تفسير القرآن
سبأ / من الآية 15 إلى الآية 19

 من الآية 15 الى الآية 19

الآيــات

{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْاكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ* فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنّتِيهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجْزِي إِلاَّ الْكَفُورَ* وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ* فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (15ـ19).

* * *

معاني المفردات

{سَيْلَ الْعَرِمِ}: المراد بكلمة العرم: المسناة التي تحبس الماء، وقيل: العرم، اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى، وقيل: العرم، المطر الشديد، وقيل: السَّيل الذي لا يطاق.

{خَمْطٍ}: الخمط هو شجر الأراك، وقيل: هو شجر الغضا، وقيل: هو كل شجر له شوك.

{وَأَثْلٍ}: الأثل الطرفاء.

* * *

قصة سبأ كما وردت في القرآن

{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} وهي قبيلة من العرب سميت باسم الأب الذي تناسلت منه، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ـ كما قيل ـ وكانت تسكن اليمن، {فِي مَسْاكَنِهِمْ} أي بلدهم {آيَةٌ} أي علامةٌ تهديهم إلى الله وتدلّهم عليه وعلى رعايته لعباده وعنايته بهم في ما يفيض عليهم من نعمه الوافرة، مما يمكن أن يجعلوه أساساً للتأمل والتفكير الذي يقودهم إلى المزيد من معرفتهم بالله وارتباطهم به مما تفرضه حاجاتهم العامة والخاصة له، فالله أعدَّ للناس كل ما يتصل بوجودهم واستمرار حياتهم.

{جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} والجنة هي البستان المشتمل على الخضرة والفاكهة والورود المتنوعة بأشكالها وألوانها وخصائصها وعناصرها الذاتية، في طعمها وريحها ومنظرها، بما يملأ العين والقلب والحياة. وهكذا كان على اليمين بستانٌ ممتدٌ يشمل المنطقة كلها، وبستانٌ ممتد على الشمال بالمستوى نفسه. وقد تنوّعت كلمات المفسرين وخيالاتهم، أو استيحاءاتُهم في تصوير الروعة الناضرة والنعم الوافرة، فقيل: إن ديارهم كانت على وتيرةٍ واحدةٍ، إذ البساتين عن يمينهم وشمالهم متصلة بعضها ببعض، وكان من كثرة النعم أن المرأة كانت تمشي والمكتل على رأسها فيمتلىء بالفواكه من غير أن تمس يدها شيئاً، وقيل: إنه لم يكن في قريتهم بعوضةٌ ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حيّة، وكان الغريب إذا دخل بلدهم، وفي ثيابه قمل ودواب ماتت، إلى غير ذلك من الأقوال..

وكانت كل هذه النعم الوافرة تقول لهم بلسان ربهم الذي أودع في قلوبهم سرّ الوحي بالإيمان، والمعرفة بالله والشكر له، {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ} بالكلمة المنفتحة على نعمه، المعترفة بفضله، وبالعمل الصالح الذي يتجسد فيه رضاه، ويلتقي بالمعنى الإيماني العميق المتصل به في كل مواقع نعمه، {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} في مائها وهوائها وثمارها وروائحها، {وَرَبٌّ غَفُورٌ} في ما يوحي به معنى الغفران، من الرحمة والعطف والحنان الإلهي الذي لا ينتظر فيه الرب عباده ليخطئوا حتى يعاقبهم، بل إنه ينتظرهم ليرجعوا إليه ـ بعد الخطأ ـ ليغفر لهم. ومن خلال ذلك، فإن الآية توحي للناس بأن بإمكانهم الاطمئنان للاستمرار في حياتهم، بالانفتاح على النعم الوافرة الطيبة التي يغدقها الله عليهم، من خلال رحمته وعفوه ومغفرته، ورعايته لهم في كل أمورهم الخاصة والعامة، فليسوا مهملين، وليسوا ضائعين، لأن الربّ الذي خلقهم، لن يتركهم للضياع، ولن يقسو عليهم بالعقاب، ما دام هناك شكرٌ واعٍ للنعمة، وحركةٌ منطلقةٌ في خط الإيمان. وهذا هو النداء المتحرك الدائم في كل عصرٍ ومصرٍ، لأن الله لا يزال يتعهّد عباده بنعمه، ويدعوهم إلى شكره، لأن ذلك هو الذي يفتح قلوبهم عليه، من خلال حاجتهم إليه، ويفتح حياتهم على وحيه وشريعته من خلال إيمانهم الواعي العميق بربويته.

