تفسير القرآن
فاطر / من الآية 29 إلى الآية 38

 سورة فاطر الآيات 29-38
 

الآيــات

{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ* لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ* وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ* ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ* وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ* الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ* وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ* وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ* إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (29ـ38).

* * *

معاني المفردات

{عَدْنٍ}: إقامة.

{دَارَ الْمُقَامَةِ}: دار الخلود وهي الجنة.

{نَصَبٌ}: تعب الجسم.

{لُغُوبٌ}: تعب النفس الناشىء عن تعب الجسم.

* * *

مصير المؤمنين يوم القيامة وجزاؤهم

{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ} ليستوعبوا معانيه في عقولهم وقلوبهم، ويبنوا شخصياتهم على قاعدة مفاهيمه، ويحركوا حياتهم في خط آياته، {وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ} ليعيشوا الحضور القلبيّ الدائم مع الله، وليعبّروا بحركات أجسادهم عن خشوعهم له وانقيادهم إليه، وانسحاقهم بين يديه، {وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} ليكون ذلك هو المعنى العميق للشكر على نعمة الله، والالتزام بالوظيفة الإلهية التي جعلها الله للمال الذي رزقهم إيّاه في إنفاقه على أنفسهم وعلى المحرومين من عباده، {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} لن تخسر، لأنها التجارة التي يحصل الإنسان من خلالها على رضوان الله الذي يتجسد في نعيمه في الدار الآخرة، وهي التجارة الباقية الخالدة.

{لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ} على ما عملوه من الصالحات، {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} الذي يضاعف به الحسنات ويرفع به الدرجات {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} يغفر للمؤمنين الخاطئين ذنوبهم، ويشكر لهم التزامهم الإيماني والعملي.

{وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ} الذي يحمل في داخله دلائل صدقه، ما يفرض على المسلمين أن يتأمّلوه ويتدبروه ليكتشفوا مواقع القوَّة في فكره وشريعته ومنهجه في الحياة، ليزدادوا بذلك إيماناً ويقيناً، لأن الإيمان الذي يتحرك في دائرة الوجدان الفطري، قد يكون بحاجةٍ إلى إيمان يتحرك في دائرة الوجدان العلمي ـ الفكري الذي يستطيع أن يواجه الموقف الصعب في ساحات الصراع، ليكون هناك فكرٌ يواجه فكراً، لا عاطفةٌ تواجه فكراً أو عاطفةً، وبهذا يثبتون للآخرين بأن هذا الكتاب هو وحي الله ـ الحق ـ الذي يحتوي خلاصة الكتب الرسالية التي أنزلها الله على رسله من قبله، فكان {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} في ما يتمثل فيها من مفاهيم التوحيد والعدل، والقيم الروحية التي تبني للإنسان روحه وحياته على أساس توحيد الله وتقواه، وتشريع إضافي احتاجته البشرية في ما استقبلته وما تستقبله من أيامها في عهد رسالة النبي محمد(ص) .

{إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} فعليهم أن يستسلموا له، وينقادوا إليه، لأنه الخبير بمصالحهم، البصير بنتائج أعمالهم السلبية أو الإيجابية،{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} من الذين عاشوا في مجتمع الرسل، أو من الذين جاؤوا من بعدهم، ليكون الكتاب قاعدةً لتفكيرهم، ودستوراً لحياتهم، ومنهجاً لحركتهم، وأساساً لعلاقاتهم، وحركة في ساحة صراعاتهم، لأن الله اختارهم ليكونوا حملة الرسالة التي أوحى بها لرسله في كتابه وأتباعها، فماذا، لأن الله اختارهم ليكونوا حملة الرسالة التي أوحى بها لرسله في كتابه وأتباعها، فماذا كان ردُّ فعلهم على ذلك وكيف واجهوا هذا الإرث وهذا الاصطفاء الإلهي؟ {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} في انحرافه عن خط الكتاب، وتمرّده على الله في خط طاعته، {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} يتحرك معه بحسابٍ، ويقف عند بعض المواقع بحسابٍ، من دون حرارةٍ واندفاع، ومن غير روحٍ حركيّةٍ منفتحةٍ على الهدف الكبير بقوّة، {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} وهم الذين عاشوا الكتاب في كل ملامح شخصيتهم، فذابوا فيه، وانطلقوا مع مفاهيمه كرسالةٍ للحياة، ومنطلقٍ للسموّ، والتفاتةٍ للإبداع، وحركةٍ للخير في ساحة السباق التي تتنافس فيها خيول الخير في ساحة الإنسان والحياة، ليندفعوا بكل ما عندهم من حبٍّ لله، واندفاعٍ روحيٍّ في الحصول على رضاه، ليكونوا السابقين في كل مواقع الخير، فلا يسمحون لأحدٍ بالتقدم عليهم، ليعطوا الشهادة الحيّة على أن الرسالة إذا عاشت في الكيان الإنساني فكراً وروحاً وحركةً، تحوّلت إلى قوّةٍ هائلةٍ في كل الساحات.

