من الآية 40 الى الآية 45
الآيــات
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ* قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ* فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ* وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آياتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهمْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ* وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ* وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} (40ـ45).
* * *
معاني المفردات
{نَكِيرِ}: الإنكار، ويراد به في الآية الهلاك.
* * *
القرآن يناقش أفكار الانحراف العقيدي
وتتنوّع الأساليب في الحديث عن الانحراف في مسألة العبادة، فيجري تصوير مواقف بعض المخلوقات الروحانية كالملائكة الذين كان المشركون يقصدونهم بالعبادة، فيوجه الله السؤال إليهم عن طبيعة موقعهم في هذه الدائرة العبادية، ويكون الجواب الطبيعي أنهم ليسوا في هذا الموقع، في ما يرونه من أنفسهم من إخلاصهم لله، ومن خلال إحساسهم بأنهم عباده الذين يعيشون في ولاية الله ورعايته لهم في كل أمورهم، فلا قيمة لأحدٍ، مهما كانت مشاعره تجاههم، ومهما كان إخلاصه لهم، أمام الله، فلا يقبلون أن يضعوا أنفسهم في موقع المعبود، ولا يقبلون من أحدٍ أن يضعهم في هذا الموقع، وتظهر هذه الحقيقة في هذا الحوار الإلهيّ مع الملائكة.
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} العابدين والمعبودين في يوم القيامة {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} هل توافقونهم على هذا النهج، وهل ترضيكم هذه العبادة لكم من دون الله؟ {قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} إنك ـ أنت ـ يا ربنا خالقنا ورازقنا وراعينا ومالك كل أمورنا الصغيرة والكبيرة، فليس لنا من الأمر إلاَّ ما قضيت ولا من الخير إلا ما أعطيت، فهل يمكن أن نفكر ـ لحظةً ـ بأن يجعلنا أحدٌ من هؤلاء الناس أولياء لهم من دونك، بأن ننصرهم في ما يدعوننا إليه، وأن نشفع لهم في ما يشفّعوننا به، فماذا نملك لهؤلاء من نصرةٍ وشفاعةٍ؟! إننا نرفض ذلك كله، من موقع عبوديتنا وعبوديتهم لك {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} وهم يشعرون أنهم ملائكةٌ، فيعبدونهم خوفاً منهم، ورغبةً في اتقاء شرورهم، في ما يعتقدونه بهم من قدراتٍ خارقةٍ، وعلمٍ بالغيب {أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} وقد قيل في تفسير الآية، إن المراد أنهم كانوا يطيعون الجن في تزيينهم لهم عبادة الملائكة وغيرهم من دون الله.
{فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً} فلا وليّ ولا شفيع من دون الله، سواء كانوا من الإنس أو من الجن، أو من الملائكة، فأين تذهبون؟ وكيف تفكرون؟ فهذا، أيها المشركون، هو الموقف الحاسم الذي يواجه فيه كل واحدٍ منكم مصيره المحتوم الذي لن يكون في مستوى السعادة الذي يأمّله ويرضاه لنفسه، فها هم الملائكة الذين جعلتموهم شفعاء يتبرأون منكم ومن عبادتكم لهم، من موقع خضوعهم لله، وإقرارهم بعبادته، {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بالكفر أو بالشرك، {ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} عندما كنتم ترفضون اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقابٍ، وتسخرون من فكرة النار، فها هي النار التي كنتم بها وبعذابها تكذبون، إنها الحقيقة، فذوقوا الآن طعم الحقيقة.
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آياتُنَا بَيِّنَاتٍ} تؤكد لهم نبوّتك ورسالتك، ووحي الله الذي أنزله عليك في كتابه {قَالُواْ} لبعضهم البعض {مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ} إنه المنطق الذي يهرب من مواجهة الحقيقة في مضمونها الفكري العميق، ليثير المسألة في اتجاه إثارة المشاعر المعادية للرسول عبر تحريك العصبيات العائلية القائمة على الإخلاص لعقيدة الآباء والأجداد، لينتفض الناس في مظاهرةٍ مجنونةٍ تستهدف حماية إرث هذا التاريخ الذي قد لا يكون له أيّ معنىً، في ما يُحترم فيه الفكر، وتنفتح فيه الحقيقة... وتلك هي حالة كل الذين يريدون أن يصادروا الفكر الحيّ التغييري في المجتمعات المتخلفة، عندما يعملون على تجميع عناصر الإثارة المضادة التي تخاطب الغرائز والعصبيات والمشاعر الحادّة لإسقاط الفكرة في الساحة العامة من دون مناقشة. وهكذا أطلق هؤلاء أمام بعضهم البعض فكرة حماية مقدسات الآباء {وَقَالُواْ} عن القرآن {مَا هَذَآ إِلاَّ إِفْكٌ} كذب {مُّفْتَرًى} فهو منسوبٌ إلى الله من دون أساس، بل هو افتراء {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهمْ} في أسلوب مثيرٍ جديدٍ، لا يستهدف الفهم والوعي بل التشويش والتشويه والإثارة {إِنْ هَذَآ} أي ليس هذا {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} فلا يمثل شيئاً من الحقيقة، بل هو نوعٌ من أنواع التخييل الذي يسلب اللب، ويأخذ الشعور، ويثير الإحساس. فهو يفرق بين الأب وأولاده، والزوجة وزوجها، والأخ وأخيه بطريقةٍ سحريةٍ غير مفهومةٍ، {وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} تشكل لهم ضمانة فكرية تميز بين الحق والباطل، ليحكموا على الأشياء من موقع العمق الذي يوازن بين الأمور {وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ} ليأخذوا الفكرة من خلال النبيّ الذي ينذرهم ويهديهم ويجنبهم أخطار المزالق التي قد تؤدي بهم إلى الهلاك. فكيف يحكمون على الأشياء من قاعدة اللافكر واللاوعي؟
{وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} من الأمم السالفة {وَمَا بَلَغُواْ} أي قومك {مِعْشَارَ مَآ آتيناهُمْ} من قوّةٍ ومالٍ وجاه وطول عمر، {فَكَذَّبُواْ رُسُلِي} بفعل روح العناد والتعصب، لا من موقع الفكر والتأمل والقناعة {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي عقوبتي لهم وتغييري لحالهم؟ وكيف يمكن أن يكون عقابكم، وأنتم الأضعف والأقل والأكثر فقراً؟
تفسير القرآن