المقدمة + من الآية 1 الى الآية 5
ســورة سبــأ
مكية وآياتها أربع وخمسون آية
من وحي القرآن ج 19
في أجواء السورة
وتطلّ هذه السورة المكيّة للتحدث عما كان يشغل ساحة الصراع في دائرة المواجهة بين الإسلام والشرك، لتجيب بطريقتها القرآنية عن تعجل الفكرة المستمدة من مبادىء العقيدة الإسلامية، التي يراد تعميقها في شخصية الإنسان المسلم، ليكون ذلك هو الخط الذي يتحرك في الحياة.
هل الله واحد، أهناك شريك له في خط العقيدة أو العبادة؟ هل محمد نبيّ أم لا؟
هل هناك حياة أخرى، أم أنّ الموت هو نهاية المطاف للحياة؟
وتطوف السورة ـ في نطاق الأسئلة الثلاثة ـ في أجواء الأفكار والشبهات المطروحة في الساحة العامة، فتثير الدخان حول هذه الأُسس الثلاثة للعقيدة، ولكن بذهنيةٍ لا تلامس العمق، من حيث إن الذين يثيرونها لا يملكون عمقاً من الأفكار، أو جدِّيَّةً في إثارة التساؤل، لأن العقيدة المضاد لم تنطلق من فكرٍ مضادٍّ خاضعٍ لقناعةٍ فكريةٍ يقينيةٍ، بل من فكرٍ تقليديٍّ خاضعٍ لتأثير عقائد الآباء والأجداد، ولذا فلم تكن الآيات تتجه لرد الشبهات المطروحة، بل لتأكيد العمق الذي تتجذر فيه العقيدة في قضايا الحياة.
ــــــــــــــــ
الآيـات
{الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخرةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ* يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنـزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ* وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَواتِ وَلاَ في الأرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ* لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ* وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}(1ـ5).
* * *
معاني المفردات
{يَلْجُ} الولوج: الدخول.
{يَعْرُجُ} العروج: الصعود.
{لاَ يَعْزُبُ}: لا يغيب عنه.
{مُعَاجِزِينَ}: من عاجزه، أي سابقه ليظهر عجزه.
{رجْزٍ}: المراد به في الآية أسوأ العذاب.
* * *
صفات الله في حركة العقيدة
وتنطلق البداية في الحديث عن الله في مواقع حمده ورحاب ملكه، وساحات عظمته وقدرته، وفي آفاق علمه، ليكون ذلك أساساً للانفتاح عليه في خط الإيمان به والثقة برحمته، على طريق تكوين القناعات الفكرية والعقيدية بالآخرة، عبر الرسالة والرسول.
{الْحَمْدُ للَّهِ} في مواقع الحمد في رحاب الكون الواسع الذي أبدعه الله بقدرته، وأداره بحكمته، ويسّر فيه سبل الحياة للمخلوقات، بحيث تتحرك فيه بيسرٍ وسهولةٍ، ما يجعل من الحمد في الفكر واللسان حالةً وجدانيةً تستمد مفرداتها من جولة الإنسان في رحاب الكون كله، حيث يعيش مع الله { الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرض} فليس هناك شيءٌ إلاَّ وهو مملوكٌ له، خاضعٌ لتدبيره وإرادته في كل ما يتصل به من كل نواحي الحياة والموت، وفي كل تفاصيل الحركة في شؤونه العامة والخاصة. فكيف يكون ما هو مملوكٌ له شريكاً له في الألوهية، أو في الطاعة والعبادة؟
{وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخرةِ} التي يجتمع فيها الخلق في ساحاتها في دائرة المسؤولية بين يدي الله، ليحاسبهم جميعاً، من موقع إحاطته بكل أمورهم الماضية الخفية والعلنية، وليجزيهم جميعاً، من موقع قدرته المتحركة في آفاق عدله ورحمته، ليجد الجميع مواقع حمده في ذلك كله، فهو أهل الحمد في كل شيء. {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} الذي أقام نظام الدنيا وفق الحكمة الخفية الشاملة، والظاهرة آثارها في أسرار الخلق وإبداع التدبير، وأدار نظام الآخرة في خط الحق والعدل والرحمة والمغفرة، على أساس من الدّقة البالغة الحكمة من خلال خبرته بالأشياء كلها في كلياتها وجزئياتها.
{يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي الأرْضِ} من كل مخلوقاته الدقيقة الحيّة، من نباتٍ تختبىء حباته في زواياها وفي أعماقها، ومن حشراتٍ وديدان وزواحف وهوامّ تتحرك في حفرها وأخاديدها وعروقها وخباياها وأعماقها، ومن قطرات الماء التي تنفذ إلى ترابها لتتحوَّل ـ في تراكماتها ـ إلى بحار جوفيّة، وإلى ينابيع متفجرة، وغير ذلك مما ينفذ إليها من غازات وإشعاعات وعناصر خفية، {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من النبات الذي ينبثق من قلب الأرض، والينبوع الذي يتفجر منها، والحشرات الصغيرة، والديدان الدقيقة، والزواحف المخيفة، وما إلى ذلك مما تنفتح عنه الأرض في ما خلّفه الله فيها من مكامن، وما يسّره فيها من السبل التي تربط الظاهر بالباطن، والسطح بالعمق.
{وَمَا يَنـزلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من مطرٍ وشعاعٍ وهوامٍ وطيرٍ، ومن ملائكةٍ تهبط وتصعد لتدبِّر ما أوكل الله إليها تدبيره، ومن أرواحٍ تصعد إلى بارئها بعد أن أكملت حياتها في الأرض، وأخرى تنزل من خلال إرادته التي تحركها في الأجساد لتنطلق الحياة، ومن قطرات الماء التي تتصاعد لتكون بخاراً فيكون ماءً بإذن الله.. وهكذا يحيط علمه بكل شيء مما دقّ وخفي مما لا يحصيه عدّ، ولا يحيط به فكر، لأنه الخالق لذلك كله، فكيف يخفى عنه شيء منه {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14].
{وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} الذي يطَّلع على أعمال عباده، في ما يخطئون ويتمرّدون وينحرفون، فيطلّ عليهم من مواقع رحمته التي تعرف خفاياهم وظروفهم وأوضاعهم التي تثير فيهم نوازع الخطيئة، وتقودهم إلى مواضع الانحراف، فيغفر لهم ذنوبهم، ليمنحهم الفرصة للرجوع إليه.
* * *
بين الحكمة والعبث
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ} لأن الذهنية المحدودة التي يحملونها لا تلتقي بالأفق الواسع الممتد في رحاب قدرة الله وإحاطته وحكمته، فهو الذي لا يعجزه شيء، فلا مجال لاستبعاد إعادته الخلق من جديد، بعد أن خلقهم من عدم. وهو الذي لا يتحرك من عبث، إذ كيف يخلق الحياة والناس ويدفعهم إلى مواجهة الموقف تحت وطأة المسؤولية، ثم يتركهم إلى العدم؟ أفلا تكون الحياة إذاً فرصة عبث، تماماً كما هي الفقّاعات التي تنتفخ ثم تنفجر لتغيب في الفراغ؟ ولماذا كان التكليف والمسؤولية إذا كانا لا ينتهيان إلى شيء، فلا يلاقي المحسن جزاء إحسانه، ولا يلاقي المسيء جزاء إساءته؟
إنّ الحكمة تفرض الهدف، وإن الهدف يفرض الآخرة التي تعطي للحياة معناها العميق والممتد في النتائج المتصلة بالإنسان وبالمسؤولية، ولكن مشكلة هؤلاء أنهم مشدودون للحس، غارقون في تفاصيله، متخبِّطون في دياجيره، سابحون في أوحاله، ولذلك كانوا خاضعين للفكرة المادية التي تستند إلى الاستبعاد الحسي للبعث، لأنهم لم يشاهدوا نموذجاً مماثلاً، في الوقت الذي يشاهدون اختلاط الأبدان وتبدّلها وتحوّلها إلى ترابٍ لا أثر فيه للحياة حتى بنحو الاختلاجة. ولهذا