ســورة سبــأ الآيات 12-14
الآيــات
{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ* يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُواْ آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ* فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (12ـ14).
* * *
معاني المفردات
{غُدُوُّهَا}: سيرها بالغداة.
{وَرَوَاحُهَا}: سيرها بالعشي.
{الْقِطْرِ}: الحديد أو الرصاص.
{يَزِغْ}: يعدل.
{مَّحَارِيبَ}: معابد.
{وَتَمَاثِيلَ}: جمع تمثال، وهو صورة الشيء.
{وَجِفَانٍ}: جمع جفنة، وهي القصعة.
{كَالْجَوَابِ}: جمع جابية، وهي الحوض الكبير.
{رَاسِيَاتٍ}: ثابتات.
{مِنسَأَتَهُ}: المنسأة: العصا الكبيرة.
* * *
مع سليمان في تسخير الله ألطافه له
وهذه إطلالةٌ سريعة على النبي سليمان(ع) الذي جعل الله له ميزةً معينةً في الخدمات غير العادية التي هيّأها الله له مما كان يحتاجه في تنقلاته أو في مشاريعه العمرانية، أو في حاجاته الإنسانية الاجتماعية، وليس من الضروري أن يكون في ذلك نوعٌ من التفضيل، في ميزان القيمة النبوية، ليتساءل البعض هل نستطيع التأكيد على فضل سليمان على سائر الأنبياء، لأنه ـ وحده ـ الذي أعطاه الله ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده؟
والجواب عن ذلك، أن تمييز نبيٍّ عن نبيٍّ بما يمكِّنه الله من شؤون الحياة لا يتصل بدرجته عند الله بالقياس إلى النبي الآخر، بل يتصل بدوره والحاجة العملية لحركة الرسالة على صعيد الواقع.
{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} أي سخرنا له الريح {غُدُوُّهَا شَهْرٌ} بحيث تقطع بالغداة مسيرة شهر كامل، {وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} بحيث تقطع بالعشيِّ مسيرة شهر كامل، على الجمال أو الخيل أو الأقدام، {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} وهو النحاس أو الحديد، فأذاب الله له الصلب، كما ألان الحديد لداود ـ أبيه ـ لحاجته إليه في شؤون الإعمار أو غيره، أو أرشده إلى أسباب ذلك.
{وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} ما يحتاج إليه من بناء مراكز العبادة كبيت المقدس أو غيره، وذلك من خلال تسخير الله لهم لخدمته، لأن الإنس لا يملكون السيطرة الذاتية على استخدام الجن، {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} أي ينحرف عن شريعة الله في ما يريد الله للعباد أن يفعلوه أو يتركوه {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} فذلك هو جزاء المنحرفين من العصاة والمتمردين، {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ} للعبادة {وَتَمَاثِيلَ} وهي الصور المجسمة أو مطلق الصور.
وقد جاء عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر(ع) جواباً عن سؤال بعض أصحابه عن المراد بالتماثيل، قال: ما هي تماثيل الرجال والنساء، ولكنها تماثيل الشجر وشبهه[1]. وقد استفاد منها بعض الفقهاء حرمة صنع تماثيل الإنسان، لأن نفي موافقة سليمان على ذلك يوحي بالحرمة، وتحفّظ البعض في استفادة ذلك منه، لأن كفاية المرجوحية في صحة النفي حتى على مستوى الكراهة، لا تلزم المؤمنين بالترك.
{وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} وهي صحاف الطعام الكبيرة الواسعة، كالجواب التي هي الحياض التي يجبى فيها الماء أي ينقل إليها ويجمع فيها، {وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} وهي التي يطبخ فيها الطعام، وهي ثابتة في الأرض، لتأمين حاجاته في تلبية أضيافه أو عمّاله الذين يأكلون على مائدته.
