تفسير القرآن
الزمر / من الآية 21 إلى الآية 28

 من الآية 21 الى الآية 28
 

الآيــات

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأوْلِي الألبابِ* أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِين* اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ* أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ* كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ* فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخرةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ* وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}(21-28).

* * *

معاني المفردات

{يَهِيجُ}: يجف ويبلغ نهايته في اليبوسة.

{حُطَاماً}: ما تكسّر من الشيء اليبس.

{أَحْسَنَ الْحَدِيثِ}: القرآن.

{مُّتَشَابِهاً}: على نسق واحد أسلوباً ومعنى.

{مَّثَانِيَ}: جمع مثنى، ويأتي البيان في تفسير الآيات.

* * *

آيات للتفكر في الله

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ} بما أودعه من الخزانات الجوفيّة التي تتجمع فيها، وفق القوانين التي أودعها الله في الكون، لتتم عملية توزيع المياه وتفجير الينابيع، فتنبثق الحياة الخضراء النامية من التراب الميّت الذي يتحول ـ بقدرة الله ـ إلى بذورٍ حيّةٍ تختزن في داخلها سرّ النموّ وحركة الحياة، فتتفاعل في خصائص الأرض والماء والهواء، {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} رغم وحدة الماء والتراب والهواء، فكيف اختلفت الألوان، وكيف تنوعت الأشكال، وكيف تباينت الخصائص... وتبدأ عملية النمو في التكامل، {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} عندما يجف النبات ويبلغ نهايته في اليبوسة، {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} فيتحول إلى فتاتٍ يتطاير في الهواء، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأوْلِى الألبابِ} الذين لا يمرّون مروراً عابراً على هذه الظاهرة الكونية المتحركة المتعدّدة التي تجمع الماء في أعماق الأرض، ثم تبدع الحياة النامية في التراب حتى يتحول إلى نباتٍ يزدهر ويخضرّ ويؤتي أُكُلُه في فترة محدودة، ثم يموت ليعود إلى تراب، بل يفكرون في مبدع ذلك، ليعرفوا أنه الله الواحد الخالق الحكيم القادر المدبر، فعقولهم ترفض احتمال الصدفة، أو عدم وجود خالق لهذا الإبداع العظيم الرائع.

{أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} فلا يعيش ضيق الصدر وتعقيد الفكر عندما تطرح عليه مفاهيم الإسلام في العقيدة والمنهج والشريعة والحياة، بل ينظر إليها نظرةً واعيةً ذات أفقٍ رحب، مفكراً فيها بعقله، ومنفتحاً عليها في عمق شعوره، حتى يراها بوضوحٍ وعمقٍ وصفاءٍ، فيقتنع بها إيماناً بالحق الكامن فيها، وبالنور المنطلق منها الذي يشرق من فيض الله عليه من نوره الذي أشرقت به القلوب وانفتحت به العقول... وليس معنى ذلك أن الإنسان المؤمن الذي يعيش انشراح الصدر للإسلام من نور الله، لا يملك اختياراً في إيمانه ونظرته إلى العقيدة، بل معناه أنه يعيش حالة الهدى الذي فتح الله أبوابه للناس كافَّةً ليأخذوا به في مواطن وعيهم، ومواقع المعرفة في حياتهم، فيأخذ به في حركة العقل في ذاته، ونهج المعرفة في حياته، بينما يمتنع الآخرون عن الانفتاح عليه من حالة التمرد والعناد.

وينطلق التساؤل هنا في هؤلاء المنفتحين بقلوبهم على الله، ليثير النموذج الثاني، وهم القاسية قلوبهم التي تنغلق على الضلال ولا تنفتح على الهدى، لأنها تعيش قساوة الشعور وظلام الفكر الذي لا يقرّبها من الحقيقة، ولا يوحي إليها بالإيمان، فتكفر من موقع العقدة، وتضيع في متاهات الظلام. ولعل التعبير الآتي بالقاسية قلوبهم، يوحي بأن مسألة الإيمان تحتاج إلى الجانب الشعوري في رقة القلب بالإضافة إلى إشراقة العقل، وهكذا يريد الله الإيحاء بأن هذين النموذجين لا يستويان.

{فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ} فلا يتذكرونه في حياتهم الروحية والعقلية والعملية، ليعيشوا خشوع الإيمان، وابتهال العبادة، وروحانية الروح، بل يستمرون في ظلمات الغفلة، ويتخبطون في أوحال الكفر والضلال، {أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِين} فلا يقفون عند علامات الطريق إلى الله، ولا يهتدون إلى النور المشرق بالحق من رحمة الله ورضوانه.

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} يشبه بعض أجزائه بعضاً في أسلوبه ووضوح الحق في معانيه وبلاغة التعبير في آياته، فلا تتنافر أفكاره، ولا تختلف آفاقه، فهو على نسق واحد.

