تفسير القرآن
الزمر / من الآية 1 إلى الآية 6

 الآيات 1-6

الآيــات

{تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينِ* أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذبٌ كفّار* لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ* خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللّيلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأجلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ* خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (1ـ6).

* * *

معاني المفردات

{يُكَوِّرُ}: يطرح الليل على النهار فيدخله فيه، فينقص منه وبالعكس.

{ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ}: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة.

* * *

تركيز العقيدة وبناء الشخصية المتكاملة

{تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} هذه هي حقيقة هذا الكتاب الذي تجدونه بين أيديكم، بكل ما فيه من قواعد العقيدة، وأسرار الشريعة ومنهج الحياة، وآفاق الحركة و النموّ والتقدم. إنه تنزيلٌ من الله الذي لا يغلب على ما يريد من خلال عزته المطلقة، ولا يمكن أن يقترب العبث أو الخلل إلى ما يخلقه أو يبدعه أو ينزله على عباده. {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ} فليس هناك شيءٌ من الباطل في الفكر الذي يحرّكه في مضمونه العقيدي، أو في التشريع الذي يخططه في حركة الشريعة، أو في المنهج الذي ينتهجه في طريقة التفكير والتحليل، بل هو الحق الذي يشرق بالتوحيد في مواجهة باطل الشرك، وبالعقل في مواجهة العاطفة، وبالعلم في مقابلة الجهل. وبذلك تتكامل شخصيتك في الارتباط بالحق، والانتماء إليه والالتزام به، وتتعمق علاقتك بالله، وينفتح وعيك على آفاق عظمته، فيخشع له قلبك، وتخضع لقدسه روحك، ويخلص له كل كيانك في عمق العبادة وروحية العبودية. {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينِ} وذلك بالقلب الذي يتحرك إخلاصه بالنبض الشعوري بحب الله أكثر من حب أحدٍ غيره، وبالعقل الذي يطوف باحثاً عن أسرار عظمة الله في الكون، ليكتشف فيه الرب الخالق القادر الحكيم العليم الرحيم المهيمن المالك لكل ما في الوجود من موقع خلقه له، فيعيش الخضوع المطلق في كل حركة فكره المشدود إلى هذه العظمة بعمق وانفتاح، وفي كل حياته التي تلتزم بالله التزاماً شاملاً، فلا تخضع إلاَّ لشريعته ونهجه بعيداً عن كل شرائع الآخرين ومناهج الكافرين، وذلك هو معنى عبادة الله في ما يريده الله من عبادة خلقه له، بأن يكون الكيان كله في داخله وخارجه له، فلا يكون فيه أيّ شيءٍ لغيره.

* * *

الصورة القرآنية للشرك

{أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} الذي ينطلق من موقع الفكر والوعي والممارسة، لا من موقع الكلمة المجرّدة، والتمثيل المصطنع، والحركة الغارقة بالأطماع والشهوات والارتباطات المشبوهة بالأصنام التي اتخذها الناس أرباباً من دون الله بسبب الجهل والتخلف والتصورات الوهمية التي تصنع للأشياء أسراراً لا حقيقة لها، ودوراً لا أساس له، ومعنىً لا عمق له، وعظمةً لا أفق لها، لأنهم يريدون الارتباط بالحس الذي يفرض نفسه على الجانب المادي من وجودهم، فإذا ارتبطوا بالغيب من خلال مؤثراتٍ معينة، كأن يؤمن بعضهم بالله، فإنهم يصنعون لأنفسهم أرباباً صغاراً، يمنحونهم صفة الوسائط بين الله وبين عباده، على أساس ما يتعارفون عليه بينهم من أن الشخص الكبير لا يمكن أن يصل الناس إليه بشكل مباشرٍ، لأنهم دون مستوى الحديث معه، والجلوس إليه، فلا بد من أن يكون هناك أشخاصٌ أقلّ درجة منه ممن يقتربون في درجتهم من الناس، ليتعبد الناس إليهم، ليقربوهم إلى الشخص الكبير، وبهذا يختلط الإيمان بالله، بالإيمان بالناس أو بغير الناس من الأصنام المزعومة، فتتحرك العبادة في مزيج من الإيمان والثنائية، ولكن بطريقةٍ مختلفةٍ. وهذه هي الصورة القرآنية للشرك الذي ينفذ إلى عمق التوحيد، فيذهب صفاؤه ونقاؤه.

{وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} من أشخاصٍ وأصنامٍ وموجوداتٍ كونية كالكواكب ونحوها، يقولون لمن ينازعهم في هذه العبادة التي تجعلهم يشركون بعبادة الله غيرها {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} والزلفى القربى. وبذلك كانت عبادتهم للواسطة التي تقرّب من الله، لأن الله لا يحيط به عقل الإنسان ولا يمكن للشخص أن يقترب إليه إلا من خلال غيره ممّن جعلهم وكلاء عنه ومدبّرين للعالم بالنيابة عنه ـ كما يزعمون ـ وبهذا ينفذ الشرك إلى حياة الناس ليكون لهم ربٌّ كبير وأرباب صغار.

* * *

علاقة الآية ببعض العادات الإسلامية في الزيارة والشفاعة

وقد أثار بعض العلماء الحديث حول علاقة الآية بما تعارف لدى المسلمين من زيارة قبور الأنبياء والأولياء، وممارسة بعض الطقوس التقليدية عندها كالوقوف أمامها على سبيل الاحترام، أو تقبيلها، أو النطق بكلمات الاستشفاع والتوسل بالنبي أو الولي.

ويثار الموضوع باعتبار أن هذه الممارسات تقترب من ممارسات المشركين أمام أصنامهم، وتنطلق من الروحية ذاتها، فهؤلاء وأولئك يعتقدون بألوهية الله الواحد، ولكنهم يعبدون الأصنام أو الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء ليقربوهم إلى الله زلفى، ما يجعل من المسلمين مشركين بالعمق، بما يعيشونه من عقلية المشركين، وما يمارسونه من طقوسهم.

وقد كانت هذه المسألة مثار جدلٍ كبير بين العلماء المسلمين، ومنطلق اتهاماتٍ حادّةٍ، وكلماتٍ لاذعةٍ. ولا تزال تتحرك المسألة في دوائر لا تقترب من الحوار الفكري الجادّ الذي يجلس فيه المتحاورون ـ وجهاً لوجه ـ في ساحات العلم، بل تبقى في دائرة الجمود الفكري الذي يعمل على تعقيد القضايا لأغراض أخرى.

وربما كان التحديد العلمي لكلمة العبادة، حلاًّ للمشكلة، فهل هي مطلق الخضوع لشيءٍ أو لشخصٍ، بقطع النظر عن الدوافع الكامنة في عمق الذات، أو عن النظرة التي ينظر فيها الإنسان إلى هذا الشيء أو الشخص، لتتسع الكلمة لكل مظهر تعظيمٍ أو احترامٍ أو خضوعٍ ذاتيّ؟

أو هي الخضوع الكليّ الذي يشمل الكيان، بكل مشاعره، بسبب اعتقاد بألوهية المعبود وربوبيته واستقلاله في فعله، كما يشير إليه ما ذكره أستاذنا المحقق الخوئي بقوله: «والعبادة إنما تتحقق بالخضوع لشيء على أنه ربّ يعبد..»؟[1].

وعلى ضوء هذا المعنى الثاني الذي يتبناه القائلون بشرعية الطقوس المتبعة في زيارة الأنبياء والأولياء، فإن المسألة تبتعد عن الشرك، لأن زوّار هذه القبور لا يعتقدون بألوهية الأنبياء والأولياء، بل يرونهم عباداً لله لا يملكون شيئاً إلا به، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، عندما يسمح لهم بالشفاعة. وقد يرون لهم بعض الصفات التي تؤهلهم ليكونوا جديرين بالاحترام والتعظيم ،ما يجعل لحضورهم في الفكر والشعور أساساً لحضور تاريخهم الممتد في رسالتهم وروحيتهم وأخلاقيتهم، وهو ما يُعمل على استعادته في حياتهم من موقع القدوة في حركة الرسول والرسالة والقيادات المنطلقة في خطها الحيّ المتحرك.

