من الآية 31 الى الآية 33
الآيــات
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ* قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَآءكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ* وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الليْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ اْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (31ـ33).
* * *
معاني المفردات
{يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ}: يُحيل بعضهم الخطأ على البعض الآخر.
* * *
عدوانية الكافرين في رفضهم الالتزام بالرسالة
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} من المشركين الذين أنكروا التوحيد والآخرة، وكذبوا رسول الله ورفضوا الالتزام بالخط الرسالي {لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من التوراة والإنجيل أو من أمر الآخرة، في إصرار على المنهج الفكري والعملي المرتكز على الوثنيّة المرتبطة بالحسّ، المتعبّدة للمادّة، الخاضعة لقيم المنفعة واللذة، المتحركة مع قانون الامتيازات الطبقية، وفي تأكيدٍ للرفض المطلق لكل حديثٍ عن الوحي الإلهي، ضمن أيّ كتابٍ من الكتب السماويّة، مهما قُدمّت إليهم البراهين، لأنهم ليسوا في موقع المناقشة والأخذ والردّ للبحث عن الحقيقة، بل في موقع العناد وتسجيل النقاط المضادة على الرسالة والرسول، حتى إذا جابهتهم الأدلة بالحقيقة، أعلنوا عن عنادهم، وكشفوا خفايا تفكيرهم. ويترك الأسلوب القرآني الحديث عن ردّ الفعل النبويّ، ما يمكن أن يتحدث به النبي محمد(ص) جواباً عن كلامهم، أو ما يمكن أن يتحدث المسلمون به ردّاً عليهم، ليوحي للفكر أن يسترجع الموقف في دراسةٍ تحليليةٍ لشخصية هؤلاء، فينتهي إلى نتيجةٍ حاسمة، وهي أن مثل هذه الكلمات لا تحتاج إلى جواب، بل إن كل همّ أصحابها يختزل بالبحث عن ساحةٍ ملتهبةٍ للتحدّي العدواني، ولهذا يفترض بالمعالجة أن تختار العقاب.
* * *
وقفة الظالمين عند ربهم
وهكذا ينقلنا الله ـ بسرعةٍ ـ إلى يوم القيامة، لنرى هذا المجتمع المشرك، وقد وقف أفراده، ممن هم في مستوى القيادة، وممن هم في مستوى القاعدة، في وقفة الذلّ والعار، أمام ضوضاء الجدال المرير، بين المستكبرين الذين نشروا الشرك في حياة الناس المستضعفين، وبين المستضعفين الذين خضعوا لهم انطلاقاً من ظروفهم الصعبة الضاغطة عليهم، وحاجاتهم الكثيرة الملحّة. {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} في وقفة الحساب التي يتقدمون فيها إلى أعمالهم ليواجهوا مصيرهم في الآخرة، بعد أن عاشوها في الدنيا في طريق اللذة والمنفعة، وفي هذا الموقف يتكلم الجميع بمرارة، فالمستضعفون يبحثون عن الجهة التي يحمّلونها مسؤولية أعمالهم، ليتخفّفوا من النتائج الصعبة التي يواجهونها في قضية مصيرهم المحتوم في النّار، فلعلهم يستطيعون الهروب منه ليتحمّله الآخرون، أو التخفف منه ليشاركوهم فيه، ولذا جاء الحديث وفق هذه الطريقة {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} فيردّه عليه في عملية جدالٍ متحرّكٍ.
