الآيات 20-21
الآيتـان
{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ* وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخرةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ} (20ـ21).
* * *
ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه
{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ} أي على أهل سبأ، أو كل من كان على شاكلتهم ممن كفر بالله وتمرد عليه {إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} فقد توعّد بني آدم، بأن يغويهم ويضلّهم ويبعدهم عن الصراط المستقيم، وكان يفكر بتحقيق ذلك بوسائله الخاصة التي يغري بها الناس، فيحرّك وساوسهم بوساوسه، ويثير غرائزهم بمغرياته، ويحسّن لهم السوء بتزيينه، ويقبّح لهم الحسن بأضاليله، وكان يغلب على ظنه النجاح من خلال دراسته للأجواء المحيطة بالواقع. وهكذا كان ظنه يصدق مع فريق، ويكذب مع فريق آخر، ولكن الكثيرين هم الذين يسقطون في حبائله، ويخضعون لإغراءاته، وهؤلاء هم الكافرون والعصاة والمتمردون على الله، الذين زَيَّن لهم الشيطان طريق الباطل، {فَاتَّبَعُوهُ} وأطاعوه {إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} الذين انفتحوا على الله من مواقع الحق المشرق في آفاق الفكر الواعي الممتد في كل رحاب الحياة، يزينون الأمور بموازينها، ويقيسون القضايا المتنازع عليها بمقاييسها الدقيقة، ويناقشون الأفكار بحكمة، ويبلورون القناعات بعمقٍ وصفاءٍ... هؤلاء الذين لا يدخلون الغرائز في آفاق العقيدة، ولا يثيرون الأفكار في ساحة الشهوات، ولا يحركون المواقف في أجواء الأطماع، بل يضعون كل شيءٍ موضعه، فللفكر موقعه، وللغريزة مواقعها، ففي الفكر عمق الانتماء وامتداد القناعة، وفي الغريزة حاجة الحسّ وغذاء الجسد، فلا يختلط موقع أحدهما بموقع الآخر، لتتوازن القضايا عندهم في طبيعتها، وتتركز في نتائجها.
{وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} فليس له أن يقهر أحداً على اعتناق فكرةٍ معينة، أو يجبر أحداً على سلوك طريقٍ معين، فللإنسان حريته في اختياره، من خلال ما يملكه من عقلٍ وإرادة. وكما الإرادة تخضع لتوجيهات العقل والإيمان، فقد تميل إلى الشهوات المحرمة التي يثيرها إبليس بوسوسته وتزيينه وإثارته للإغراء في أكثر من موقعٍ للإنسان، ليقف الناس بين الحق والباطل، والخير والشرّ، وليعيشوا حركة الاهتزاز في عملية الاختيار، ولم يكن ذلك {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخرةِ} على أساس الالتزام بالعمق الفكري للمسألة الذي يضع الإيمان بالآخرة في نصابها الصحيح من موقعها في ساحة الحقيقة، ومن اعتبارها أساساً لإبعاد الوجود الإنساني ـ وفق إرادة الله ـ عن دائرة العبث {مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} لخضوعه للاهتزاز الفكري المشدود إلى اهتزاز الحسّ في مألوفاته وفي غرائزه وشهواته، فلا يستقر على رأي، ولا يطمئن إلى موقف، {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ} لا يفوته أيُّ شيء مما يحدث في الكون، ولا مما يفكر به الإنسان.
وقد توحي كلمة {لِنَعْلَمَ} بأن تحريك الشيطان للدخول في مشاعر الإنسان، يستهدف أن يعلم الله المؤمنين من الشاكّين، ما يعني أن الله يحتاج إلى بعض الوسائل العملية التي تعرِّفه خفايا الناس، وهو أمر لا تقرّه العقيدة الإيمانية التي تعتقد بأن الله عالمٌ بكل شيء، فكل شيء حاضرٌ لديه بشكلٍ مطلق، ولكن الظاهر أن المراد به لنظهر المؤمن من الشاكّ، باعتبار أن ذلك سبيلٌ للإظهار الذي هو سبب العلم من حيث طبيعة الأشياء، لا على أساس علم الله.
تفسير القرآن