من الآية 7 الى الآية 8
الآيتان
{إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور* وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} (7ـ8).
* * *
معاني المفردات
{وِزْرَ}: الوزر: الذنب.
{خَوَّلَهُ}: أعطاه.
* * *
الله غني عن عباده
{إِن تَكْفُرُواْ} بعد ظهور كل الدلائل على مضمون الإيمان المنفتح على الله في وحدانية وجوده وتدبيره وقدرته المطلقة على الكون كله، {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ} فلن ينقص من ملكه شيءٌ بكفركم، لأن مسألة الكفر والإيمان تتصل بالحاجة الإنسانية إلى الارتباط بالله، والوعي لربوبيته في حركة الطاعة، تماماً كما هو الارتباط في طبيعة الوجود، ليتكامل للإنسان نظامه التشريعي في معنى المسؤولية في وحي الله، إلى جانب نظامه التكويني، في معنى حركته الوجودية في تدبير الله.
{وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} لأن الكفر يسيء إلى حياتهم حيث التصور الباطل لمضمون الكفر ينحرف بالإنسان عن خط التوازن ونهج الاستقامة في الحياة، ما يبعد به عن مصلحته الحقيقية التي ترتبط بالاقتراب من الله، والسير على خط هداه.
{وَإِن تَشْكُرُواْ} بما يمثله الشكر من الإيمان بالله والطاعة له، {يَرْضَهُ لَكُمْ} لأنه الرحيم الذي يريد لكم أن تشكروه ليكون ذلك أساساً لرضاه عنكم ورحمته بكم ولاستقامة أموركم في الدنيا والآخرة. وبذلك تكون مسألة الكفر والشكر مسألة الإنسان في حاجته إلى ذلك، وفي رضى الله عنه أو عدم رضاه.
* * *
المسؤولية عن الأعمال الفردية
{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فلا يحمل إنسانٌ عبء غيره في دائرة المسؤولية الجزائية عند الله، لأن المسؤولية في العقيدة الإسلامية فردية، فلا يتحمل الإنسان إلا عمله، ولا علاقة له بعمل غيره إلاَّ بقدر صلته به من ناحية التسبيب والتأثير، {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في ما أحصاه الله في علمه، ليواجهكم بالحقيقة الكاملة التي تواجهون بها نتائج المسؤولية{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} لأنه يعلم كل شيءٍ ويعلم من خفايا الإنسان ما لا يعلمه من نفسه.
* * *
الإيمان بين الانفعال والثبات
{وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} بفعل شعوره بالحاجة التي تحاصره من كل مكان، وعجزه عن حلّ مشاكله الخاصة أو العامة، فيرجع إلى الله مبتهلاً إليه في إخلاص عميق طارىءٍ يستغرق فيه، ليشهد الله على قلبه بإخلاصه له {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} لأن الإنسان الذي لا يعيش في داخله الإيمان العميق بالله، يرتبط باللحظة الحاضرة من موقع الانفعال الذي تثيره الأوضاع الطارئة، فإذا زالت قساوة الأوضاع وزال الانفعال المتوتر من داخله... وهذا هو الفرق بين المؤمن الواعي الذي ينطلق إيمانه من عمق الفكر والمعاناة، وبين المؤمن المنفعل الذي يخضع في حركة إيمانه للحاجة الطارئة، فيعيش الأول حضور الله في شخصيته باستمرار، بينما يعيش الآخر العقيدة بالله في حالةٍ انفعاليةٍ سريعةٍ تبدو ثم تزول. ولهذا فإنه يستغرق في أجواء الحس، ويستمد شعوره من الانفعال بالعظمة البارزة للآخرين من حوله، وللأسرار المزعومة الموهومة للأشياء المحيطة به، فتتضخم تصوراته وتنحرف ليتخذ من ذلك كله آلهةً من دون الله، وليتحرك من أجل أن يربط الناس بها، وهذا هو واقعه الضالّ، في ما استغرق فيه من شهوات الحس، {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} مستغلاً في ذلك بلاغة كلامه،وحلاوة منطقه، وقوّة موقعه، وكثرة أولاده وأتباعه للتأثير على الناس الذين ينفعلون بهذه الأمور، في غياب الوعي الفكريّ الناقد والشخصية المستقلة القويّة، فيستسلمون للضلال، ويبتعدون عن طريق الله.
{قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} قل له ـ يا محمد ـ وليقل له العاملون من بعدك، من الموقع الذي يفكر فيه في دائرة الكفر التي يتحرك ضمنها، وهو الاستمتاع بالحرية المنفلتة غير المسؤولة، حيث يمارس شهواته ولذّاته، ويسعى لتحقيق امتيازاته الطبقية وغير الطبقية من خلال الذين ينتفعون منه، أو ينتفع بهم، فهو إنسانٌ يطلب المتعة ولا يطلب الرسالة، ويفكر بالدنيا ولا يفكر بالآخرة، ويلتفت إلى الناس ولا يلتفت إلى الله.
قل له تمتع بكفرك الذي كنت تجد في نتائجه الدنيوية متعةً، لأنك ترتبط بالمتعة من الجانب المباشر، ولا تفكر بها من الجانب غير المباشر الذي يمثل عاقبة الأمور. فها هو الموقف الذي تقفه الآن، فانظر كيف تتمتع بكفرك في النتيجة المضادّة لما تفكر به. فها هي النار التي تنتمي إليها الآن من خلال انتمائك للكفر في الدنيا.
تفسير القرآن