الآية 141
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــة
{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}(141).
* * *
معاني المفردات
{يَتَرَبَّصُونَ}: ينتظرون. وقد مر سابقاً.
{نَسْتَحْوِذْ}: نغلب ونستولي. والاستحواذ: الغلبة والاستيلاء، يقال: حاذ الحمار أتُنَهُ، إذا استولى عليها وجمعها، وكذلك حازها.
* * *
الذين يلعبون على المواقف
وهذه صفة أخرى من صفات النفاق، وهي صفة الانتهازيّ الذي يلعب على نتائج المواقف ويتخذ لنفسه الموقع الذي يلتمس الربح على مستوى الدنيا من غير اعتبارٍ للآخرة؛ فهم يظلون في حالة انتظارٍ وتربُّصٍ بالمؤمنين، فلا يحددون موقفهم بشكلٍ حاسم، بل ينتظرون البوادر التي تحدد النتائج. فإن كان هناك فتح للمؤمنين، جاؤوا إليهم ليقولوا لهم في عملية تأكيد للموقف الذي يستحق الحصول على بعض غنائم النصر: ألم نكن معكم؟ ويقيمون كل الدلائل على ذلك. أما إذا كان للكافرين نصيب من الانتصار في المعركة، جاؤوا إليهم ليؤكدوا لهم أنهم هم الذين ساعدوا على الوصول إلى هذه النتائج ونصروهم على المؤمنين، بعد أن ملكوا أمر السلطة عليهم، فلم يمكنوا المؤمنين من الوصول إليهم والتغلب عليهم. وقد أراد الله أن يوحي لهؤلاء بالشعور بهول الموقف الذي ينتظرهم. فإذا كانوا قد استطاعوا اللعب على الألفاظ والمواقف في الحياة الدنيا، فكيف يكون موقفهم يوم القيامة، عندما يقفون غداً مع المؤمنين، ليكون الله هو الحاكم الذي يحكم بينهم؛ فأي جواب، وأيّ دفاع في ما لا جواب له ولا دفاع عنه؟! {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَـفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} وحجة، لأنهم لا يملكون الحجة على مواقفهم المنحرفة التي يواجهون بها خط الإيمان.
وتلك هي قضية المواقف المرتكزة على قناعاتٍ ثابتة أصيلة، والمواقف المبنية على الهوى والشبهة من دون أساس، من حيث النتائج الآخروية في موقف الحكم أمام الله، أو من حيث النتائج الدنيويّة في حركة الواقع في حياة الناس. وقد جاء في كتاب «عيون اخبار الرضا» للصدوق، بإسناده عن أبي الصلت الهروي عن الرضا(ع)، في قول الله جل جلاله: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَـفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } قال: فإنه يقول: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين حجة، ولقد أخبر تعالى عن كفار قتلوا نبيهم بغير الحق، ومع قتلهم إياهم لم يجعل الله لهم على أنبيائه سبيلاً[1].
وفي الدر المنثور: أخرج ابن جرير عن علي(ع)، {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}، قال: في الآخرة[2].
وهذا هو ما يقتضيه سياق الآية عن حكم الله بينهم وبين المؤمنين في يوم القيامة.
وقد حاول الفقهاء أن يتجاوزوا هذا الجو الذي يوحيه سياق الآية إلى أبعد من ذلك، فاعتبروا الآية دليلاً على إلغاء كل الالتزامات المفروضة على المسلم للكافر، أو الأوضاع القانونية التي تمثل لوناً من ألوان السلطة للكافر على المسلم... وتعدّى البعض ذلك إلى عدم جواز بيع المصحف للكافر، لأن منع سلطة الإنسان الكافر على المسلم يقتضي منع سلطته على القرآن بطريق أولى. وربما ناقش بعض الفقهاء في بعض ذلك ولا سيما بما يتعلق بالقرآن الذي أراد الله الناس من الكفار والمؤمنين أن يقرأوه أو يسمعوه لأنه يضيء عقولهم بالحق، فلا بد من العمل على تسهيل وصوله إليهم بأية وسيلة ليطلعوا عليه حتى مع وجود بعض السلبيات الناشئة عن ذلك بما يتصل بما بطريقة احترامه، فهو كتاب للهداية لا للتجميد في نطاق معين من شكليات نترك الاحترام مما نترك تفصيله لأبحاث الفقه.
وقد نستوحي من ذلك، الموقف السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي ينبغي أن يتخذه المسلمون من سلطة الكافرين التي تحاول أن تحتويهم وتسيطر عليهم وتمنعهم من الوصول إلى أهدافهم الكبيرة في إقامة سلطة حكم الله على الأرض، وتعمل على إذلالهم وتدمير روحهم المعنوية، وتمزيق وحدتهم، وإهدار ثروتهم، ونهب مواردهم، وتعطيل دورهم الفاعل في قيادة الحياة، وخنق حريتهم ومنعها من الامتداد في خط الدعوة إلى الله والعمل في سبيله؛ فإذا كان الله لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، فإن المقتضى العملي لهذه الآية هو أن يعمل المسلمون على عدم إعطاء الكفرة السبيل عليهم وعلى أرضهم وأموالهم. ومن هنا كان من الضروري لهم أن يقفوا في مواقع المواجهة الحادة ضد كل هذه الأعمال، من أجل أن يعطّلوا الخطّة ويمنعوا عملية الاحتواء والإذلال.
ـــــــــــ
(1) نقلاً عن تفسير الميزان، ج:5، ص:122.
(2) الدر المنثور، م:2، ص:718.
تفسير القرآن