد يوحي بالانحراف عن الحق. {فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} فإن الله هو الذي يتكفل بمصالح عباده برحمته التي تشملهم جميعاً؛ وتلك هي حكمته التي ارتكزت على أساس أن الانحراف عن العدل، مراعاة لبعض الخصوصيات، يسيء إلى المستفيدين منه، في المستقبل أكثر مما ينفعهم، {فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ} عن الحق، بل اتبعوا الحق الذي يقودكم إلى العدل. وتلك هي وصية الله التي يجب أن تلتزموا بها {وَإِن تَلْوُواْ} أي إن تنحرفوا {أَوْ تُعْرِضُواْ} عن السير مع وصايا الله وتعليماته، فستواجهون الموقف الصعب أمامه غداً يوم القيامة؛ {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فلا تحاولوا أن تعتذروا بما لا مجال لقبول العذر فيه، لأن الله يعلم واقع الأشياء، إذا كان الناس من حولكم يعلمون ظواهرها من دون النفاذ إلى الأعماق.

ـــــــــــ

(1) مجمع البيان، ج:3، ص:189.

(2) أسباب النزول، ص:103.

(3) تفسير البيان، م:4، ج:5، ص:433.