من الآية 34 الى الآية 39
الآيــات
{وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ* وَقَالُواْ نَحنُ أَكْثَـرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ* قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ* وَمَآ أَمْوالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ* وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ* قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (34ـ39).
* * *
معاني المفردات
{مُتْرَفُوهَا}: الذين يتنعمون في الملذات كما يشاؤون.
{وَيَقْدِرُ}: يُضيّق.
{زُلْفَى}: قربى.
{مُعَاجِزِينَ}: معاندين، ظانين أنهم يعجزون الله، وقيل معاجزين مسابقين.
* * *
المترفون في سلوكهم ضدّ الرسالات
لعل مشكلة الكثيرين من المجتمعات في ضلالها وكفرها وفسقها وفجورها وظلمها وانحرافها، هي مشكلة المترفين الذين لا يمثل الترف لديهم حالةً من النعيم المادي يعيشونه في حياتهم ويتيح تحقيق ما يطلبونه لأنفسهم من ملذاتٍ ومشتهيات من خلال ما يملكونه من المال والجاه، بل يمثل حالةً نفسيةً متعاليةً، ووضعاً طبقيّاً معقداً، من خلال المواقع التي يتحركون فيها، والقضايا التي يثيرونها، والصراع الذي يخوضونه ضد دعاة الإيمان والخير والصلاح، الذين يريدون تغيير المجتمع الطبقي إلى مجتمعٍ يتساوى أفراده في الحقوق والواجبات، وتغيير القيم الإنسانية العامة، من قيمٍ ماديةٍ يكون فيها للمال الحظ الأوفر والدرجة العليا في الحياة الاجتماعية العامة، إلى قيم روحيةٍ، يكون فيها للإيمان والخُلُق والعمل الصالح، في ما تمثله التقوى على الصعد الفكرية والأخلاقية والعملية في حياة الناس، النصيب الكبير.
ويقف هؤلاء المترفون دائماً ليواجهوا الرساليين، بكل وسائل المواجهة الإعلامية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بما يطلقونه من أضاليل، وما يثيرونه من شبهات واتهامات، وما يحركونه من فتنٍ ومؤامرات، حفاظاً على امتيازاتهم الذاتية والطبقية من خط الرسالات، ودعاة الإصلاح، وهذا هو ما تتناوله هذه الآيات في معالجتها للتحديات التي تواجه المرسلين والمنذرين، لتناقش الطروحات المنحرفة التي يحاول هؤلاء المترفون التأثير من خلالها على ذهنية الناس البسطاء.
{وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} لينذر الناس بعذاب الله، إذا انحرفوا عن خط الإيمان برسالته {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} الذين يعتبرون الترف، في عمقه المالي والطبقي، وامتداده الاجتماعي والسياسي، أساساً للقيمة الذاتية عندهم، { إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} لأن الرسالات تعمل على تحرير الإنسان من الخضوع لإنسان مثله تحت ضغط حاجاته، وتأثير نقاط ضعفه، فهي توحي إليه بأن الله هو الذي يرعى حاجاته وحاجات المخلوقات التي تعيش معه، وأن الآخرين من الطغاة والأغنياء من مترفي الأمم، لا يخرجون عن دائرة الحاجة أمام الله، فما من نعمةٍ يتقلبون فيها، إلا وهي مستمدةٌ من الله، فهو الذي منحهم إيّاها وأنعم عليهم بها، وهو القادر على أن يسلبهم إياها، كما تعمل الرسالات أيضاً على تغيير مفهوم الإنسان للحياة في قيمها العامة والخاصة، في الجانب الروحي والماديّ منها، والهدف أن تجعل الناس المستضعفين أحراراً في حياتهم، وأقوياء في مواقفهم، من خلال كونهم مؤمنين في عقيدتهم رفض العبودية إلا لله، والتمرّد على كل الشرائع إلا شريعة الله.. وهكذا كان المترفون يعلنون الكفر بالرسالات في مواجهة الأنبياء للحفاظ على امتيازاتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في دائرة الظلم والطغيان.
* * *
منطق القوة لدى المترفين
{وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَولاداً} ما يجعلنا الأقوى موقعاً وموقفاً وشأناً من هؤلاء الرسل الفقراء المعدمين الذين لا يملكون ما نملك من الكثرة في الأموال والأولاد والأتباع {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} لأن الله لا يمكن أن يعذِّب الطبقة العليا من الناس التي تمثل المستوى الكبير في الحياة على صعيد المال والمعرفة والقوة، ففي خيالهم أن امتيازات الدنيا تحكم امتيازات الآخرة بحكم سيطرة القيم المادية عليهما معاً.
