تفسير القرآن
النساء / من الآية 163 إلى الآية 165

 من الآية 163 الى الآية 165
 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

إِنّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى إِبْراهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً * رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}(163ـ165).

* * *

معاني المفردات

{زَبُوراً}: الزبور: الكتاب.

* * *

مناسبة النزول

جاء في «تفسير البيان» للطبري حديث مرفوع إلى الربيع بن خثيم قال: هذه الآية نزلت على رسول الله(ص)، لأنّ بعض اليهود لمّا فضحهم الله بالآيات التي أنزلها على رسوله(ص)، وذلك من قوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ} فتلا ذلك عليهم رسول الله(ص) قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء بعد موسى. فأنزل الله هذه الآيات تكذيباً لهم.

وجاء فيه أيضاً حديث مرفوع إلى ابن عبّاس قال: قال سكين وعدي ابني زيد: يا محمد، ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى. فأنزل الله في ذلك من قولهما {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} إلى آخر الآيات[1].

* * *

جولة سريعة مع الأنبياء

وهذه جولة عامة في آفاق التاريخ النبويّ، من خلال التعداد الإجمالي للرسل مع الإشارة إلى بعض الشخصيات البارزة التي تركت في الواقع البشري بعض الأثر، في ما يمثله تاريخها من حركة متنوعة، أو التي توحي ملامحها الشخصية ببعض العبرة في اتجاه التربية والسلوك العملي للإنسان؛ {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} فقد جاء الحديث عن شخصية نوح والنبيين من بعده، الذين أجمل الله ذكرهم لعدم وجود ضرورة في ذلك، لأنهم لم يقوموا بدورٍ بارز، بينما كان نوح الشخصية التي تمثل نهاية تاريخ سابق للبشرية، استوعب الكفر جميع جوانبه وأفراده، وساهم نوح في الجهاد من أجل تغييره بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى إذا استنفد كل التجارب للوصول إلى ذلك، ولم تبق هناك تجربة واحدة، انطلق التغيير على يده بالطوفان، ليبدأ تاريخ جديد يرتكز على أساس الإيمان بالله؛ ولذلك اعتبر الأب الثاني للبشرية.

{وَأَوْحَيْنَآ إِلَى إِبْرَهِيمَ} أمّا إبراهيم، فهو الشخصية البارزة المتحركة في هدوء وقوة ووداعة، التي تنوعت مجالاتها في أكثر من صعيد، وكانت رسالته أم الرسالات اللاحقة، لأنها كانت تمثل الخطوط العامة التي تلتقي بكل التفاصيل الموجودة في بقية الرسالات؛ وبهذا كان دوره حيوياً في هذا التاريخ.

وتحركت القافلة من بعده لتشمل أولاده، {وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ}، وهم أولاد يعقوب كما قيل، {وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}... وقد كان لكل واحد منهم بعض الخصائص التي تغري بالتفصيل، بما تشتمل عليه من العبرة، وربما كان لبعضهم امتداد في تاريخ الرسالات أكثر من بعض آخر، فإننا قد نلاحظ اختلاف الآفاق بين شخصية عيسى وشخصية الأنبياء الآخرين من أولاد إبراهيم. وقد يكون الحديث عن بعضهم كالأسباط، حديثاً عن متعلقات الأنبياء، لأنه لم يثبت ذلك، فيمكن أن لا يكون المراد بالوحي إليهم الوحي بشكل مستقل، بل ربما كان ذلك يتبع الوحي إلى آبائهم. وقد نواجه في شخصية أيوب ويونس جانب الفكرة الموحية المملوءة بالعبرة أكثر مما نواجه فيها التفاصيل الرسالية الممتدة في الجانب العملي الحركي من الرسالة.

أمّا سليمان، فقد انطلقت شخصيته في الملك والسيطرة المطلقة التي تتحرك بالوسائل الغيبية، ولم يبرز منها الشيء الكبير في مجال الحركة الرسالية على مستوى الدعوة إلى الله على طريقة الأنبياء، وليس معنى ذلك أنها غير موجودة، ولكن القرآن لم يحدثنا عنه إلا من جانب الملك بالإضافة إلى الملامح الذاتية الرسولية في إخلاصه لله وانقطاعه إليه.

وقد تحدث الله عن داود كونه صاحب كتابٍ أوحاه الله اليه ـ وهو الزبور ـ ليكون الوجه الرسالي الذي يلتقي فيه بالناس في روعة الآفاق الفنية الروحية التي توحي بالخشوع، ليعيش دور الخلافة القوي الذي يمارس الحكم في حياة الناس من موقع الإرادة الإلهية.

وهكذا أجمل الله لرسوله ـ بعد ذلك ـ قصة الرسالات بين رسلٍ لم يحدثه الله عنهم وآخرين حدّثه عنهم، {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} لأن الكتاب ليس كتاب تاريخ عادي يستعرض كل الوقائع والأشخاص والمواقف، بل هو كتاب هداية وإرشاد وتوجيه، يأخذ من التاريخ في وقائعه وأشخاصه ما يتصل بذلك الهدف، ويترك ما عدا ذلك. وأفرد موسى بالذكر، وأشار إلى أن الله قد كلّمه بشكل مباشر، بخلاف الأنبياء الذين كلمهم عن طريق الوحي، {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} لأن هناك حكمةً في هذا الأمر، في ما يعلمه الله من مصلحة الرسالات من خلال مواجهة الرسل للتحديات الضاغطة عليهم في حياتهم. وقد كثر الحديث عن شخصية موسى في القرآن، لأنه من الشخصيات النبوية المتحركة التي كانت أدوارها تضج بالحركة والحياة، من خلال ما تحمله شخصيته من القوة والحيوية والامتداد، وما يتحرك به جوّه البشري من مواقف وتحديات وأوضاع معقّدة في نطاق دوره، وفي نطاق الأدوار اللاحقة له من بعده.

ما هو دور هؤلاء الرسل، ولماذا أطلقهم الله في تاريخ البشرية؟ {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} إن هذه َالآية تحدد دورهم بالإنذار والتبشير من أجل إقامة الحجة على الناس، في ما يريد الله للناس أن يعرفوه ويعملوا به في طاعته، من خلال القضايا التي قد يحتاجون فيها إلى الوحي، من أجل إدراك تفاصيلها، أو من خلال المواقف المتنوعة التي تواجههم، فلا يملكون التفاصيل الواضحة الهادية إلى الصراط المستقيم، أو في ظل إخراجهم من طبيعة الغفلة التي قد تطبق على أفكارهم وعقولهم، فتبعدهم عن التركيز والامتداد في الخط الصحيح، إلى غير ذلك من الأمور التي قد لا يكفي فيها العقل لإقامة الحجة، بل يحتاج فيها إلى الوحي الذي يهدي العقل، في ما لا سبيل إلى الوصول إليه، أو ما تحيط به الشبهات والأضاليل فتغرقه في الأجواء الكثيفة من الضباب؛ فقد يقول الناس غداً، عندما يحاسبهم الله على ما انحرفوا فيه، أو ما أخطأوا به، إنهم لم يلتقوا بالرسل الذين يبصّرونهم الطريق؛ فكان تاريخ الرسل الذي تلاحقت فيه الرسالات هو الرد على كل ذلك؛ {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً} في قوته وقدرته، {حَكِيماً} في أوامره ونواهيه وتقديره في الأمور.

ــــــــــــ

(1) تفسير البيان، م:4، ج:6، ص:37 ـ 38.