* * *
حوار المستضعفين والمستكبرين
{يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ} من هؤلاء الذين عاشوا ضعف الإرادة في مواقعهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وسقطوا تحت تأثيره، ما جعلهم عاجزين عن أن يقولوا «لا» بقوّة الرفض، عندما يميل الموقف إلى الرفض ولا يملكون أن يقولوا «نعم» عندما يميل الموقف إلى القبول، بل يقبلون ما يراد لهم أن يقبلوه، ويرفضون ما يراد لهم أن يرفضوه، وهكذا كانوا يرفضون الإيمان، لأن المستكبرين أرادوا لهم أن يرفضوه، ليلتزموا الكفر من دون أن يدرسوا المسألة بعمق في طبيعتها ونتائجها السلبية أو الإيجابية في الدنيا والآخرة. وها هم يواجهون النار وجهاً لوجه، فيحاولون الهروب منها بما يقولونه {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ} الذين كانوا يملكون المال والجاه والرجال والقوّة، فيُخضعون حركة الواقع من حولهم لسلطتهم، ويستغلون حاجة الآخرين المحرومين من ذلك كله إليهم، ليجعلوا من تلك الحاجات قيوداً في أيديهم، وسبيلاً إلى إذلالهم، وها هم يقولون بلهجةٍ ممزوجةٍ بالنقمة والتوسل: {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنينَ} لأن طريق الهدى كانت مفتوحةً أمامنا، ولأن قلوبنا كانت منفتحةً على كلمات الأنبياء، كما كانت أرواحنا قريبةً إلى أجواء الصفاء.. وكان من الطبيعيّ أن نلتقي مع الدعاة إلى الله على خط الإيمان، ولكنكم وقفتم أمامنا، لتسدّوا علينا كل الطرق المفتوحة على الله، ولتغلقوا عنا كل أبواب الخير والهدى والفلاح، ولتعكِّروا علينا كل صفاء الحياة وطمأنينة الروح وهدوء الفكر، حتى ابتعدنا عن الإيمان من خلال دعوتكم إلى الكفر.
{قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ} وعندما رأى المستكبرون أن حراجة الموقف ودقّته يفرضان عليهم الجواب، وقد كانوا في الدنيا لا يعبأون بالمستضعفين، ولا يسمحون لهم بالمناقشة، ولا يردون عليهم السلام والكلام، ولكن المسألة الآن تختلف عن السابق، لأن الجميع يقفون في مستوى واحدٍ أمام المسؤولية بين يدي الله، فلا فرق بين كبير وصغير، الأمر الذي يجعل المستكبرين يخافون من تحمّلهم مسؤولية إضلال هؤلاء، ما يزيد عذابهم فوق ما يستحقونه من العذاب.. وهكذا أطلقوا الرد عليهم بقوّة، كما لو كانوا يتكلمون معهم في الدنيا {أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ} فما هي علاقتنا بذلك، فإذا كان ثمّة ضغوطٌ منا على أجسادكم، فهل كنا نضغط على عقولكم وقلوبكم، ونسيطر على قناعتكم، وهل يملك أحدٌ أن يضغط على عقل أحد، أو يملك قلبه من دون إرادته؟ إنها إرادتكم التي اختارت هذا النهج في الكفر، فليست المسألة أنكم كنتم خاضعين لضغوطنا، {بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ} بما اخترتموه من الكفر والعصيان والضلال، تماماً كما هي المسألة بما اخترناه ـ نحن ـ من الإجرام في حق الله، وحق أنفسنا.
{وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الليْلِ وَالنَّهَارِ} الذي مارستموه معنا، مما كنتم تديرونه من أسباب المكر والحيلة في الليل والنهار من خلال استغلالكم لكل نقاط الضعف فينا، لتحاربونا بنقاط القوّة عندكم، في ما نحتاجكم فيه من مالٍ وقوّةٍ وسلطان، وما تثيرونه في غرائزنا من لذّات وشهواتٍ، وما تعدوننا به من أطماع وطموحات.. فيزحف كل ذلك إلى عقولنا، وينساب إلى مشاعرنا، ويتحرك في غرائزنا، فنستسلم لكم استسلاماً مطلقاً لا شعورياً، كما لو كنا مشدودين إلى سحر ساحر {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ} إنكم أخضعتمونا للفكرة التي تربط العقيدة بالحس، وتبعدها عن الغيب، فإذا كنا لا نرى الله بأعيننا، فعلينا كما أوحيتم لنا، أن نكفر به بعقولنا، حتى لو رأيناه في قلوبنا وإحساسنا الداخلي {وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} مما صنعتموه من أصنامٍ، وممن أوحيتم لنا بأنهم في موقع الألوهية من خلال ما تثيرونه حولهم من أسرارٍ، وما تثيرونه في عقولنا نحوهم من خيالاتٍ وأوهام.. ولم ينفع هذا الكلام، {وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ اْلَعَذَابَ} واستعادوا كل تاريخ حياتهم في الدنيا، وشعروا بالندم العميق الذي يحرق كل مشاعرهم الآن، قبل أن تحترق أجسادهم في النار، وعاشوا العذاب النفسي الداخلي في ما أسرّوه من الندم {وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ} من المستكبرين والمستضعفين {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} لأن الله لا يعاقب أحداً إلا بذنبه.
تفسير القرآن