قد نحتاج إلى الحوار في هذا الموضوع، لنؤكد الفرق بين عبادة الشخصيات الدينية وبين احترامها وتقديرها، لنضع الحد الفاصل بينهما بوضوح، لئلا يختلط الأمر في حركة العقيدة في أفكارنا ومشاعرنا، كما اختلط في أذهان الكثيرين من العامة، وبعض الخاصة، ما جعلهم يمارسون هذه الطقوس بطريقةٍ تتجاوز الحد المعقول المتوازن، وبروحيةٍ قد تصل إلى بعض مشاعر الغلوّ البعيد عن الروح القرآنية.

وربما كان من الضروري أن نرجع إلى القرآن في أسلوبه الإجمالي والتفصيلي لجلاء الصورة الحقيقية للشخصيات الدينية، وفي طبيعة التعامل معها، بعيداً عن الأجواء الفلسفية المعقّدة الغريبة عن الأجواء القرآنية، لئلا تغرق العقيدة في تيارات التأويل البعيدة عن ظواهر القرآن وغير المنسجمة مع الذوق السليم.

وقد لا يكون من الضروري أن ندخل في إخضاع الكثير من الظواهر الشعبية في ممارسة الطقوس، للفلسفات التأويلية المعقّدة الخاضعة للإمكان والاستحالة والدخول في جدلٍ فلسفيٍّ حول شرعيتها، ما دامت لا تمثل الخط المتوازن في العقيدة، لذا يكتفى بالوقوف عند القاعدة العقيدية الثابتة في القرآن والسنة.

* * *

الله هو الحكم بينهم

{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} هناك احتمالاتٌ في مرجع الضميرين، فقيل: إن ضمير الجمع للمشركين وأوليائهم، وقيل: الضميران راجعان إلى المشركين وخصمائهم من أهل الإخلاص في الدين، وهو المفهوم من السياق. ولعل الثاني أقرب إلى الجوّ، لأن المعركة التي يهتم بها القرآن هي معركة التوحيد مع الشرك، وربما كانت هذه الفقرة إيحائيةً للضغط على تمرّدهم وعنادهم غير المبرر، في ما توحي به من التدخل الإلهي بكل عظمة الله وقدرته وعلمه وإحاطته بالأمور كلها، ليقف الجميع كلهم أمامه، ليصدر الحكم الفاصل الذي لا يملكون أمامه أيّ اعتراض، لأنه الحقيقة الحاسمة التي لو فكروا وتأملوا ورجعوا إلى عقولهم لأدركوها بكل عفويّةٍ وبساطة. ولكن مشكلتهم أنهم غارقون في الأوهام التقليدية التي ورثوها من عصور التخلف، في تاريخ الآباء والأجداد، فلا يتحررون من ضغط ذلك الجوّ ليحصلوا على قناعة الإيمان من أقرب طريق.

{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّار} لأنهم يعيشون في حالة رفضٍ للإيمان، فلا يستمعون لكلمات الفكر، ولا يتطلعون إلى آيات الله في الكون، ولا يدخلون في حوار، بل يغلقون أسماعهم وأبصارهم وعقولهم عن ذلك كله، محتفظين بكفرهم وشركهم، ولذلك فلا مجال لهدايتهم في ما يريد الله لهم من اختيار الهداية من موقع الإرادة، كما أن الله لا يخلق الهداية فيهم، كما يخلق فيهم الأجهزة التي تدخل في تكوينهم. وبذلك لم يكن نفي الهداية لهؤلاء من موقع النفي المطلق لها، لأن الله قد أعطى عباده كل وسائل الهداية التي يرفضها بعضهم، بل من موقع النفي الفعلي لها في دائرة اختيارهم، وفي دائرة إجبارهم عليها من خلال التكوين.