أيها الناس، لقد رزقكم الله نعمة الحياة في نعمة الوجود، ونعمة الاستمرار في الحياة من خلال ما أودعه من مفردات النعم الكثيرة في نعمة البقاء، فاغترفوا من ينابيع نعمه، وكلوا من مائدته، واشكروا له، فأنتم في الكون الواسع الممتد تعيشون في بلدةٍ طيبةٍ، تحتوي نعماً طيبة، وتتحركون في عناية رب غفور، يغفر لكم ذنوبكم، ليضمكم إلى كنف رحمته.

{فَأَعْرَضُواْ} وتمرّدوا، واستعانوا بنعم الله على معصيته، وابتعدوا عن خطه المستقيم، وأهملوا حسابات الله في حساباتهم، وأغلقوا أسماعهم عن سماع مواعظه، {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} وكان القوم في حالة استرخاء لذيذٍ غافلٍ عن كل شيء، مستسلم لكل أحلام اللذّة والشهوة والغي والسلطان، ينتظرون الموسم الجنيّ المثقل بالثمار، الواعد بكل ربح كبيرٍ ومالٍ وفير، ويستعدون لبداية موسمٍ جديد. وكان الماء يأتي أرض سبأ من أودية اليمن، وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما، فسدّوا ما بين الجبلين، فإذا احتاجوا إلى الماء، نقبوا السدّ بقدر الحاجة، ليسقوا زروعهم وبساتينهم، فلمّا كذّبوا رسلهم وتركوا أمر الله، بعث الله جرذاً نقبت ذلك الردم وفاض عليهم الماء سيلاً جارفاً لكل شيء.

{وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتيهِمْ} الزاهيتين المثمرتين الرائعتين {جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ} وبذلك تحوّلت الجنائن الغنَّاء الخضراء إلى أشجارٍ لا تغني شيئاً، فليس هناك إلا الشوك، {وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} وهو النبق الذي لا يأكله إلا حيوان جائعٌ أو إنسانٌ أضناه الفقر والعوز.

{ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجْزِي إِلاَّ الْكَفُورَ} لأنهم لم يكفروا من موقع حجّةٍ مضادّةٍ، بل من موقع تمرّدٍ طاغٍ وعنادٍ مكابر.

{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وهي قرى الشام التي أنعم الله عليها بالخصب والرخاء والماء والشجر، {قُرًى ظَاهِرَةً} أي متواصلةً بحيث يظهر بعضها لبعض، وكان متجرهم ـ كما يقول صاحب مجمع البيان ـ: «من أرض اليمن إلى الشام»[1]، وكانوا يبيتون بقريةٍ ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا، وكانوا لا يحتاجون إلى زادٍ من وادي سبأ إلى الشام {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} أي قسمنا السير فيها، بحيث كانت مراحل السير متوازنةً، فيصبح المسافر في واحدة منها ويمسي في أخرى في أجواء ملائمةٍ، {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} لأن الأوضاع التي كانت تسود خط السير في كل القرى المتتابعة كانت طبيعيةً آمنةً، بعيدةً عن أجواء النزاع والخلاف، ما يجعل السائر فيها يشعر بالأمن والطمأنينة والاستقرار النفسي.

وهكذا كان وضع قوم سبأ في حلّهم وترحالهم، في أمانٍ واطمئنان، فلا يخشى أحدٌ منهم على نفسه، ولا على ماله، ولا يحتاج في سفره إلى أيّ جهدٍ. ولكنهم كفروا بنعمة الله، ولم يشكروا له، {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} فقد مللنا من هذا الرخاء الذي لا يثير فينا جهداً، ولا يكلفنا تعباً، ولا يخلق لنا مشكلةً، قالوها من موقع كفرهم بالنعمة، وابتعادهم عن الله، فلم يطلبوها بألسنتهم، ولكن أعمالهم فرضت ذلك، فكأنّ أعمالهم تنادي بذلك. وربما كان الأمر جارياً على سبيل الحقيقة، فإن الناس قد يملّون من الرخاء فيطلبون الشدّة، ولهذا طلبوا أن تكون طريقهم إلى الشام طريق فلاةٍ وصحراء، يعانون فيها جهد السير وظمأ القلب وجوع الجسد، {وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} بالابتعاد بها عن الطريق المستقيم الذي يوفر عليهم كل النتائج السلبية في الحياة {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} تتناقلها الأجيال، للعبرة أو للتسلية، {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي فرقناهم في كل البلاد، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ} أي دلالات {لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} ليعرف كيف ينقذ الصبر والشكر صاحبه من الهلاك.

ـــــــــــــــــ

(1) الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، دار المعرفة، ط:1، 1406هـ ـ 1986م، ج:4، ص:605.