تفسير القرآن
سبأ / من الآية 10 إلى الآية 11

 من الآية 10 الى الآية 11

الآيتـان

{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ* أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (10ـ11).

* * *

معاني المفردات

{أَوِّبِي}: سبّحي.

{سَابِغَاتٍ}: دروع كاملات.

{وَقَدِّرْ}: عدّل.

{السَّرْدِ}: التتابع، وسرد الحديد: نظمه.

* * *

ولقد آتينا داود فضلاً

في القرآن لمحاتٌ خاطفةٌ عن النبيّ داود، في فضل الله عليه مما أولاه من نعمه، وفي دوره في موقع الخلافة في الأرض على مستوى الحكم، وفي بعض اللقطات الجزئية من أحكامه، وهناك حديثٌ عابرٌ عن بعض ما آتاه الله من نعمه، في ما يوحي ذلك بقربه منه.

{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً} فأوحينا إلى الجبال {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} وألهمناها {وَالطَّيْرَ} مثل ذلك، فكان داود يفتح قلبه لله، ويحرك شفاهه بذكره، وينطلق التسبيح الخاشع من كل روحه، كلماتٍ مثل السحر، وصوتاً في صفاء النور ونقاء الينبوع يهمي ويهمي فتنساب منه الأنغام في عفويّة الترنيمة الحلوة وفي غيبوبة المشاعر الحالمة، فتمتزج حلاوة صوته بحلاوة كلماته، ليمتزجا معاً بالحب الإلهي في قلبه، حتى كان الحديث عن مزامير داود، الذي كانت مناجاته كمثل المزامير في حلاوة النغم، وعذوبة اللحن، من دون تكلّفٍ ولا تعقيد، وهكذا كانت الجبال تسبّح معه، وترجِّع كل أصداء الكلمات، وكل تقاطيع النغمات، وكانت الطير تنسجم في أجواء التسبيح معه، فتشعر كما لو كان الكون كله ينطلق ـ من خلاله ـ في تسبيحةٍ واحدةٍ لله الواحد القّهار.

* * *

كيف نفهم تسبيح الجبال والطير؟

وقد نستطيع الأخذ بظاهر القرآن ـ في ما لم يثبت استحالته أو خلافه ـ فلا نرى أيّ مانعٍ من أن ترجّع الجبال صدى صوته، والطير نغمات تسبيحه بالطريقة الحسيّة المادية: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] في ما أبدعه الله في تكوينها من ذلك في مسار التجربة الخاصة لداود(ع). على أن هناك آخرين لا يقتصرون في التصرف بظاهر القرآن على المورد الذي لا يتفق فيه الظاهر مع الحقيقة القطعية، حيث يكون الأخذ بالظاهر مرادفاً للأخذ بالمستحيل، أو الذي لا يتفق فيه مع الدليل الثابت بشكل مقبول، بل يجدون الاطمئنان العقلي أو النفسي عندما تتوفر الأجواء المحيطة بالموضوع كافياً في الخروج عن الظاهر، فهم في الوقت الذي لا ينكرون فيه أن يكون للجبال وعي التسبيح في ما لا نفهمه منها، أو يكون للطير وعي الانسجام مع داود بطريقةٍ إراديّةٍ، لا يجدون المسألة قريبةً من الذهنية العامة التي يخاطب فيها القرآن الناس في تصورهم للأشياء من خلال المفردات الحسية الموجودة لديهم، إذ يبدو أن ترجيع الجبال أو تسبيح الطير معه واردٌ على سبيل الاستعارة، تماماً كما يقول الناس إن الكون كله يتحرك معه، أو يسبّح معه، ونحو ذلك.

{وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} فجعلناه ليّناً في يديه يتصرف به كيف يشاء، ويصنعه كما يريد، {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} وهي الدروع الواسعة، {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} أي اقتصد فيه واجعله متناسقاً متناسباً في حلقاته. وهكذا هيّأ الله له هذه المهنة المهمّة، وهي صنع الدروع، ليستطيع أن يعيش من كدّ يمينه، ليكون قدوةً للناس، لا سيّما العاملين في الخط الديني الرسالي الذين تسمح لهم مواقع نشاطهم بالعمل في سبيل العيش، ليعرفوا أن العمل شرفٌ للعامل، ورسالةٌ في حياته من خلال علاقته بالهدف الكبير في حركة المسؤولية.

وقد ثار جدل كبير بين المفسرين، حول ما إذا كانت هذه الإلانة للحديد لداود، جاريةً على سبيل الإعجاز، كما هو الظاهر من النسبة المباشرة لله، ومن اعتبار هذا الأمر كرامةً لداود، وميزةً له على الآخرين، أو كانت جاريةً على الوضع الطبيعي، ليكون الحديث عنه كالحديث عن كل الأفعال الإرادية الاختيارية للناس التي ينسبها الله إلى نفسه، باعتباره مصدر القدرة الأساس في كل شيءٍ، ولتكون المسألة، هي ما يريد الله أن يبيّنه من ممارسة داود لعملية صنع الدروع بشكلٍ متقنٍ، بحيث تحمي المقاتل من الآخرين، وتجعل له حرية الحركة في القتال، للتدليل على الجانب العملي في حياته؟

ونحن في الوقت الذي لا نمانع فيه أن تكون المسألة على سبيل الإعجاز، لا ننفي أن يكون الرأي الآخر قريباً من الصحة، لا سيّما إذا لاحظنا أن المعجزة التي تمثل الطريقة الخارقة للعادة، لا تأتي إلا كأسلوبٍ من أساليب التحدي، أو مواجهة التحدي؛ ولكن هذا الجدل لا يمثل حاجةً عقيديةً وعمليّةً على كل حال، إذ يكفي في مسألة الإيمان الاعتقاد بإمكان المعجزة، وبالتصديق بها في حالة ثبوتها، لا بالإيمان بأيّة وجهة نظر اجتهادية في تعيين المعجزة.

{وَاعْمَلُواْ صَالِحاً} كأسلوبٍ من أساليب شكر النعمة، بما يمثله العمل الصالح من الانفتاح على الله، والانسجام مع خط رضاه، ليكون ذلك بمثابة اعترافٍ واقعيٍّ بالجميل، والخطاب لداود ولقومه، أو لأهله، على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فلا يفوتني شيء منها في ما خفي أو ظهر.