* * *

لا معنى للبنوة في ذات الله

{لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} ممّا ينسبه إليه هؤلاء المتخلفون الغارقون في أوهام التصورات السخيفة {لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي لاختار مما يخلق من خلقه من يشاء بالصورة التي تتناسب مع عظمته، كما تتناسب وصفات مبدعه الذي ينتسب إليه، ولم يترك الأمر لتصورات الناس وأوهامهم، ولكن هذا الأمر غير وارد في عمق العقيدة، لأن النبوّة لا معنى لها في ذات الله، فهي تعبّر عن الحاجة والتجسّد واشتراك الولد في بعض صفات الرب {سُبْحَانَهُ} فهو المتعالي في عظمته، والمنزّه عن هذه الأمور، فليس لأحدٍ أن ينسب إليه ذلك لأنه {هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} الذي لا يشاركه أحد في صفاته، فهو الواحد في ذاته، وصفاته التي تمثل الوحدة من الذات، هي عين ذاته، والذي يقهر بقوته كل شيءٍ، فلا حاجة به إلى أحد في دائرة الشريك أو في دائرة الولد. وهكذا يجري أسلوب الآية ليطرح المسألة بالأسلوب الجدليّ، الذي لا حقيقة له لامتناعه في طبيعته، لأن الألوهية المطلقة لا تتناسب مع هذه التصورات.

وقد يخطر بالبال أن يكون المعنى جارياً على نفي الولد بالتأكيد على أن كل شيء مخلوقٌ له ومنفعلٌ به، وليس ـ هو ـ منفعلاً بأيّ شيء في ما تقتضيه الولدية من انفعال الأب بالولد، من ناحيةٍ جسدية، أو من ناحيةٍ عاطفية، فهو منفصلٌ عن كل مخلوقاته، فإذا أراد اصطفاء أحدٍ وتكريمه وتقريبه إليه لحكمةٍ يراها في علمه، فإنه يصطفيه ممن يشاء من خلقه، فيمن يخلقه منهم، لا من خلال والديّته له بأيّ معنى كانت النسبة المذكورة.

ولعلّ الأساس في هذا الاحتمال في معنى الآية، هو أن هناك اختلافاً بين معنى الولد وبين معنى الاصطفاء من مخلوقاته، ما لا يجعل الجزاء متناسباً مع الشرط، لأنه لا يصلح أن يكون نتيجةً له ومسبباً عنه، فلا بد من أن يكون هناك نوعٌ من تصوير الامتناع في ذلك في سياق الكلمة والتركيز على جانب الاصطفاء كبديل له، وربما كان هذا الاحتمال هو الذي أراده صاحب تفسير الكشاف بقوله: «يعني لو أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح لكونه محالاً، ولم يتأتّ إلا أن يصطفي من خلقه بعضهم، ويختصهم ويقرّبهم كما يختص الرجل ولده ويقرّبه، وقد فعل ذلك بالملائكة فافتتنتم به وغرّكم اختصاصه إياهم، فزعمتم أنهم أولاده جهلاً منكم به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض. كأنه قال: لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه، وهم الملائكة، إلاّ أنكم لجهلكم به، حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولاداً، ثم تماديتم في جهلكم وسفهكم، فجعلتموهم بناتٍ، فكنتم كذا بين كفاراً مبالغين في الافتراء على الله وملائكته غالين في الكفر»[2] والله العالم.

* * *

خلق السماوات والأرض بالحق

{خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} فليس هناك أي عبثٍ في كل تفاصيل وجودهما، وليس هناك باطل في كل عمقهما التكويني، بل هو السر الذي يمثل المعنى الكامل في الخلق في ما يتضمنه من حكمة تجعل لكل منهما دوراً في حركة الكون وموقعاً في دائرة نظامه. ومن هنا، كان الباحثون الذين يرصدون ظواهرهما الكونية، يختزنون في أنفسهم بأن لكل ظاهرة قانوناً طبيعياً يسيرهما في كل شؤونهما، ما يجعلهم يبحثون عنه في خصوصيته، لا في أصل وجوده، من دون فارق بين الكافر والمؤمن، لأن ذلك ظاهر في الحركة الكونية التي تتمثل في وجودهما، من دون حاجةٍ الى استدلال عليه.

{يُكَوِّرُ اللّيلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللّيْلِ} أي يطرح هذا على هذا فيدخله فيه، فينقص منه، ويطرح ذاك على ذاك فيترك مثل هذا التأثير فيه.. وهكذا يتحركان باستمرار، فلا يلغي أحدهما الآخر، ليقوما بتنظيم الحياة في الآفاق التي يتحركان فيها في تحديد الزمن الذي يخضع له حركة الأشياء. وقد تحدث سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن» عن هذه الفقرة من الآية، فاستوحى من كلمة يكوّر التي توحي بمعنى الكرة، كروية الأرض باعتبار أن الليل والنهار تابعان لها فقال: «إن التعبير بـ"يكوّر" يقسرني قسراً على النظر في موضوع كروية الأرض».

