تفسير القرآن
النساء / من الآية 160 إلى الآية 161

 من الآية 160 الى 161
 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الآيـتــان

{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً* وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}(160ـ161).

* * *

الله يعاقب اليهود بتحريم الطيبات

لقد كان من حكمة الله سبحانه، أنه واجه اليهود بتحريم كثير من الطيبات المحلّلة في ذاتها، لهم ولغيرهم، لا على أساس وجود ما يفرض المنع عنها، من حيث ذاتها من المفسدة المترتبة عليها، بل على أساس التشديد عليهم كعقوبةٍ لهم، في ما فعلوه من الأفعال الظالمة والمنحرفة عن الصراط المستقيم؛ وذلك ما تحدث الله عنه في هاتين الآيتين، فقد ظلموا أنفسهم بالمعصية والانحراف عن خط الله سبحانه، وصدّوا عن سبيل الله كثيراً، بما أثاروا من شكوك وشبهات حول دعوة الأنبياء، وما وضعوه من عقبات أمام الرسل، وأخذوا الربا الذي حرمه الله عليهم، وأكلوا أموال الناس بالباطل، لأنهم كانوا يستحلون مال غير اليهود وذلك ما حكاه الله عنهم في سورة آل عمران، {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِينَ سَبِيلٌ} [آل عمران:75]؛ وكانوا يأخذون الرشوة في الحكم، ويشترون بآيات الله ثمناً قليلاً بعد تحريفها وغير ذلك... أما هذه الأشياء المحرمة، فهي التي أشار الله إليها في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا}...الخ [الأنعام:146] هذا في الدنيا، أما في الآخرة، فقد هيّأ الله لهم عذاباً أليماً.

وقد نستوحي من هذا الأسلوب الذي اتبعه الله في عقوبة اليهود لوناً آخر في أسلوب التربية، في بعض الأوضاع الإنسانية التي توحي بالتمرُّد على أساس العقدة الذاتية، فيمكن ممارسة ذلك، لا على سبيل التشريع، بل على سبيل التحديد لبعض الحريات، أو المنع من بعض الأمور من أجل الضغط على الانحراف في وقت معين، ليعود الأمر بعد ذلك كما كان من دون تحديدٍ أو منع.