من الآية 22 الى الآية 25
الآيــات
{قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ* وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ* قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَواتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ* قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (22ـ25).
* * *
معاني المفردات
{شِرْكٍ}: نصيب.
{ظَهِيرٍ}: معين.
{فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ}: ذهب الفزع عنهم.
{أَجْرَمْنَا}: أذنبنا.
* * *
لمن السماوات والأرض؟
{قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ} في نداء التحدي الكبير الذي تطلقه في ساحة هؤلاء المشركين الذين جعلوا لله شريكاً من خلقه، فأعطوه صفات الألوهية، واستغرقوا في ذاته، واندمجوا في الإخلاص له، وتحركوا في خط عبادته، حتى نسوا الله، قل لهم، يا محمد، ادعوا هؤلاء الشركاء ليقدموا ما عندهم من إمكانات ومعطياتٍ وسترى أنهم لا يقدّمون شيئاً، أيّ شيءٍ، لعجزهم عن ذلك، فهم {لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي السّمواَتِ وَلاَ فِي الأرضِ} مما يمكن أن يكون مظهراً من مظاهر القدرة، أو يعبّر عن سرٍّ من أسرار شخصية الإله، {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ} أي من نصيب يتقاسمونه مع الله، لأن كل شيء في السماوات والأرض هو ملك الله وحده، لأنه ومن خلقه. {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} أي ليس لله من كل هؤلاء الذين تدعون من دونه من معينٍ يعينه، لأنه لا يحتاج إليهم من قريب أو من بعيد، فهو الخالق لهم، وكيف يحتاج الخالق إلى المخلوق؟ {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ} فليست هناك مراكز قوى تفرض نفسها على الله من موقع القوّة الذاتية التي تترك تأثيراتها على قراره، فيمن يعطيه أو فيمن يمنعه، لتكون هناك نقاط ضعفٍ في قدرته أو في عظمته الإلهية، ليحتاج الناس إلى التوسل إليه بالشفعاء حتى يصلوا من خلالهم إلى مواقع رحمته ورضاه، وليتعبدوا لهم للحصول على رضاهم الذي يؤدي للحصول على رضاه. فليس هناك أحدٌ أقرب إليه من أحد من حيث الذات، فهو الذي يقرّب بعض الناس إليه، ويمنحهم درجة القرب إليه من خلال أعمالهم، ويبقيهم في دائرة الخضوع له المنتظرين لإذنه في كل ما يفعلون أو يتركون، فيعرفون أنهم لا يملكون الشفاعة أمامه لأيِّ شخص لأنهم لا يملكون معه أيّ شيء، {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} في ذلك، فأراد تكريمه بالشفاعة لبعض الخاطئين الذين يريد أن يغفر لهم، بحيث تكون الشفاعة وظيفةً إلهيةً محدّدة الموقع معيَّنة الشخص والدور، من دون زيادة ولا نقصان. وفي ضوء ذلك، نفهم أن الشفاعة ليست حالةً ذاتيةً للشفعاء لدى الله، بل هي مهمّةٌ محدّدةٌ في دائرة المهمات التي قد يوكلها إلى بعض عباده لمصلحةٍ يراها، في وقتٍ محدود، ودور خاصٍ، ما يفرض على المؤمنين عدم الاستغراق في ذات النبي أو الولي طلباً للشفاعة، بل في توجيه الخطاب لله أن يمنحه الشفاعة من خلالهما.
{حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} أي إذا ذهب الفزع عن قلوبهم، والظاهر أن الضمير يعود إلى المشركين الذين يواجهون الموقف الصعب يوم القيامة، فلا يجدون ناصراً ولا معيناً، ويعرفون أنه لا مجال للهرب ولا للنجاة، فيعيشون في أجواء الفزع التي لا يملكون ـ معها ـ أن يفكروا بهدوء، أو يجيبوا عن أي سؤال، لأن الفزع يعطّل تفكيرهم عن الحركة، فإذا ذهب الفزع ملكوا فكرهم وأمكنهم أن يواجهوا السؤال بهدوء {قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} وهو سؤال توجهه الملائكة إليهم، أي كيف رأيتم طبيعة وحي الله الذي بلَّغكم به الأنبياء في حديثهم عن اليوم الآخر، وعن الحساب الذي ينتظركم فيه؟ هل ترونه حقاً، كما تشاهدونه الآن، أو تجدونه باطلاً كما كنتم تزعمون في الدنيا؟ {قَالُواْ الْحَقَّ} فليس هناك أيُّ باطلٍ في ما جاءت به الرسل، وها نحن نراه بكل تفاصيله، في هذا اليوم، فنجد أن الله وحده هو الحق، وأن ما كنا ندعو إليه هو الباطل، {وَهُوَ الْعَلِيُّ} في سموّ عظمته، وفي سعة قدرته.
{قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} في نداء المعرفة الذي يريد أن يقتلع الجواب من الأعماق، حيث ترقد حقائق العقيدة، فمن هو الذي ينزل الماء من السماء فتصبح الأرض مخضرّة، وتتحوّل أعماقها إلى ينابيع؟ ومن هو الذي يخرج النبات من الأرض فيتفتّح عن كل ما يبني للجسد قوّته، ويعطي للحياة حيويّتها ونضارتها واستمرارها؟ ويبدأ التفكير يفرض نفسه عليهم عندما يثيرون علامات الاستفهام أمام كل هؤلاء الذين يشركون بهم ويتعبدون لهم من دون الله، فلا يرون لهم حولاً ولا قوّة في ذلك كله، بل يرونهم أعجز من ذلك، لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً في كل شيء إلا بالله. ويستمر السؤال في إلحاحه، ويأتي الجواب {قُلِ اللَّهُ} الذي يبقى في معناه يثير الفكر، ويغني المعرفة، ويحقق القناعة الإيمانية في نهاية المطاف، وقد يكون في هذا الأسلوب الذي يثير السؤال من دون انتظار للجواب بعض الإيحاء بأن الفكرة واضحةٌ في انسجامها مع خط الإيمان، بحيث أن المسألة لا تحتاج إلى أخذٍ وردّ، مع توجيه الإنسان إلى إن الإسلام يحترم فكره، ولهذا فإنه يثير المعرفة من موقع الفكر، لا من موقع الفرض.
* * *
خط الحياد الفكري في أسلوب الدعوة
{وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِين} وهذا هو الأسلوب الإنساني الرائع في تحريك أجواء الحوار في خط الحياد الفكري، حيث يطلق المحاور المؤمن الفكرة في دائرة الاحتمال الذي يساوي بين فرضية الخطأ والصواب، أو الهدى والضلال، ليتقدم إلى الآخرين بروحية الباحث عن الحق في نطاق الفكرة، فيطرح المسألة في ساحة الشك، كما لو كان يعيش الاهتزاز الإيمانيّ، باحثاً عن الكلمات التي توضح له موقع الخطأ من موقع الصواب الذي يلتزمه، أو يلتزمه الآخرون.
وفي ضوء ذلك، نفهم أن حركة الحوار في الإسلام ترتكز على أساس القاعدة العلمية التي ترى في الشك طريقاً إلى اليقين، وترفض القناعات القائمة على أساس إهمال الحوار وإغفال الفكر والإصرار على العناد، ما يجعل من الحوار الفكري حركةً إيجابيةً في الجواب عن علامات الاستفهام المنفتحة على كل آفاق الحرية في المعرفة، بما يثيره العقل من قضايا ومشاكل وآراء.
وقد جاءت هذه الآية لتؤكد على هذه القاعدة الفكرية الحوارية التي تؤكد قاعدة «الشك في طريق اليقين»، فأكدت على أن الأسلوب العملي السليم هو الذي يعتمد على تفريغ الموقف من الأفكار المسبقة التي تحوّل الموقف إلى عقدةٍ تفرض نفسها على كل مواطن الحوار، وتشكِّل حاجزاً يمنع الأطراف من الشعور بحريّة الحركة في ما يقبلون ويرفضون، ويتمثل ذلك في اعتبار الشك في الفكرة موقفاً مشتركاً بين الطرفين، يوحي لكلٍّ منهما بضرورة إعادة النظر في القضية ومحاولة مواجهتها من جديد كما لو لم يواجهها من قبل، فليس هناك حكمٌ سابقٌ من أيٍّ من الطرفين على الخصم بالهدى أو بالضلال، بل هو الموقف المشترك الذي يريد أن يصل إلى الحقيقة من خلال الحوار الإيجابي القائم على الوعي والشعور العميق بالحاجة إلى الوقوف مع خط الإيمان بالنتائج أيّاً كانت، وهذا ما تجسِّده هذه الآية، فقد نلاحظ أن النبي ـ كما علَّمه الله ـ لم يعط في أسلوبه هذا لنفسه صفة الهدى، ولم يدمغ خصمه بصفة الضلال، مع إيمانه العميق بأن المسألة في واقعها الأصيل لا تبتعد عن ذلك، ليترك الحوار يأخذ مجراه دون تعقيد وصولاً إلى النتيجة الحاسمة من موقع الحرية الفكرية المنطلقة مع الحوار في الخط الصحيح.
وقد تكون قيمة هذا الأسلوب أنه يجرد الموقف من أيّة حساسياتٍ إيحائية في النظرة إلى الذات وإلى الآخرين، حيث يترك الفكرة بعيدةً عن الالتزامات المؤيدة في جانب صاحبها، أو المضادّة في الجانب الآخر، خلافاً للطريقة المعروفة في الأسلوب المطروح علمياً للحوار، الذي يقول: «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، بينما الطرح القرآني البديل الذي يبلغ القمة في إنسانية الطرح وحياديته، يرفع شعار «رأيي ورأي غيري يحتمل الخطأ والصواب في درجةٍ واحدةٍ».
{قُل لاَّ تُسْألونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا} فنحن نتحمل ـ وحدنا ـ مسؤولية ما ارتكبناه من جرائم، لأن الله جعل المسؤولية فرديةً، في ما يواجهه الفرد من التبعات أمام أوامر الله ونواهيه، {وَلاَ نُسْألُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فأنتم تتحمّلون مسؤولية عملكم، ولا نتحمل مسؤولية شيء منها، لأنها ليست متعلقةً بنا، فإنّ الأوامر والنواهي في تكاليفكم موجهةٌ إليكم لا إلينا، فلا مشكلة من هذه الناحية مما يخافه كل واحد على نفسه من عمل الطرف الآخر، بل المشكلة هي مسؤوليتنا عن الدعوة إلى الحق الذي حمَّلنا الله إياه لنبلغكم به، ومسؤوليتكم أن تفتحوا قلوبكم لهذه الدعوة، لتفكروا بها، ولتقتنعوا بها من أقرب طريق.
تفسير القرآن