تفسير القرآن
فاطر / من الآية 2 إلى الآية 5

 من الآية 2 الى الآية 5
 

الآيــات

{مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَْرْضِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ* وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الاُْمُورُ* يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (2ـ5)

* * *

معاني المفردات

{مَّا يَفْتَحِ}: ما يعطي.

{تُؤْفَكُونَ}: تُصرفون عن الحق إلى الباطل.

* * *

هل من خالق غير الله؟

{مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} لأن الكون بجميع مواقع النعمة والرحمة فيه، خاضعٌ لقدرته المطلقة، فليس لأحدٍ من خلقه شيءٌ من ذلك إلاَّ بإذنه، فلا يستطيع أيٌّ منهم أن يغلق أيّ باب من أبواب الرحمة التي يريد الله أن يفتحها لخلقه. {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} لأنه المسيطر على ذلك كله، فإذا أراد أن يحبس المطر عن الناس، فليس لأحد أن ينزله عليهم، {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الذي يملك العزة كلها من خلال ما يملكه من القوّة كلها، كما يؤكد الحكمة في حركة كل شيءٍ في خلقه، لأنه المطّلع على حقائق الأشياء في ما يصلحها ويفسدها، القادر على تحريكها تبعاً لإرادته.

{يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} في كل حياتكم في ما يختزنه وجودكم الداخلي من الأجهزة التي تحرّك حياتكم في الاتجاه الذي يحقق لكم الراحة والقوّة والسعادة، أو في ما يحيط بكم من قوىً وظواهر وموجوداتٍ مسخَّرةٍ لكم في خصائصها وعناصرها التي تكفل لكم إمكانية الاستمرار في الحياة من خلال تهيئة شروطها الضروريّة، فلا تكونوا في غفلةٍ من ذلك، وانفتحوا على دلالاتها في موضوع العقيدة التوحيدية التي تفتح لكم أبواب الأفكار النافية لكل شريك لله، على أساس أن كل شيء مخلوق لله، لتفكروا {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَْرْضِ} فيمن تدّعونه من الشركاء، أو في ما يزيّنه لكم الشيطان من ذلك كله. فقد أعطاكم الله الحواس الظاهرة والباطنة، التي تميّزون بها حقائق العقيدة والحياة وتتعرفون من خلالها على الحدود الفاصلة بين الخالق والمخلوق.

{لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ} فهذه هي الحقيقة الإيمانية التي يؤكدها العقل والوجدان، فلا مجال للشك فيها أو لإثارة الجدل حولها، أو للانحراف عنها في خط العقيدة والعبادة، {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} وتعدلون، على المستوى الاعتقادي والعملي، عن خط الحق إلى الباطل.

{وَإِن يُكَذِّبُوكَ} يا محمد، فلست أوّل الرسل الذين تكذبهم أممهم بسبب الرواسب المتعفّنة التي تكمن في العمق الّلاشعوري من شخصياتهم، وبفعل الامتيازات الطبقية التي يخافون من الرسالات أن تحرمهم منها، ولتبنّيهم الأفكار الخاطئة المتخلفة التي يحملونها في ذهنيتهم الجاهلة عن الرسالة والرسول، فلا تنفعل بذلك انفعالاً ضاغطاً على موقفك الرسالي في حركة الدعوة {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} ولم يسقطوا ولم يتراجعوا، بل تابعوا الرسالة بما تفرضه من مواقف وتحدّيات، بعيداً عن النتائج السلبية، لأنهم يعلمون أنَّ انطلاق الرسالة في مواجهة التيار الفكري والعملي للمجتمع الجاهلي، يفرض التحديات والمواقف المضادّة، ويتطلب الصبر والصمود والاستمرار في السير على الخط حتى يستنفدوا كل وسائلهم وأساليبهم وتجاربهم في تحريك كل الخطوط التي يملكونها، إلى أن يأتي الله بأمره {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} فهو الذي يحكم بين عباده، فيجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

{يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} بما وعدكم من الثواب والعقاب في الدار الآخرة {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} فتخدعكم مظاهرها وزخارفها وملذاتها وشهواتها وأطماعها، وتشغلكم عن التفكير في عواقبها السيئة، العاجلة أو الآجلة، فتمتدون بها في طول الأمل وغفلة العقل والروح والضمير.

{وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} الذي يغركم ويخدعكم، فيهوِّن عليكم حقارة الذنوب، ويوحي إليكم بأنَّ الله غفور رحيم، ويزيِّن لكم المعصية، ويحبّب إليكم الشهوة، ويطوّل لكم الأمل، فيؤدّي بكم إلى الغفلة التي تؤدي إلى الكفر والضلال.