من الآية 11 الى الآية 20
الآيــات
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ* وَأُمِرْتُ لأِنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ* قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي* فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ* لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يا عِبَادِ فَاتَّقُونِ* وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألْبَابِ* أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّار* لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} (11ـ20).
* * *
معاني المفردات
{ظُلَلٌ}: جمع ظلة، أي ما يستظل به من حر أو برد.
{الطَّاغُوتَ}: مصدر بمعنى الطغيان.
* * *
الله يريد لرسوله أن يعبّر عن الموقف الحاسم
كيف يريد الله لرسوله أن يعبِّر عن موقفه الحاسم في التزامه بخط الدعوة في عبادة الله بإخلاص، وفي إسلامه أمره له، وفي خوفه من عذابه، أمام هؤلاء المشركين الذين يعبدون الأوثان من دون وعيٍ للمعاني الكامنة في ذلك، من انسحاق إنسانيتهم تحت تأثير عوالم التخلف، وسقوط مواقفهم في دائرة الجهل وأجواء الاستكبار الذاتي في نفوسهم، ما يمنعهم من رؤية الحقيقة أو الالتزام بها؟!
كان الموقف بحاجةٍ إلى صدمةٍ إعلانيّةٍ قويّةٍ، يقف فيها النبي ليعلن موقفه الذاتي في عملية الاختيار، ليصدم بذلك تردّد المتردّدين وعناد المعاندين، عندما يخرج الموقف عن أجواء الجدال، حيث يأخذ الجميع حريتهم في اللعب على الألفاظ والقفز على المواقف، ونحو ذلك ممّا يبتعد فيه الحديث عن الجدّية الملتزمة ليتحول إلى موقفٍ للاختيار الحاسم، كأسلوبٍ من أساليب التأثير النفسي القويّ من جهة، ليوحي إليهم بأنه لن يتخذ غير هذا الموقف، لأن هناك قوّةً ربّانيةً عظيمةً تفرضه عليه، ولأن هناك قوّة فكريّةً عميقةً في داخله توحي له بذلك، فلا مجال لأن يفكروا بأن هناك اهتزازاً في قرار الموقف لديه ليجرّبوا كيف يضغطون على نفسيته، وكيف يقدمون إليه الطروحات القائمة على التسوية المعتمدة على أنصاف الحلول ليكون المطلوب منه أن يأخذ من الكفر شيئاً، ومن الإيمان شيئاً آخر، ليختاروا ـ هم ـ بعد ذلك ما يأخذون به من الموقف.
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ} فقد أراد الله لي أن ألتزم الإخلاص بعبادته، لأكون النبيّ الذي يلتزم الخط الذي يدعو له، كمسؤوليةٍ دينيّةٍ ذاتيةٍ، تماماً كما أريد لكم أن تلتزموه من موقع هذه المسؤولية الموجّهة إليكم، فليس الموقف موقف الدعوة التي لا يلتزمها صاحبها، إنّما يوجهها إلى الآخرين بعيداً عن التزامه الذاتي، بل هو موقف الرسالة التي تفرض مفاهيمها وخططها ومسؤوليتها على حاملها، قبل أن يفرضها على الآخرين.
{وَأُمِرْتُ لاَِنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} لأعلن الإسلام كعنوانٍ لكل مواقفي في الحياة، وكواجهة لشخصيتي الملتزمة، لأكون الشخص الأوّل الذي يكون قدوةً للناس، في ما يدعوهم إليه.
{قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} لأنَّ الله لا يفرّق في عقابه للذين يتمردون على أوامره ونواهيه، بين شخص وآخر، فكما يعذب الناس العاديين على معصيته، فإنه يعذب الرسل، لو حدث منهم ما يشابه ذلك، لأن الله لا يرتبط بأحدٍ من خلقه بأية علاقةٍ خاصة إلا من خلال العمل.
{قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي} فهذا هو الموقف الذي ألتزمه انطلاقاً من الأمر الإلهيّ الصادر إليَّ، ومن قناعتي الفكرية والروحية بذلك، وضرورة أن تترجم هذه القناعة في الممارسة العملية. {فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} فلن يغيّر ذلك من موقفي شيئاً، لأن القناعات الحقيقية لا تتأثر بالمواقف الأخرى للذين يلتزمون الموقف الخاطىء {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} في ما ينفصلون به عن خط الإيمان بالله والالتزام بأوامره ونواهيه، فإن ذلك هو الموقف الذي يحدد موقع الخسارة أو الربح عند الله، في الاتجاه السلبي أو الإيجابيّ. {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} لأنها الخسارة التي لا تعوّض، باعتبار أن لا عمل بعدها، بل الحساب الذي يحدّد للإنسان مصيره.
{لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} فهي تحيط بهم من جميع الجهات، فتطبق عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فلا مجال عندهم للخلاص منها بأيّةِ وسيلةٍ من الوسائل. {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} الذين يخافون عذابه، وينفعلون بتخويفه ليتّقوه في أقوالهم وأفعالهم. {يا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} لتكفلوا لأنفسكم ولأهليكم الذين تقودونهم إلى التقوى، النجاة من العذاب، والحصول على رضا الله ـ سبحانه.
{وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ} في ما تمثله هذه الكلمة من الأوثان والأشخاص والقوى الطاغية التي تطرح نفسها، أو يطرحها الناس للطاعة والعبادة من دون الله بكل مستلزماتها الروحية والعملية، {أَن يَعْبُدُوهَا} فرفضوا عبادتها من موقع وعيهم للباطل المتمثل فيها من الناحية الرمزيّة والواقعية، ومعرفتهم بأن الله وحده هو الذي يستحق العبادة والطاعة في كل شيء، لأنه المالك المهيمن على كل أمر، وبذلك حددوا موقفهم تحديداً دقيقاً. {وَأَنَابُواْ إِلَى اللَّهِ} والتزموا نهجه وشريعته، وأقبلوا عليه في وحدةٍ متكاملةٍ تتضمن الرفض للطاغوت والالتزام بالله، لأن ذلك هو الذي يحقق خط التوازن في العقيدة والالتزام، فلا يكفي الإنسان أن يرفض الطاغوت بل لا بد له من أن يحدّد الجهة التي يلتزمها في موقع الإيمان والطاعة، لأن الله لا يكتفي بالموقف السلبي للإنسان، بل يجب أن يلتقي بالجانب الإيجابي الذي يمثل حركته في الحياة. وهذا هو ما استطاع هؤلاء المؤمنون أن يؤكدوه عندما رفضوا عبادة الطاغوت والتزموا عبادة الله، فجعل {لَهُمُ الْبُشْرَى} عند الله، في ما يبشر الله به عباده من رحمته ورضوانه ونعيمه في جنته، لأنهم انفتحوا على الحق من موقع التأمّل الواعي والتفكير العميق والاختيار الحرّ، فاستحقوا الكرامة عند الله.
* * *
بشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
{فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} في عملية اختيار للسماع من أجل أن يجعلوه وسيلةً للمعرفة والهداية، انطلاقاً من شعورهم بالمسؤولية في مسألة الوصول إلى الحق والالتزام به، ولذلك فإنهم يدخلون في التمييز بين القول الطيب والقول الخبيث، والكلام الحسن والكلام السيىء، فيختارون الطيب والحسن، فإذا وقفوا بين الحسن والأحسن اختاروا الأحسن من أجل العمل باتجاهه، {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.
وفي ضوء ذلك، كانت خطواتهم مدروسةً بدقّةٍ وتأمّلٍ ومعاناةٍ، فلا يتبعون الهوى، ولا يخضعون للانفعال، وتلك هي صفة المسلمين الملتزمين في انفتاحهم على الخط الذي يسيرون عليه، فهم يعيشون قلق المعرفة، ويتحركون وراء كل كلمة حقٍّ وخيرٍ ورشادٍ، ليستمعوا إليها بقلوبهم وعقولهم وآذانهم، ويناقشوها بكل مفرداتها الإجمالية والتفصيلية، ويلاحقوا كل احتمالاتها ليصلوا إلى القناعة من موقع وضوح الرؤية، لتتحول القناعة اليقينية إلى ممارسةٍ عمليةٍ. وقد أطلق الله القول فلم يحدد له وجهاً معيناً، ليوحي بأن هؤلاء الناس لا يتعقدون من سماع أيّ قولٍ لأيّ قائل، ما دامت المسألة لديهم أن يفكروا بما يسمعونه، وأن لا يتبعوا إلا ما يقتنعون به من موقع المعاناة الفكرية، {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ} بفعل ما ألهمهم من طلب الحق والسعي إلى معرفته والالتزام به.
{وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألبابِ} أي ذوو العقول، لأن طبيعة هذا النهج الذي يجعلونه أساساً لحياتهم في الأخذ بأسباب الفكر المتحرك الباحث وراء كل احتمالٍ من أجل الحقيقة، هو الذي يفرضه العقل، ويوجه صاحبه إلى المنطق السليم، والموقف المتّزن. {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ} بكفره وعناده وضلاله، خيرٌ، أم الذي استحق الجنة بإيمانه {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ} ممن لا مجال لحصوله على مغفرة الله لأنه لا يتعلق من الله بشيء.
{لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهارُ} جزاءً على ما عانوه من آلام الطاعة والجهاد من خلال الأوضاع التي يعيشها المؤمنون في ساحة الصراع بين الحق والباطل في داخل أنفسهم وخارجها. {وَعْدَ اللَّهِ} الذي وعد به عباده المتقين {لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} فهو أصدق من وعد في الدنيا والآخرة.
تفسير القرآن