إنها تدور حول نفسها في مواجهة الشمس، فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكوّر يغمره الضوء ويكون نهاراً، ولكن هذا الجزء لا يثبت، لأن الأرض تدور وكلما تحرّكت بدأ الليل يغمر سطح الأرض الذي كان عليه النهار، وهذا السطح مكوّر فالنهار عليه يكون مكوّراً، والليل يتبعه مكوّراً، وهكذا في حركةٍ دائبةٍ.

وهذا الاستيحاء طريف، ولكن لا ظهور للفظ فيه، لأن الظاهر أن مساقهما هو «مساق» {يُولِجُ اللّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللّيْلِ} [الحج:61] ذلك ولا تسمح نسبة التكوير إلى الليل والنهار، بإضافتها إلى الأرض.

{وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجلٍ مُّسَمًّى} في ما جعله الله لهما من قانون يحدّد حركتهما المادية والمعنوية، ودوائرهما التي يسبحان فيها في نطاق الحدود الزمنية التي تنتهي إليها الحركة، أو ينتهي إليها الوجود، ليكون وجودهما المتحرك مؤثراً في حركة النظام الكوني في الأرض، من جهة استمرار الحياة عليها، ومن جهة بعض المؤثرات الأخرى، التي لولاها لما كان هناك نظامٌ متوازنٌ يسمح للموجودات الحية أو النامية بالحياة، {أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ} الذي يحفظ الكون بقوّته التي تحتوي عزته ويرحم الإنسان الذي قد يخطىء في القيام بمسؤوليته، فيغفر له.

{خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} وهي ـ على ما يظهر ـ آدم أبو البشر الذي كان الأصل في بداية الوجود الإنساني، {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وهي حواء، حيث يتكامل الوجود عبر الامتداد في عملية التناسل التي أودع الله فيها قانون الامتداد الإنساني في الأرض بما يمثل الوحدة في التنوع.

{وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} وهي الإبل والبقر والضأن والمعز التي تنقسم إلى الذكر والأنثى فتكون ثمانية.

وقال صاحب الميزان: «وتسمية خلق للأنعام إنزالاً لها، باعتبار أنه تعالى يسمي ظهور الأشياء في الكون بعد ما لم يكن إنزالاً من خزائنه التي هي عنده ومن الغيب إلى الشهادة. قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر:21][3].

{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} في ما يتطور به النمو الإنساني من نطفةٍ إلى علقةٍ إلى مضغةٍ وهكذا، {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ} وهي ظلمة البطن والرحم والمشيمة، في ما قيل، وجاءت به الرواية عن الإمام الباقر(ع).

وهذه الظواهر الكونية، ممثلةٌ في خلق الكون، والإنسانية، ممثلةٌ في وجود الإنسان، تُشكِّل للمتأمل بما فيها من إبداع الخلق وحكمة التدبير، الدليل الفطري الذي ينطلق به الوجدان على وجود الله، لأن ذلك هو التفسير الوحيد لطبيعة الوجود وإبداعه.

{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} فانظروا إليه في رحاب خلقه في الكون، واقرأوه في كتاب الوجود. {لَهُ الْمُلْكُ} فهو الذي يملك الأمر كله من خلال أنه خلق الوجود كله. {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} لأن من عداه مخلوقٌ له محتاجٌ إليه، خاضعٌ في كل تفاصيل وجوده لتدبيره، فكيف يكون شريكاً له، وكيف يكون رباً للمخلوق الذي يمثله في خصائصه العامة في الوجود والحاجة. {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} وتنتقلون بعقولكم وأفكاركم من الحق إلى الباطل ومن عبادته إلى عبادة غيره من دون معنىً ولا أساس.

ـــــــــــــــ

(1) الخوئي، أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، دار الزهراء، بيروت ـ لبنان، ":6، 1412هـ ـ 1992م، ص:470.

(2) تفسير الكشاف، ج:3، ص:378.

(3) تفسير الميزان، ج:17، ص:239.