من الآية 153 الى 155
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَـَآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}(153ـ155).
* * *
معاني المفردات
{الطُّورَ}: الجبل.
{لاَ تَعْدُواْ}: لا تتجاوزا الحدّ، والمراد به هنا عدم العمل يوم السبت الذي حرّمه الله عليهم. قال أبو زيد يقول: عدا عليّ اللص أشدّ العَدْو والعَدَوان والعَدا والعُدُوّ، إذا سرقك وظلمك... وعدا يَعدو إذا جاوز، يقال: ما عدوت أن زرتك، أي ما جاوزت ذلك[1]، وقرأ بتشديد الدال بمعنى لا تعتدوا، من الاعتداء.
{مِّيثَاقاً}: عهداً على الالتزام بالعهد، والميثاق ما يشدّ به العهد قيل: كأن الذي يعطي العهد شيء يوثق به نفسه ويلزمها ما في العهد.
{غُلْفٌ}: جمع أغلف، أي في أغشية، تمنعها عن استماع الدعوة، يقال: غلف الشيء جعل له غلافاً.
* * *
مناسبة النزول
جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ قال: نزلت في اليهود، قالوا للنبي(ص) إن كنت نبياً فائتنا الكتاب جملةً من السماء كما أتى به موسى، فأنزل الله هذه الآية[2].
كما جاء في «تفسير البيان» للطبري حديث مرفوع إلى محمّد بن كعب القرظيّ قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله(ص) فقالوا: إنّ موسى جاء بالألواح من عند الله فائتنا بالألواح من عند الله حتى نصدّقك. فأنزل الله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ}... إلى قوله:{وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}[3] .
* * *
أهل الكتاب وأسئلتهم التعجيزية في خط التمرد
كيف واجه أهل الكتاب ـ وهم في هذه الآيات اليهود ـ دعوة رسول الله إلى الإسلام؟ لقد دعاهم إلى الحوار بالأسلوب الهادىء، والفكر المتّزن، والقلب المفتوح، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك، لأنهم لا يملكون الحجة التي تواجه الحجة، ولا يعيشون مسؤولية الفكر والإيمان بوعي وانفتاح، بل كان العناد والتمرّد والمناورة والمداورة هي العناصر التي تمثّل أجواء الصراع التي خاضها الإسلام معهم. فكيف عبّروا عن ذلك؟ لقد سألوا الرسول(ص) أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، كأسلوب من أساليب التعجيز، لأنهم يعرفون أن الله لا يستجيب للتحديات التي تطلق من أجل التعجيز والإثارة، ويعلمون أن طريق الإيمان لا يمرّ بمثل هذه المعاجز التي لا معنى لها، لأنها لا تحقق شيئاً في مواجهة الكفر كقوة، بل تظل تتنقّل من اقتراح إلى اقتراح إلى ما لا نهاية، ولهذا، لم يلتفت النبي إليهم، في ما أوحاه الله إليه، بأن هؤلاء ليسوا في موقع الاقتناع، بل هم في موقع اللجاج والعناد.
ثم بدأ القرآن يثير أمام النبي تاريخهم المتمرّد الذي لم يتحرك في الاتجاه الصحيح، بل انطلق في الاتجاه المنحرف الذي يلعب ويلفّ ويدور ويقف المواقف المضادّة لكل دعوة خيّرة، ويتصرّف ضد الأنبياء بكل أساليب التعسُّف والقتل والتشريد... فكيف يمكن أن يأمل بهدايتهم وإقبالهم على دعوة الإسلام؟
{فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً} وهو من طلب المستحيل، لأن الله ليس جسماً حتى يراه الناظرون. ثم ما معنى أن يطلبوا هذا الطلب؟! فإذا كان ذلك من أجل الوصول إلى قناعة الإيمان، فإن وسائل القناعة لا تقف عند حدّ لمن أراد الاقتناع، أما إذا أرادوا اللعب على موسى وإظهار عجزه، فإن ذلك يوحي بالانحراف والتفاهة… {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} لأنفسهم ولموسى(ع) في ما طلبوه، وما أثاروه كمظهرٍ من مظاهر التحدّي.
{ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} فلم يستجيبوا لها، بل انحرفوا عنها وأقبلوا على الدعوات الكافرة التي تدعوهم إلى عبادة العجل تشبُّهاً بالقوم الذين شاهدوهم يعبدون الأصنام على هذه الطريقة، {فَعَفَوْنَا عَن ذلِكَ} بعدما أنابوا إلى الله عند رجوع موسى إليهم، {وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَـناً مُّبِيناً } بما أنزله الله عليه من التوراة، وما أعطاه من الشأن الكبير.
{وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ} ثم رفع الله فوقهم الجبل بميثاقهم، وقال لهم {ادْخُلُواْ الْبَابَ} في بيت المقدس {سُجَّداً}، {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ} ـ عندما حرّم الله عليهم الصيد في السبت ـ وأخذ منهم ميثاقاً غليظاً مؤكداً، ولكنهم لم يلتزموا بالتعاليم، ولم يفوا بالميثاق بل نقضوه بالتمرُّد على كل ما فيه من التزامات. وامتد بهم الطغيان فكفروا بآيات الله الواضحة التي أظهرها على أيدي أنبيائه، وقتلوا الأنبياء بغير حق، وأي حق يمكن أن يتصوره الإنسان في قتل الأنبياء الذين أرسلهم الله رحمة للعالمين؟ وسخروا من كل الدعوات الخيّرة الموجّهة إليهم، وقالوا للدعاة إلى الله: إن {قُلُوبُنَا غُلْف}، لا تدخل إليها الكلمات ولا تعي ما يلقى إليها من وحي، ولكن الله سبحانه يرفض هذا الادّعاء، بل إن قلوبهم كقلوب بقية البشر مفتوحة، لكل أساليب الهداية، ولكنهم أغلقوها وغلّفوها بالأفكار السوداء، فطبع الله عليها بسبب ذلك، فلا يؤمنون إلا قليلاً، لأنهم لا ينفتحون على معاني الإيمان وإيحاءاته...
وتلك هي بعض قصة هؤلاء في ما رفعوه كشعار، وقدّموه كانتماء، وخالفوه كرسالة وتعاليم... وما زالت للقصة بقية من التاريخ، وبقية من المستقبل الذي يحفل بالكثير الكثير من جرائمهم وعدوانهم على القيم في حركة الإنسان والحياة.
ــــــــــــــ
(1) مجمع البيان، م:2، ص:228.
(2) أسباب النزول، ص:103.
(3) تفسير البيان، م:4، ج:6، ص:11.
تفسير القرآن