سورة سبأ
من الآية 26 إلى الآية 30
الآيات
{قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ* قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ* وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ} [سبأ: 26-30]
معاني المفردات
{يفتح}: يحكم.
{الفتّاح}: الحاكم
ويبقى الأسلوب الهادئ في الحوار
ويبقى الأسلوب الهادئ الذي يريد أن يلامس الأعماق بالثقة المليئة بالقوّة، المنفتحة على الله، في أشدّ الأوقات حاجةً، والواثقة بحضوره القويّ الذي ينشر إشعاعاته على العقل والقلب والحياة، بحيث يثق المحاور المؤمن بأنّ الحديث عنه سبحانه في نهاية الحواء الذي يريد الطرف الآخر أن يغلقه، يمكن أن يفتح قلبه، ويحطّم جموده، ويهزّ مقاومته.
{قل} لهؤلاء الذي تحاورهم ليتحدّثوا إليك بما عندهم ولتتحدّث إليهم بما عندك، لتلتقيا على الحقّ الذي تدعوهم إليه من أوسع الآفاق الروحيّة والفكريّة، قل لهؤلاء إذا رأيتهم يعرضون عن أسلوبك الذي تنفتح عليه كلّ القلوب، وتنحني أمامه كلّ العقول في عمقه وإنسانيّته وحيويته، ويبتعدون عن الاستماع إليك، ويغلقون الأبواب في وجهك، قل لهؤلاء، وكلّمهم بلغة أخرى، قد تجعلهم يرتعدون وبخافون عندما يجدون كلامك مليئاً بالثقة العميقة وبالقوّة الحاسمة.. قل لهم: مهما ابتعدتم وأعرضتم وتمردّتم، فلن ينتهي الموقف بيننا إلى اللاشيء، بل نصل إلى النتيجة الأخيرة بين يدي الله {قل يجمع بيننا ربّنا} وهو الحكم العادل الذي يحكم بين الناس كلّهم من موقع قوّته وعدله {ثم يفتح بيننا بالحقّ} ليحكم بيننا، لمن الحقّ وعلى من الحقّ {وهو الفتّاح العليم} الذي يفتح كلّ الأبواب على الحقّ، ويعلم دقائق الأمور وبواطنها وأسرارها، فهو الذي يطلع على ما قد لا يطّلع عليه الإنسان من نفسه.
{قل} لهم، لهؤلاء الذين تحرّكوا في خط الشرك، والتزموا عقليّته ونهجه في غيبوبة الغفلة البعيدة عن إدراك حقائق الأشياء، كلاماً يصدمهم ويهزّ وجدانهم حتّى يستيقظ، وتحدّهم بالسؤال: {أروني الذين ألحقتم به شركاء} أين هم؟ ما هي قوتهم؟ ما هي قيمتهم؟ هل يملكون القوّة التي يرتفعون بها إلى مدارج العلوّ في رحاب الألوهيّة العظيمة؟ هل يستحقّون هذا الشرف الذي أعطيتموهم إيّاه، بعبادتكم إيّاهم، وبخضوعكم لهم، والتزامكم بمنهج الفكر والشعور الذي يتحرّك في خطوطهم العامّة والخاصّة. {كلاّ} فليس الأمر كما تزعمون أو كما تتخيّلون، فهم لا يستحقّون ذلك كلّه، فارفضوهم من موقع أنّهم لا يمثّلون الحقّ، بل يمثّلون الباطل، لأنّ الله ـ وحده ـ هو الحقّ {بل هو الله العزيز} الذي لا يغلب، {الحكيم} الذي تتحرّك كلّ أفعاله من موقع الحكمة التي توازن بين الأشياء كلّها فلا تخطئ في شيء منها، مهما كان دقيقاً.
قل لهؤلاء كلّ ذلك، وأكّد لهم حقيقة الوحدانية، وضلال الشرك، وقل، لكلّ الناس، من غير هؤلاء هذه الحقيقة التي تفرض نفسها على الوجدان الإنسان عندما يعيش لحظات الصفاء وعمق الوعي النقيّ، فإنّك رسول الله إلى الجميع، لتبشّرهم بالجنّة والرضوان في رحاب الله، ولتنذرهم بالنار بالسخط الإلهيّ في رحاب الآخرة. وتلك هي حقيقة الشمول في رسالتك، للحياة كلّها، وللناس كلّهم.
وما أرسلناك إلاّ كافة للناس
{وما أرسلناك إلاّ كافة للناس} أي عامة للناس كلّهم، العرب والعجم وسائر الأمم، {وبشيراً} لهم بالجنّة، {ونذيراً} لهم من النار {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} لأنّهم لم يرتبطوا بالجانب المشرق من الصورة، فحوّلوا عيونهم عن النور المتلألئ فيها، ولم ينفتحوا على القضايا الراقدة في عمق الواقع، التي تحتاج إلى الكثير من الجهد والمعاناة، في البحث والتأمّل والتفكير، بل كانوا يتوقفون عند ظواهر الأمور، لأنّهم لا يطيقون التعب في الوصول إلى الحقيقة، {ويقولون} وهم يمتدون في ضلالهم وارتباكهم في وعيهم للقضايا العقيديّة التي تثيرها أمامهم ليتساءلوا عن موعد الحساب وعن التوقيت، ليكون السؤال مجرّد لهو لتمضية الوقت ملء الفراغ {متى هذا الوعد} الذي تعدوننا به في لحظات الحساب الذي يترك في خطى الثواب والعقاب {إن كنتم صادقين} في هذه الدعوى، لأنّ من يثير مثل هذا الأمر الخطير البعيد الحسّ، لابدّ من أن يُحدّد ملامحه، ويعيّن موعده، {قل} لهم ما يجلو هذه الحقيقة التي تفرض عليك مسؤوليّة في العقيدة وفي الالتزام والعبادة. قل إن المسألة لا تتعلّق بمعرفة التوقيت، لأنّ ذلك ليس مهمّاً في الموضوع، فقد يغلق عنا الله أبواب المعرفة، في هذا الأمر، لحكمة يراها، إذ يريد أن يختبر عباده، ليعيشوا غموض الموعد مما يفرض عليهم البقاء في خال استنفار دائم أمامه، بل إنّ المسألة هي الإيمان بالفكرة نفسها، قل لهؤلاء الحقيقة العارية التي تخاطبهم بأسلوب التحدّي الكبير {لكم ميعاد يوم لا تستئخرون عنه ساعة} لأنّه لا مجال للتأخير أمام الموعد المحدّد، {زلا تستقدمون} فلا مجال لأن يسبق الوقت الموعد المعيّن عند الله، لأنّ الصدق الإلهيّ لا يمكن أن يبتعد عن ساحة الحقيقة على كلّ حال.
**********