* * *
اعملوا آل داود شكراً
{اعْمَلُواْ آلَ دَاوُدَ شُكْراً} فقد عزّز الله مكانتكم بالنبوّة، وأفاض عليكم من نعمه الشيء الكثير مما لم يعطه للكثير من عباده ورسله، فلا بد من الانطلاق في خط الشكر العملي، في الدعوة إلى الله، والعمل في سبيله، والسير في طريق طاعته، {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} الذين يملكون عمق المعرفة بالله، في مواقع عظمته ونعمته، وحقه العظيم على عباده في عبادتهم له، وشكرهم لنعمائه. ولعل التأكيد على قلّة الشاكرين من عباده، يوحي بأن مسألة الكثرة لا تمثل قيمةً إنسانيّةً في مضمون قرارها وحركتها ومنهجها العملي في الحياة، لأنها ترتبط بالسطح الظاهر للأشياء ولا ترتبط بالعمق ما يجعلهم بعيدين عن خط الصواب. وليس معنى ذلك أن القلّة تمثل ـ دائماً ـ معنى القيمة الإنسانية في مضمون الفكر وحركته، بل إن المعنى العميق في ذلك، هو عدم اعتبار الكثرة العددية أساساً للإيجاب، كما أنّ القلّة العددية لا تمثل أساساً للسلب، فلا بد من دراسة المضمون الداخلي للفكرة للقبول بها أو لرفضها.
{فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} لم يعرفوا به ساعة حدوثه و {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ} وهي الأرضة {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} أي عصاه، {فَلَمَّا خَرَّ} إلى الأرض {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} الحقيقة الإيمانية التي تؤكد على استقلال الله بعلم الغيب، فلا يملك أحدٌ من عباده أيّة ملكةٍ في هذا المجال، إلاَّ بمقدار ما يعطيهم من مفردات الغيب، في ما يحتاجون إليه، خلافاً للفكرة الشعبية التي تؤمن بأن الجن يعلمون الغيب، ويقيمون علاقاتٍ خاصةً مع الإنس، فيطلعوهم على الغيب ليضروا به بعض الناس، ولينفعوا بعضاً آخر، أو ليكتشفوا أسرارهم، وربما كان الجن يعتقدون في أنفسهم ذلك، بما قد يستوحونه من غيب بعض الأمور من خلال ملامحها، في ما يجدونه من المفردات التي توحي بمستقبلها، أو في ما يطّلعون عليه من خفايا الأمور في الآفاق الواسعة التي يتحركون فيها مما لم يطلَّع عليه البشر، ولكنهم واجهوا هذه الحقيقة ـ من خلال هذه التجربة الفريدة ـ فقد استمروا على العمل القاسي وهم يحسبون أن سليمان ينظر إليهم ويراقبهم، وعرفوا {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} الذي كانوا يعيشون فيه القهر والمذلّة والهوان.
وقد نحتاج إلى تسجيل ملاحظة حَذِرةٍ على الروايات التي حدّدت المدّة التي مضت على جهلهم بوفاة سليمان الذي بقي ـ وهو ميت ـ متكئاً على عصاه، مفتوح العينين، كما لو كان يراقبهم، حتى جاءت الأرضة وأكلت عصاه، فانكسرت فوقع، وعرفوا بموته.
فقد نلاحظ أن بقاء سليمان في هذا الوقت الطويل، لا بد من أن يلفت أنظارهم وأنظار الآخرين، لا سيما إذا لاحظنا استمراره في الليل والنهار، مما لم يعهد ذلك منه ولا من غيره، وعدم تناوله للأكل والشرب، كما نلاحظ أن الأرضة لا تحتاج إلى هذا الوقت الطويل لتأكل عصاه، فلا بد من أن يكون للمسألة وجه آخر[2] ووقت محدود ينسجم مع طبيعة الأشياء، والله العالم.
ــــــــــــــــــ
(1) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط:1، 1411هـ ـ 1991م، ج:16، ص:373.
(2) ورد في بعض الروايات أنه قال لأهله ـ عندما أحسّ بدنوّ أجله ـ لا تخبروا الجن بموتي حتى يفرغوا من بنائه ودخل محرابه، وقام متكئاً على عصاه فمات وبقي قائماً سنةً، وتم البناء ثم سلّط الله على منسأته الأرضة حتى أكلتها، فخرّ ميتاً فعرف الجن بموته، وكانوا يحسبونه حياً لما كانوا يشاهدونه من طول قيامه قبل ذلك.
تفسير القرآن