كان الردّ بتأكيد الحقيقة، من دون مقدّمات، لأنها تحمل في داخلها معنى ثبوتها وثباتها من خلال الفكر المتحرك الذي يطلّ على الله في آفاق الكون الذي كان عدماً فوجد بقدرته، ومن موقع الصدق الذي يتمثل في الوحي الصادق الذي جاء به الصادق الأمين، ما يجعل للتأكيد الحاسم عمق الصدمة التي تهز المشاعر لتخلق في داخلها الرهبة في ما يشبه المفاجأة التي تخاطب الأعماق. {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} إنه القسم العظيم الذي يجعل الله شاهداً على الحقيقة التي تأخذ وضوحها من عظمة قدرته التي لا ينكرها المشركون في كلِّيَّتها وإن غفلوا عن تفاصيلها. إنه الإيحاء الذي ينفصل فيه النبي عن خصوصيته الذاتية في ما هي القناعة الخاصة، ليسمو إلى رحاب الله، ليقول لهم إنه ربي الذي أوحى بذلك وهو الشاهد عليه، والقادر على إبداع كل شيء، مهما كان كبيراً أو عظيماً في ذاته.
{عَالِمِ الْغَيْبِ} الذي يحيط به، سواءٌ كان غيب الحاضر، مما خفي عن الناس أمره، أو غيب المستقبل الذي لا يملكون الطريق إلى معرفته، فهو الذي يلاحق في علمه ذرّات التراب التي كانت جزءاً من إنسان، ويميز بينها وبين ذرات إنسان آخر، فيمنح هذه الحياة التي كانت لها دون أن يشتبه عليه ما يختلط منها بالذرات الأخرى، و{لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ} لا يغيب عنه {مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ} لأن مقادير الأشياء سواء كانت صغيرة في منتهى الدقة والخفاء، أو كانت كبيرةً في ضخامة الحجم، تحضر في علمه الذي ينفذ إلى كل موجودٍ في داخله، كما تنفذ قدرته إليه في أصل وجوده وتدبيره في حركته في الحياة. {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} في اللوح المحفوظ، أو في ساحة علمه الممتدة امتداد قدرته في آفاق عظمته.
{لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} بما يعفو عنهم من الذنوب التي أسلفوها وتابوا عنها، أو ما بقي منها من الصغائر في ما غفلوا عنه ولم يتذكروه. وهؤلاء كانت قلوبهم قد انفتحت في حياتهم على الله، من موقع الإخلاص له. {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} جزاء لهم على ما عملوه، حيث يرزقهم من نعيم الجنة ورضوان الله.
{وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنَا مُعَاجِزِينَ} فكانوا يواصلون السعي المضاد المتعسف في مواجهة آيات الله في دلائل وجوده ووحدانيته ومواقع عظمته، مستهدفين إظهار عجزها بأساليبهم المختلفة، وألاعيبهم المتنوّعة، ليعطلّوا مسيرة الإيمان، ويسقطوا حركة الإسلام في مدارج صعوده في الحياة، {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} والرجز: هو القذر كناية عما يصيبهم من القذارة المعنوية والمادية في طبيعة العذاب من حيث طبيعته وتأثيره، فذلك هو جزاؤهم الذي ينتظرهم في الآخرة، ليعرفوا أنهم لن يستطيعوا أن يعجزوا الله، أو يسبقوه في أمره، لأنهم أعجز من أن يعطلوا شيئاً من إرادته، أو يضعفوا شيئاً من قضائه.
تفسير القرآن