* * *
منطق الرسالة في مواجهة منطقهم
{قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} فليست السعة في الرزق تمثل امتيازاً للغني، بما يرزقه الله، وليس التقدير في العيش يمثل احتقاراً للفقير، بما يضيّقه الله عليه من رزقه، بل الأمر يختلف في طبيعته باختلاف حركة الحكمة التي يجسدها التخطيط الإلهي الخاص بأرزاق النّاس في الحياة، بما يصلح به أمورهم في طبيعة حياتهم. فقد يكون الفقر بلاءً للفقير، ليختبر الله به صبره وإيمانه، ليرفع درجته من خلال ذلك فيكون خيراً له، وقد يكون الغنى بلاءً للغني ليختبر به شكره وتقواه، فإذا لم يشكر كان ذلك شراً له، فتسقط درجته. فلا بد من أن يُنظر للمسألة من هذه الجهة، لتتوازن النظرة في مجريات الحياة في حركة الرزق فيها، ليعرف الناس عمق المعنى في ذلك كله، فلا تغريهم المظاهر ولا تسلبهم الثروة التي يملكها الآخرون استقامة نظرتهم إلى الواقع، {وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} لأنهم يرتبطون بالسطح الظاهر للقضايا ولا ينفذون إلى العمق.
{وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى} مما قد يوحي به كلامكم الذي تؤكدون فيه أنكم لستم بمعذبين، لأنكم أكثر أموالاً وأولاداً، فكيف تفكرون بهذه الطريقة؟ وكيف يمكن أن يقرّب الله إنساناً لكثرة أمواله وأولاده، مع أنه هو الذي أعطاه ذلك كله، وهو الذي قسم العطايا بين خلقه، فكيف يميزهم بالقيمة، ما ميّزهم به من حيث الحكمة والبلاء، لا من حيث المنزلة والمقام، فلا يميز الله عبداً عن غيره في أيّ موقع من المواقع {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} فأعطوا الله من جهدهم الفكري ما جعلهم أقرب إليه في عقولهم وقلوبهم من خلال الإيمان بوجوده، والإخلاص لتوحيده، ومن جهدهم الجسدي ما جعلهم أقرب إليه في نشاطهم العملي الذي يراعي تقوى الله {فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ} الذي يتضاعف فيه الثواب تبعاً لقيمة الجهد المبذول، لا سيما ما يواجهه المؤمن من جهاد النفس، في التحديات الداخلية في حاجاته وغرائزه، ومن جهاد العدو في التحديات الخارجية التي يفرضها خصوم الرسالة وأعداؤها {بِمَا عَمِلُواْ} من الأعمال الصالحة، لأن الله جعل ثوابه تابعاً للعمل في حياة الناس، {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ} أي في غرفات الجنة، وهي البيوت العالية فيها، وقد تكون كنايةً عن علوّ الدرجة {آمِنُونَ}َ لا يصيبهم فيها سوء ولا خوف مما كانوا يحذرون منه في الدنيا، لأن الجنة هي دار السلام والاطمئنان والاستقرار الأبدي.
{وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنَا مُعَاجِزِينَ} يعملون على تعجيز الدعاة إلى الله وتثبيطهم وإثارة الخوف في نفوسهم، بما يخطّطونه من خطط الشرّ، وما يثيرونه من أجواء الكفر، وما يقومون به من مشاريع الضلال، {أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} لأن ذلك هو النتيجة الطبيعية لأعمالهم وأوضاعهم.
{قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} هو مصدر نظام الرزق في الحياة، وهو ضمانة استمراره في تلبية حاجات الإنسان، فمنه يستمد الثقة الكبيرة بالاستقرار والطمأنينة في ذلك، فهو الذي يعطي السعة لمن يريد أن يوسع عليه، ويضيّق على من يرى المصلحة والحكمة أن يضيّق عليه، {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} فليس لكم أن تخافوا من الفقر إذا أنفقتم مما رزقكم الله من مال، لأن المسألة لا تتعلق بجهدكم الذاتي في تحصيل المال، لتخافوا من الضياع وفقدان التعويض إذا أذهبتم ما لديكم منه، فانطلقوا مع العطاء، وانتظروا العوض من الله في الدنيا مثل الآخرة {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} لأنه الذي لا يمنع أحداً رزقه ممن أطاعه وممن عصاه من دون حاجةٍ إلى أيّ شيءٍ من المرزوقين.
تفسير القرآن