{بِإِذُنِ اللَّهِ} الذي يتطلع إليه هؤلاء قبل الاندفاع نحو الهدف، والدخول في ساحة السباق، ليطلبوا الإذن منه في ذلك، ليكون اندفاعهم في خط الهدف الكبير المنفتح على شريعة الله، وليكون سباقهم خاضعاً لرضوان الله، {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} وأيّ فضلٍ أكبر من الفضل الذي يحقق للإنسان في مسعاه نحو خير الآخرين البركة لعباد الله، ومن العمل الذي ينال فيه الإنسان الرضوان من الله، الذي يطلّ به على مواقع النعيم في الدار الآخرة، {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} وغير ذلك من النعيم المادّي الذي ينعم الله به على هؤلاء المؤمنين السابقين من عباده، ليواجهوا اللّذة المادية التي عاشوا كثيراً من الحرمان منها ومن أمثالها في الحياة الدنيا، إلى جانب اللذة الروحية، لأن الإنسان يبقى إنسان المادة الذي يعيش تطلعاتها في حاجاته الجسدية ونوازعه الذاتية، كما يكون إنسان الروح الذي يفيض بالحب الإلهيّ الذي يعيش فيه ابتهالات الروح والحبّ الروحي في رحاب الله. وهكذا أراد الله لهؤلاء أن يشعروا بالطمأنينة الروحية والفرح الإلهيّ، {وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} الذي كنا نعيشه في الحياة الدنيا حين واجهنا مشاكلها وآلامها وأوضاعها التي كانت تثير فينا الأحزان المتنوعة، وحالات القلق والشعور بالاهتزاز في لحظات الضعف البشري، حتى أننا كنا في لحظات الفرح لا نستشعره خالصاً، بل نجد فيه بعضاً من الحزن العميق، أو الخفيف الذي يتمثل في بعض ملامحه، وها نحن الآن نعيش الفرح الروحي الخالص الصافي، حيث لا أثر للحزن فيه، كما نعيش الطمأنينة النفسية الثابتة التي لا أثر للاهتزاز فيها، وذلك بفضل ما نعيشه من رحمة الله الواسعة التي تفيض علينا بكل لطفه ورضوانه.

{إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} فقد غفر لنا ما أخطأنا فيه من أقوالنا وأفعالنا، فلم يعذبنا عليها، وشكر لنا أعمالنا الصالحة التي عملناها امتثالاً لأمره، وإرادةً للقرب منه، {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ} فها نحن في هذه الجنة الواسعة التي وعد الله عباده المتقين أن ينعموا ويخلدوا فيها في رحمةٍ منه ورضوان، {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} فلا مجال لأيّ تعب فيها، فهي دار الراحة المطلقة، {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} فلا مجال فيها لأيِّ شعورٍ بالأذى والحزن والألم...

* * *

مصير الكافرين وجزاؤهم

{وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} جزاءً لأعمالهم {لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} لأن الله أراد للعذاب أن يكون مستمراً لا انقطاع له، فلا مجال للموت الذي يمنحهم راحةً سلبيةً من العذاب، {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} أساء إلى نفسه وإلى خالقه وإلى الحياة كلها.

{وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} فقد كنا غافلين عن هذا المصير الأسود الذي ينتظر الكافرين والمتمردين على الله، فأعطنا ـ يا ربنا ـ مهلةً وفرصةً جديدة، لنغيّر ما كنا فيه، فنستقيم على الطريق الصحيح الواضح، ونتبع الرسل في خط هداك. {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} فقد أعطاكم الله فرصةً كبيرةً امتدّت بامتداد عمركم الذي عشتم فيه {مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} إذ كانت الذكرى تصدم كل واقع الغفلة الذي كنتم تتخبطون فيه وتضعكم وجهاً لوجه أمام مسؤولياتكم، وتحدّثكم عما ينتظركم من قضية المصير، { وَجَآءكُمُ النَّذِيرُ} فما الذي سيتبدّل ويتغير إذا رجعتم إلى الدنيا، فإذا كانت النار التي دخلتموها هي التي تعتبرونها أساساً ليقظة الروح في حياتكم، ولحركة الإيمان في أعمالكم، فإن مواقع النسيان التي أحاطت بشهواتكم، ومصارع الغفلة التي أوقعتكم في أطماعكم في الدنيا، لا تزال في عمق الشخصية الكافرة تفرض نفسها على الواقع كله، وعلى المنهج كله.

{فَذُوقُواْ} العذاب الذي تستحقونه بكفركم وظلمكم، ولا تنتظروا شفيعاً ولا نصيراً {فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} فلا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذٍ لله.

{إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} وتلك هي العقيدة الإيمانية التي توحي للإنسان بالرقابة الإلهية على كل أعماله وأقواله، في سرّه وعلانيته، لأنه المحيط بالواقع كله {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ما يوحي بالرقابة الدقيقة التي تطلّ على الفكر وهو يتحرك في الخير أو الشر أو الحق أو الباطل، وعلى الشعور وهو يتحرك في حبٍّ أو بغضٍ أو تأييدٍ أو رفضٍ لما يحبه الله أو لما يكرهه. وتلك هي الدعوة الإيمانية إلى الانضباط الدقيق في خط الفكر والشعور والقول والعمل، في كل جوانب الحياة الخاصة والعامة.