تفسير القرآن
النساء / من الآية 142 إلى الآية 143

من الآية 142 الى الآية 143
 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الآيتــان

{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً * مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَـؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}(142ـ143).

* * *

معاني المفردات

{يُخَادِعُونَ}: يعملون عمل المخادع، فيظهرون الإيمان ويبطنون الكفر للحصول على ثقة المؤمنين بصدق إيمانهم وللوصول إلى أهدافهم. يقال: خدعه خدْعاً وخديعة، إذا أظهر له خلاف ما يخفيه، أو أراد وقوعه في المكروه من حيث لا يعلم، وإذا أسند الخداع إلى الله سبحانه، فهو من باب الجزاء والعقاب، فخدعتهم له ـ تعالى ـ هي بعينها خدعته لهم.

{كُسَالَى}: جمع كسلان، متثاقلين عما لا ينبغي التثاقل عنه، من غير وعي ولا قوة ولا اندفاع، لأنهم لا يريدون إلاّ الرياء. وقال الراغب: الكسل: التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه، ولأجل ذلك صار مذموماً[1].

{مُّذَبْذَبِينَ}: قلقين مترددين مضطربين، كحركة الشيء المعلّق، يتردّد يميناً ويساراً، وقيل: إنما سمّوا مذبذبين وليس متذبذبين، لأن القهر الإلهي هو الذي يجرّ لهم هذا النوع من التحريك الذي لا ينتهي إلى غايةٍ ثابتةٍ مطمئنة.

* * *

المنافقون مذبذبون

وهذه صفةٌ ثالثةٌ تحدد بعض ملامح المنافقين، فهم يحاولون في مظهرهم الإيماني وأسلوبهم في الاندماج بمجتمع المؤمنين، أن يحصلوا على الثقة بصدق إيمانهم من قبل النبي(ص) والمؤمنين معهم، ظناً منهم بأن حيلتهم تنجح وتنطلي على المجتمع الإيماني، كمن يقوم بعملية الخداع في سبيل الوصول إلى هدفه؛ ولكنهم لم يلتفتوا إلى أنهم لا يخادعون المؤمنين، بل حاولوا خداع الله؛ لأن المؤمنين لا يمثلون أنفسهم، بما يثيرونه من قضايا، أو يقفونه من مواقف، أو يواجهونه من مؤامرات وتحديات، أو يقيمونه من علاقات؛ بل يمثلون خط الله، وهو خادعهم، عندما يتركهم لأوهامهم في نجاح الخطة، وامتداد الخدعة... ثم يملي لهم في الحياة وما تحفل به من النعم والملذات، حتى يظنوا أن الله قد رضي عنهم؛ ولكن الله يواجههم بالموقف الذي يكشف به كل خفاياهم الشريرة، بعد أن يستسلموا للشعور بالأمن والطمأنينة.جاء في «العيون» بإسناده عن الحسن بن فضال قال: سألت علي بن موسى الرضا(ع) عن قوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} فقال: الله ـ تبارك وتعالى ـ لا يخادع، ولكنه يجازيهم جزاء الخديعة[2].

وفي تفسير العياشي عن مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه: إن رسول الله(ص) سُئل فيمَ النجاة غداً؟ فقال: النجاة أن لا تخادعوا الله فيخدعكم، فإن من يخادع الله يخدعه ويخلع منه الإيمان، ونفسه يخدع ولا يشعر. فقيل: فكيف يخادع الله؟ قال: يعمل بما أمر الله ثم يريد به غيره، فاتقوا الرئاء، فإنه شرك بالله، إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، وبطل أجرك، ولا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له[3].

