من الآية 156 الى 159
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً* وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً}(156ـ159).
* * *
معاني المفردات
{بُهْتَاناً}: أعظم الكذب وأشنعه. وهو الكذب الذي يبهت سامعه ويحيّره لشدّته وفظاعته. وقد مر سابقاً.
{شُبِّهَ}: خُلّط ولبّس حتى اشتبه بغيره. والمعنى: مُثّل لهم مَنْ حسبوه إيّاه أو لبّس عليهم الأمر.
* * *
القران يرفض فكرة صلب المسيح
وماذا بعد ذلك؟ لقد كفروا بالله وبرسالاته، وتقوّلوا على مريم {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} ونسبوا إليها الفاحشة التي نزّهها الله عنها، مما يجعل من كلامهم بهتاناً عظيماً، لأنها ليست كذبةً بسيطةً تتعلق ببعض الشؤون العادية، ولكنها كذبةٌ تتعلق بقضية الشرف فيمن هي في المستوى العظيم من الطهر والشرف، مما يوحي بأنهم لا يتورّعون عن أيِّ شيء مما يتصل بمطامعهم وأهوائهم… وماذا بعد ذلك؟ {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ} لقد قالوا، بزهو الطغاة الذين يحسون بطعم النصر في المعركة: إنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم صلباً، {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} ولكن الله ينفي هذه الفرية فيؤكد أنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه،{وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ} ولكنهم توهّموا ذلك لأنه شبّه لهم الأمر.
وقيل في تأويل ذلك إن معناه: أن الله ألقى شبه عيسى على شخص، فكان هو المصلوب لا عيسى، وقيل: إن معناه، أنه شبّه لهم القتل، ولكن ذلك لم يحصل، بل كانت القضية مجرد تخيّل .. وتحولت القضية بعد ذلك إلى مجالٍ للخلاف بين من يؤكد القتل والصلب، وبين من ينفيهما، ولكنّ القوم لم يرتكزوا في إثباتهم على أساس من العلم أو الحجة، بل استندوا إلى ظنون وتخمينات {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ}. ثم يؤكد الله أنهم لم يقتلوه يقيناً {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }، فلا شك في هذه الجهة، {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} بل رفعه الله إليه بروحه وجسده، كما قال به بعض المفسرين، أو بروحه بعد أن قبضه الله إليه بطريقة عادية غير ظاهرة للناس؛ {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }، في ما يفعل ويقدّر.
نحن لا نريد ـ في هذا الحديث ـ أن ندخل في تفاصيل الوجوه التي تحدث عنها المفسرون، لأن الأسلوب القرآني أجمل المسألة ولم يدخل في التفاصيل، لأنها لا تمثل شأناً كبيراً من شؤون العقيدة والعمل، بل كل ما هناك أن الله ساقها في مقام تعداد الانحرافات التي انحرف بها اليهود في إشارات خاطفة. وربما كان تصور البعض منها يحتاج إلى علم من الغيب لا نملكه ولا نملك الحجة عليه، مما تقوم به الحجة على الناس؛ وقد يكون في هذا الوقوف عند الأسلوب القرآني، في ما أجمله وما فصّله، فائدة كبرى في التخلص من كثير من القصص التي دخلها الخيال من قِبَل الرواة والقصاصين الذين أرادوا إرضاء فضول الناس، وذلك في الدخول في تفصيل ما أجمله القرآن وما لم يبيّنه لهم؛ فأدخلنا ذلك في متاهات كبيرة من الأكاذيب والأساطير.
ثم يأتي ختام الآيات، ليؤكد الله بأن الذين كفروا به من أهل الكتاب سوف يؤمنون به قبل موته {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَـبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}، وذلك ـ كما يقول المفسرون ـ عندما يبعثه الله أو يظهره في آخر الزمان، فيروه رأي العين فيواجهون الحقيقة في ظروف لا يمكنهم معها الإنكار؛ {وَيَوْمَ الْقِيَـمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } وسوف يكون عليهم شهيداً في يوم القيامة، كما يشهد كل نبيٍّ على أمته من الكافرين أو المؤمنين به. وقال البعض: إن الضمير في كلمة (موته) يرجع إلى بعض أهل الكتاب الذين كفروا به، فإنهم سيواجهون قبل موتهم المسيح بالصورة التي تفرض عليهم الإيمان به، ولكن هذا خلاف الظاهر؛ والله العالم.
وتلك هي الصورة المظلمة التي توضح لنا طبيعة الأخلاق الشريرة التي كانوا يتصفون بها في مواجهتهم للرسل والرسالات، فلا يتورّعون عن أي شيء يقولونه أو يفعلونه، ويعيشون الزهو بما ينسبونه إلى أنفسهم من الجرائم صدقاً أو كذباً؛ فكيف يمكن للأمة أن تواجههم في صراع الحاضر والمستقبل؟
تفسير القرآن