تفسير القرآن
النساء / من الآية 148 إلى الآية 149

 من الآية 148 الى 149
 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الآيتــان

{لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً* إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}(148ـ149).

* * *

مناسبة النزول

جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ قال مجاهد: إن ضيفاً تضيّف قوماً فأساؤوا قراه فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصةً في أن يشكوا[1].

وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق(ع)، في التأكيد على هذه الفكرة في النموذج المذكور للمظلوم، أنه قال: إنّ «من أضاف قوماً فأساء ضيافتهم، فهو ممن ظلم، فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه»[2].

* * *

لا يحب الله الجهر بالسوء من القول

ليس للإنسان الحرية في أن يتكلم بما يحلو له من الكلمات التي تتعلق بأفعال الناس، مما يوحي بالذم والانتقاص والسوء، لأن ذلك يجعل الحياة الاجتماعية والفردية خاضعةً للانفعالات السلبية الذاتية التي يحس بها الإنسان تجاه الآخرين، فيسيء إليهم ويحطّم كرامتهم من دون معنى؛ فيفقدون ـ على أساس ذلك ـ الشعور بالثقة والاطمئنان في مثل هذا المجتمع الذي يسمح فيه للأفراد أن يتكلموا بالسوء بما شاؤوا عمن شاؤوا ولمن شاؤوا... ولذلك فقد اعتبر الإسلام ذلك منطقة محرمةً على الإنسان، لا يجوز له أن يأخذ حريته فيها. وفي هذا الجو، كانت الغيبة التي هي «ذكرك أخاك بما يكره في ظهر الغيب» من الكبائر التي توعد الله عليها بإدخال صاحبها النار، لعلاقتها بالحقوق الإنسانية الإيمانية التي تفرض عليك احترام أخيك في أسراره التي تطّلع عليها صدفةً، فلا تذكرها للآخرين. وهذا ما أرادت الآية أن تؤكد عليه، لتربطه بالعلاقة الوثيقة بالله التي تدعو الإنسان المؤمن إلى أن يحبّ ما يحبه الله ويكره ما يكرهه، لأن الإخلاص له يعني ذلك في ما يتصل بالأفكار والمشاعر والمواقف؛ وذلك فحوى قوله تعالى: {لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ}، وهو الإعلان به وإظهاره بأية وسيلة من الوسائل.

وقد اختلف المفسرون في تفسير السوء من القول على أقوال: (أحدها): لا يحب الله الشتم في الانتصار. (ثانيها): لا يحب الله الجهر بالدعاء على أحد. (ثالثها): إن المراد لا يحب أن يذمّ أحد أحداً أو يشكوه أو يذكره بالسوء. والظاهر أن الآية شاملةٌ للجميع لصدق الجهر بالسوء على كل هذه الموارد.

ولما كان لكل قاعدة استثناءٌ، جاءت الآية لترخص للمؤمنين المظلومين الذين يعانون من قهر الظَلَمة واستبدادهم، في ما يتعلق بأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فأباحت لهم أن يتحدثوا عن ظلامتهم وإن كان ذلك لوناً من ألوان الجهر بالسوء، لأن النهي كان لمصلحة الإنسان، حتى في احترام أسراره السيّئة، فإذا كان الإخفاء ضد مصلحته، فإن الرخصة تكون منسجمة مع خط الإسلام في التشريع. وهذا ما نواجهه في موقف المظلوم من الظالم؛ فمن حقّه أن يتنفّس ويعبّر عن مشكلته، بالشكوى الذاتية التي ترفع عن صدره ثقل الأزمة، أو بالشكوى لمن يستطيع أن يحل له مشكلته وينصفه من ظالمه، لأن ذلك هو السبيل لمحاربة الظلم والظالمين، فقد يرتدعون عن ذلك إذا علموا أن الناس سوف يتحدثون عنهم بطريقةٍ قاسيةٍ، مما يسبب لهم المقت والعداوة والإذلال... وقد جاءت السنة الشريفة لتؤكد على ذلك ولتضيف إليه موارد كثيرة، مما يجوز فيه للمؤمن أن يذكر المؤمن الآخر بالسوء من خلال بعض المصالح العامة التي تمسّ الفرد والمجتمع، في المستوى الكبير في الأهمية التي تتصاغر عندها المفسدة الناشئة من ذكر الإنسان بسوء. فإن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها، وبذلك تختلف في حال التزاحم بينها، تبعاً لاختلاف درجة الأهمية في المصالح والمفاسد. {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً}، يسمع كل أقوالنا ويعلم كل دوافعها من خير أو شر....

وإذا كان الله لا يريدنا أن نجهر بالسوء من القول؛ فإنه يترك لنا الخيار في الحديث عن الخير، في ما نخفيه ونبديه منه؛ فقد تمس الحاجة إلى الحديث عنه من أجل تشجيع الناس على القيام به، وقد تكون المسألة تفرض الإخفاء وترك الحديث عنه، لعلاقة ذلك بكرامة الإنسان الذي فعل الخير معه، لأن الإعلان عنه يُحرجه ويسيء إليه لاعتبارات ذاتية أو اجتماعية، وقد تكون القضية مرتبطةً بإخلاص فاعل الخير الذي يجب أن لا يتحدث الناس عن عمله، لأن مثل ذلك يعرّضه لبعض الحالات النفسية المعقدة التي تقوده إلى الرياء ونحوه، فعلينا أن نحترم مشاعره ـ إن كان الفاعل غيرنا ـ وعلينا أن نخلص لعملنا ـ إن كنا نحن الفاعلين ـ وقد تكون القضية منطلقةً من مبدأ المحافظة على عمل الخير، لأن الكتمان ينميّ حركته ويبعد عنه التحديات الصعبة، وهكذا يختلف الموقف حسب اختلاف المصلحة العليا في ذلك كله.

وربما كانت الحالة التي تواجه الإنسان، هي حالة إساءة الآخرين إليه، مما قد يثير في نفسه العقدة تجاه ذلك، فتستيقظ نوازعه الذاتية لتحرك فيه جانب الثأر لنفسه لاسترداد حقه والدفاع عن كرامته، ولكن الله يريد أن يوجهه وجهةً أخرى، هي الارتفاع بالمسألة إلى مستوى الروحية الإسلامية التي يواجه بها كل المشاكل مع إهمال كل السلبيات الذاتية ودراسة الظروف الموضوعية المحيطة بهذه المسألة لتظهر بذلك النتائج الإيجابية التي تكمن خلف اختيار الوجه الإيجابي من الحل، ليكون العفو عن الإساءة وتجاوز المسألة بوعيٍ ورحمة وانفتاح، هو الانطلاقة التي تفتح القلب على الجانب الخيّر من الحياة، وتحرك الفكر والشعور في الجانب المشرق من الشخصية الطيبة الواعية، وذلك بتخلّق الإنسان بأخلاق الله في العفو من موقع القدرة، حيث يريد من عباده أن يتخلقوا بها؛ وكان الله عفواً قديراً.

وهكذا خططت هاتان الآيتان لحركة المؤمن، في ما يريد أن يتحدث به من أحاديث الخير والشر المتعلقة بالناس، كما وجهت سلوكه للعفو عن التصرفات السيئة التي يقوم بها الآخرون ضده؛ وذلك من موقع الارتفاع إلى المستوى الأعلى من روحية التصرف، وهذا هو الطابع الإسلامي للتربية، في ما يريده للشخصية الإسلامية من تربية سليمة.

ـــــــــــــــ

(1) أسباب النزول، ص:103.

(2) تفسير الميزان، ج:5، ص:126 ـ 127.