تفسير القرآن
سبأ / من الآية 7 إلى الآية 9

 من الآية 7 الى الآية 9

الآيــات

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ* أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخرةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلال الْبَعِيدِ* أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَْرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الاَْرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَآءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} (7ـ9).

* * *

معاني المفردات

{مُزِّقْتُمْ}: التمزيق: التقطيع والتفريق، والمراد بها بليتم في القبور.

{خَلْقٍ جَدِيدٍ}: البعث.

{جِنَّةٌ}: الجنة: الجنون.

{كِسَفاً}: قطعاً.

{مُّنِيبٍ}: راجع.

* * *

الكافرون يستغربون فكرة البعث والقرآن يردّ

هل يملك الكافرون بالآخرة غير أساليب السخرية والاستهزاء، عندما تعوزهم أساليب الفكر والعلم؟

هكذا كان موقفهم أمام فكرة الإيمان بالآخرة التي قدّمها النبيّ، كما قدَّمها الأنبياء من قبله، على أساس إمكان الفكرة في مضمونها العقيدي، وعلى أساس صدقها من خلال صدق الوحي النازل من الله سبحانه وتعالى.

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} بالآخرة، وهم يشيرون إلى رسول الله بإشاراتٍ توحي بالاستهزاء، وتدعو إلى الإنكار والاستغراب، ليطرحوا المسألة التي يثيرها في دعوته، كما لو كانت من المسائل غير القابلة للنقاش، لأن الفكر العاديّ يرفضها بشكلٍ عفويٍّ سريعٍ من دون مناقشة، {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} وتقطعت أوصالكم، وتفرقت أجسادكم، حتى تحوَّلت إلى عظام نخرةٍ موزعةٍ بين نواحي الأرض، وإلى ذرات ضائعةٍ في التراب، {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} كما كنتم في الخلق الأوّل في حيوية الحياة وحركتها ونضارتها وتجدّدها وفاعليتها! إنه كلام غير معقول، ومع ذلك، فإنه ينسبه إلى وحي الله، {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} فهو شخصٌ يملك عقله، ويفكر بطريقةٍ واعيةٍ، للوصول إلى هدفٍ شخصيٍّ معين، فيتعمّد الكذب على الله، ليعطي لكلامه قداسة الأنبياء، {أَم بِهِ جِنَّةٌ} فهو يتكلم بما لا يعقل، فيلقي الكلام جزافاً، من دون وعيٍ لما يدل عليه، ومن غير قصدٍ لما ينتهي إليه من أمور.

إنهم يخاطبون السطح الساذج للذهنية العامة، ويطرحون المسألة على أساس أنها دائرةٌ بين احتمالين لا ثالث لهما، ليبعدوا الناس عن التفكير في المضمون الجدي والنتيجة الحاسمة المتصلة بقضية المصير، لأنهم لا يريدون للناس أن تفكر، ويعملون على أساس تطويق الحالة الفكرية بالحرب النفسية التي لا تسمح للفكر أن يتحرك في الاتجاه السليم لمناقشة القضايا المطروحة، بالإيحاء بأنها ليست مما يوحي بالتأمل، بل مما يوحي بالدهشة والاستغراب أو الاستهزاء {بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخرةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ} وهذا هو الرد القرآني الذي يطرح المسألة بالأسلوب نفسه الذي يطرحون به هذين الاحتمالين، ليصدم الموقف بطريقةٍ سريعةٍ، تحتوي المشاعر، وتخفف تأثير الآخرين عليها، ثم تبدأ في مناقشة الأمور بطريقتها الخاصة. فهؤلاء هم الذين يعيشون في الضلال الغارق في التيه البعيد في مواقعه الممتدة في صحراء الجهل والتخلف والظلام، كما يعيشون في مواقع العذاب الذي ينتظرهم جزاءً لكفرهم الذي لا يملكون فيه أيّة حجّة، ولا يستندون معه إلى ركنٍ وثيق. إن المشكلة في الموقف، هي مشكلتهم في ما يتخبّطون به، وليست مشكلة النبي في ضلال طروحاته ليدور الأمر بين احتمال كذبه واحتمال جنونه.

{أَفَلَمْ يَرَوا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} ومن هو الذي يمسك السماء أن تسقط وهو القادر على أن يسقطها، أو يسقط الشهب قطعاً، أو يرسل الصواعق الملتهبة الحارقة فيصيب بها من يشاء؟ ومن الذي يمسك الأرض السابحة في الفضاء أن تهتز وتزول، وهو القادر على أن يخسفها ويزلزلها؟ وكيف تتحركان بإرادته وقدرته وتدبيره {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ} كما خسفنا بمن قبلهم من الذين ابتلعتهم الأرض بزلزالها { أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَآءِ} بتساقط الشهب، أو تحريك الصواعق. فلماذا لا يفكرون بقدرة الله الشاملة التي لا تقف عند حدٍّ ليدركوا من خلالها كيف يتَّقونه ويخافونه ويحسبون حسابه في كل الأمور، ولا يستعجلون الحكم على الأشياء، لا سيّما التي تتصل برسله وبرسالاته؟ إن القضية المطروحة، هي أن يدفعهم ذلك إلى إثارة التفكير الجديّ المسؤول الذي يواجهون فيه المسؤولية بكل دقّةٍ وعمق، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} في ما ينفتح فيه قلبه على الله، ليرجع إليه، فيفكر بمسؤولية، ويثوب إلى عقله، ويتحرك في طريق الهدى والرشاد.