الآية 140
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــة
{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}(140).
* * *
مناسبة النزول
جاء في مجمع البيان: «كان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن، فنهاهم الله تعالى عن ذلك»[1].
* * *
ضرورة ابتعاد المؤمن عن تجمعات المستهزئين بآيات الله
في هذه الآية تذكير بالآية الثامنة والستين من سورة الأنعام التي سبقت هذه الآية في النزول، لأنها نزلت في مكة ـ قبل الهجرة ـ وهي قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68]، فقد نزلت هذه الآية لتحدّد للمسلمين المجالس التي لا يجوز لهم الجلوس فيها، وهي المجالس التي يدور الخوض فيها بطريقة سلبية في ذم النبيّ(ص) والتشكيك بالقرآن أو الإنكار والاستهزاء، في الوقت الذي لا يملك فيه المسلمون قوّة تتيح لهم الردّ الحاسم على المشركين الذين يثيرون هذا النوع من الحديث ويخوضون فيه. فلا بد لهم من الانسحاب منها إذا بدأ الحديث بهذه الطريقة، للتعبير عن الرفض لذلك والاحتجاج عليه، لأن ذلك هو السبيل الوحيد في إظهار التصميم على الصمود في خط الإيمان.
وقد واجه المسلمون هذا النوع من المجالس في المدينة، وذلك في مجتمع اليهود والمنافقين، الذين كانوا يحاولون الخوض في آيات الله بالطريقة نفسها، وجاءت هذه الآية لتذكر المؤمنين بأن الموقف الان في المدينة هو الموقف السابق في مكة، وفي كل موقف مماثل في كل زمان ومكان، فلا بد للمسلم أن يعبّر عن رفضه لهذه الأحاديث المضادة للحق وأهله، إمّا بالردّ الحاسم إذا كان يملك القوّة على الرد، أو الانسحاب من المجلس إلى أن ينتهي هذا الحديث وينتقل الجالسون إلى غيره.
أمّا إذا لم يفعلوا ذلك، واستمروا في الجلوس في المجلس من دون خوفٍ ولا ضرورة، فإن الموقف يتحوّل إلى موقف نفاقٍ متمثلٍ في سلوك صاحبه الذي يحاول أن يظهر مع الكافرين بمظهر الراضي بكلامهم المنسجم مع أحاديثهم طلباً لمرضاتهم أو طمعاً في أموالهم، وعليه أن ينتظر في نهاية المطاف في الآخرة عذاب جهنم الذي أعده الله للمنافقين والكافرين، لأن القضية تتصل بالواقع على مستوى النتائج المتحركة في موقف الكفر في ساحة القوة لا على مستوى الكلمات التي لا تتحول إلى موقف، فإن الله يرفض الكفر ويرفض تشجيع الكافرين على الامتداد في كفرهم ومجاملتهم في التعبير عن أحقادهم ضد الإسلام، لأن الذين يجاملونهم ويداهنونهم يعبرون عن تجاوبهم وانسجامهم مع المضمون الكافر الساخر بالإسلام وأهله؛ الأمر الذي يحمل دلالة كبيرة على أن روحية هذا الإنسان الذي يتمظهر بمظهر الإسلام، تتفق مع روحية الكفر والكافرين، فإن المسلم الحق لا يمكن أن يتقبل الإساءة إلى دينه وإلى مقدساته من دون أن يعبّر عن رفضه بكل الوسائل الإيجابية والسلبية الموجودة عنده.
وفي ضوء ذلك، نفهم أن الإسلام لا يريد أن يفرض على المسلمين العزلة عن مجتمعات الكفر، لا سيّما إذا كانت لديهم مصالح ثقافية واقتصادية وأمنية تتصل بهم، ولكنه يريد لهم أن لا يواجهوا التحديات الكافرة بموقف ضعفٍ واستسلامٍ واستخذاءٍ، بل يريد لهم أن يعبّروا عن رفضهم لذلك بالطريقة المذكورة، وهي الخروج من المجلس باعتبار أنه أضعف الإيمان.
ـــــــــــ
(1) مجمع البيان، ج:3، ص:194.
تفسير القرآن