ثم تكشف الآية بعض الألوان القلقة في أعمالهم؛ فهم قد يصلّون، ولكنهم لا يملكون روحية الصلاة التي تبعث في أجسادهم النشاط والحيوية والانقطاع إلى الله، بحيث تتحول في وقفتهم هذه أمام الله إلى حركةٍ روحيةٍ مليئة بالقوة والثبات والامتداد، بل يعيشون بدلاً من ذلك الكسل الذي يبعث في أجسادهم الخدر، وفي عيونهم الشعور بالضياع، وفي حركاتهم الشلل أو ما يشبه ذلك…{وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى} من غير وعيٍ ولا قوةٍ ولا إيمان، لأنهم لايريدون من الصلاة إلا الرياء، ليراهم الناس على حالة الصلاة، ليأخذوا بعضاً من الثقة بذلك، ولا يذكرون الله الذي يذكره المؤمنون بشكل دائم مستمر في وعي كبير لعظمته وامتداده، لأنهم لا يحيون في أعماقهم روح الإيمان به، إلا بما يشبه الشبح؛ ولذلك فإنهم لا يذكرونه إلا قليلاً من موقع انتهاز الفرصة لا من موقع الإيمان.

وقد جاء في الكافي بإسناده عن أبي المغرا الخصاف رفعه قال: قال أمير المؤمنين(ع): من ذكر الله ـ عز وجل ـ في السرّ، فقد ذكر الله كثيراً، إن المنافقين كانوا يذكرون الله علانيةً ولا يذكرونه في السرّ فقال الله عز وجل: {يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}[4].

وأخرج مسلم وأبو داود والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله(ص): تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان[5] قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً[6].

وجاء عن الإمام جعفر الصادق(ع): للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان الناس عنده، ويتعرّض في كل أمر للمحمدة[7].

وفي ضوء ذلك، نفهم أن الرياء يتمثل في العمل للناس من أجل أن يحصل على المكانة عندهم والحظوة لديهم والثقة به في الموقع المميز فيهم، من دون أن يكون العنوان الذي يظهر به ممِّثلاً لحقيقته، فيريد أن يعتقد الناس فيه الإيمان والصلاح والتقوى والإخلاص من خلال مظهره الكاذب الذي يقدمه إليهم من دون أن يتصف بهذه الصفات في الواقع.

وليس من الرياء مداراة الناس في تعامله معهم ومجاملته لهم انطلاقاً من حسن الأخلاق وكرم السجايا، انسجاماً مع العلاقات الإنسانية العامة التي تفرض على الإنسان في الدائرة الاجتماعية أن يبتسم لإنسان ليس بينه وبينه مودة، أو يحترم من لا يملك موقع الاحترام، انطلاقاً من الأوضاع الاجتماعية العامة. وقد ورد في الحديث المأثور: «أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض»[8]. وهكذا نرى أن المرائين هم الذين يتظاهرون أمام الناس بما ليس فيهم لينالوا المكانة المميزة لديهم من دون أن يكون لهم واقع يتناسب مع هذا الظاهر.

ليس لهم موقف ثابت ينطلقون منه أو يرتكزون عليه، فهم مذبذبون مترددون بين جانبين من غير ارتباط بأحدهما؛ وذلك هو الضياع الذي لا يجد معه الإنسان طريقاً واضحاً يسير عليه ويهتدي به للوصول إلى غايته، لأنهم ابتعدوا عن طريق الله فتركهم الله لضلالهم، وأضلّهم من خلال اختيارهم السّيّء؛ ومن يضلل الله، يغلق قلبه عن النور وفكره عن الهدى، ويتركه للتيه والظلام، فلا يمنحه رحمته بسبب تمرّده ونفاقه،{فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} إذ لا سبيل في الحياة غير السبيل الذي يفتحه الله للإنسان برحمته لعباده الصالحين.

ـــــــــــــــ

(1) مفردات الراغب، ص:449.

(2) نقلاً عن تفسير الميزان، ج:5، ص:122.

(3) نقلاً عن تفسير الميزان، ج:5، ص:123.

(4) الكافي، ج:2، ص:501، رواية:2.

(5) المراد بكون الشمس بين قرني الشيطان، دنوّها من أفق الغروب، كأنه يجعل النهار والليل قرنين للشيطان، ينطح بهما ابن آدم أو يظهر لابن آدم.

(6) تفسير الميزان، ج:5، ص:123.

(7) البحار، م:5، ج:13، ص:519، باب:18، رواية:8.

(8) (م.ن)، م:5، ج:13، ص:338، باب:4، رواية:43.