من الآية 136 الى الآية 137
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيتــان
{يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنَزلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخر فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً * إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}(136ـ137).
مناسبة النزول
جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب، قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فأنزل الله تعالى هذه الآية[1].
* * *
النداء للمؤمنين
وهذا نداء للمؤمنين الذين يدخلون الإيمان من خلال الأجواء العامة للدعوة بعيداً عن التفاصيل، أن عليهم أن يتعمقوا في معناه وفي جميع مجالاته، لأنه يمثل الخط الممتد في تاريخ الرسالات، كما يمثل الآفاق الرحبة الواسعة التي تلتقي بالله ورسوله وملائكته، وتحمل في روحيّتها مسؤولية الدنيا والآخرة، في انسجامٍ وترابط وامتدادٍ... فلكي يكون الإنسان مؤمناً كما يريده الله، فلا بد له من الإيمان بالله ورسوله والكتب السماوية التي أنزلها على محمد(ص) وعلى سائر الأنبياء من قبله، ولا بد له من الإيمان بالحقائق التي تتضمنها هذه الكتب مما يدخل في عالم الغيب، من الإيمان بالملائكة واليوم الآخر، فذلك هو الهدى الذي لا ضلال معه. أما الذي يكفر بذلك كله أو ببعضه، فقد ضل ضلالاً بعيداً، لأنه لا يرتكز في مسيرته على قاعدةٍ يقف عليها. وفي هذا السياق من الحديث عن الكافرين، يحدثنا الله عن بعض النماذج التي تتلاعب بقضية الكفر والإيمان في حياتها من خلال مواقفها، لأنهم لم ينطلقوا من منطلق الجدّية في مسألة الالتزام بالعقيدة أو بالخط الذي تسير عليه، بل انطلقوا من اعتبارها حالةً طارئة من الحالات التي يتلاعب بها الناس على أساس مصالحهم، وهؤلاء هم الذين يعلنون الإيمان ثم ينحرفون إلى خط الكفر ليقفوا فيه مع الكافرين؛ فإذا وجدوا الساحة غير ملائمة لهم؛ في ما يستهدفونه من مصالح وأطماع، عادوا إلى خط الإيمان وأظهروا الندم والتراجع، فإذا واجهتهم صعوبة الالتزام بالحق وناداهم رفاق الكفر أن يرجعوا إليهم، رجعوا إلى الكفر وأمعنوا فيه وازدادوا كفراً... وهؤلاء لا يتعلّقون بأيّ سببٍ من أسباب المغفرة لامتدادهم بالكفر، ولا يهتدون سبيلاً لأنهم ابتعدوا عن أجواء الهداية باختيارهم؛ فكيف يهديهم الله سواء السبيل؟
ـــــــــــــ
(1) أسباب النزول، ص:103.
تفسير القرآن