{مَّثَانِيَ} جمع مثنى أو مثنية، قيل: إنه بمعنى المعطوف لانعطاف بعضه على بعض ورجوعه إليها بتبين بعضها ببعض وتفسير بعضها ببعض، وقيل: إنه عبارة عن المعاني الثنائية، كالأمر والنهي والوعد والوعيد، فلا تقف مفاهيمه ولا تتجمد في جانب واحد، بل تتحرك في الأمثال والأضداد لتحتوي كل مواقع القضايا العامة في الكون والإنسان والحياة، لتأمر بما يحقق المصلحة، وتنهى عما يشتمل على مفسدة، وقيل: إن المراد بالمثاني هنا: إيراد المعنى بأكثر من أسلوب. {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} فيعيشون الخوف من العذاب حين يعيشون آيات القرآن التي تتحدث عن عظمة الله، فيستشعرون الرهبة منه في حالة عصيانه أو التمرد عليه، ويتفاعل هذا الخوف في الحسّ فيشبه القشعريرة التي تصيب الجلد، في ما توحي به من الحالة النفسية القلقة أمام تهاويل عذاب الله، ورهبة الوقوف بين يديه. وتتحول المسألة بعد ذلك إلى فكرٍ يتأمّل، وروحٍ تنفتح وتنطلق وتطوف في رحاب الحق، لأن الخوف يثير الشعور بالمسؤولية الذي يخرج الإنسان به عن أجواء اللامبالاة الفكرية. وبذلك يحصل على طمأننية الفكر، وهدوء الروح الذي جرى التعبير عنه بالطريقة الحسية.

{ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} عندما يتمثلون عظمة ربوبيته في معنى الإيمان وامتداد قدرته في رحاب الوجود وانفتاح رحمته في ساحات نعمه، فتخشع نفوسهم، وتطمئن قلوبهم بذكره، وتلين أجسادهم لعبادته، {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ} بفعل ما يفيض به على عباده من الفكر الباحث عن الحق، ومن الشعور المنفتح على الله، وما يهيّئه له من أسباب الهدى، ويضلّ بها من تركها وأهملها ونظر إليها نظرة اللامسؤولية واللاّمبالاة، عندما تتحول المسألة عنده إلى ما يشبه العبث واللهو واللعب، بعيداً عن كل معاني الجدّية في الحياة. {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} وذلك من خلال ما أوجده من أسباب الضلال التي تلتقي بالمفردات المتناثرة في حركة الواقع وما تحتوي من الشبهات والأضاليل، وبإرادة الإنسان التي لا تواجه ذلك كله بما وهبه الله من طاقة الفكر والتأمّل. وهذا جارٍ على أسلوب القرآن الذي يربط الأمور كلها بالله، من خلال خلق الأسباب، مع كون الإنسان جزءاً من هذه الأسباب في إرادته الحرة. ولعل ذكر الكتاب المنزل أمام مسألة الهداية، يوحي بأنها تنطلق من العناصر الاختيارية التي تثير في داخل الإنسان المعاني الروحية التي تفتح عقله وقلبه على الهداية، لأن علاقة الكتاب بها تتصل بالفكر الذي يهدي إلى الحق، والشعور الذي يتفاعل به.

{أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وهو كنايةٌ عن توجّه العذاب إليه بحيث لا مجال لاتّقائه ودفعه عن نفسه بأيّة وسيلةٍ إلا بوجهه الذي يمثّل العضو الذي يندفع الإنسان لحمايته بالدرجة الأولى، ما يعني أنه لا يستطيع حماية نفسه منه... والمقصود إثارة هذا النموذج في مقابل النموذج الآخر الذي يوحي به المعنى، وهو الآمن الذي استطاع بتقواه أن يدفع عن نفسه العذاب بعمله المتحرك في خط إيمانه، ليعيش الإنسان ـ دائماً ـ في هاجس المقارنة بين مستقبل هؤلاء وهؤلاء، كعنصر أساسٍ من عناصر التصور الواعي للمستقبل الذي يحدد للإنسان موقفه في الحاضر.

{وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} فقد كان كل كسبهم في الدنيا الكفر الذي اكتسبوه بعنادهم وتمردهم من دون حجّةٍ ولا برهان، والعصيان الذي انحرفوا فيه عن خط الاستقامة الذي يربطهم بأمر الله ونهيه، ولم يكن هناك أيّ أساسٍ معقولٍ لذلك سوى الاستكبار الذي عاشوا في داخله شعور العظمة الكاذبة الموهومة، في ما يختزنونه في داخل نفوسهم من تصوّراتٍ غير واقعية.

{كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} فلم يكونوا أوّل المكذبين، بل هم جزءٌ من ظاهرةٍ تاريخيّةٍ {فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} فالله أنزل عليهم العذاب في الدنيا {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ في الْحَياةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخرةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} وهكذا كانوا يتحركون في دائرة العار الذي يلف وجودهم الكافر ليصلوا إلى العار الأكبر في نار جهنم.

{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} وبكل أسلوبٍ يفتح العقول على مختلف جوانب العقيدة والشريعة في حركة الإنسان في الحياة، ليهتدوا بهداه من موقع القراءة الواعية والتفكير العميق الذي ينقذهم من الغفلة التي تحيط بعقولهم وتستولي على مشاعرهم، {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} بما يشتمل عليه هذا القرآن من مواقع التذكر التي تلامس الإحساس والشعور.

* * *

كيف نفهم عروبة القرآن وعروبة النبي(ص)؟

{قُرْآناً عَرَبِيّاً} في لغته وأسلوبه، ليفهمه العرب الذين كانوا قاعدة الدعوة وحملة رسالتها، ويسيروا تحت قيادة النبي العربي الذي جاء ليكون رحمةً للعالمين بإنسانيته المنفتحة على الناس كافة، وبرسالته الممتدة في الحياة كلها، وبذلك كانت عروبة القرآن وعروبة النبي وقومه منطلقاً لحركة الدعوة، لا دائرةً تتجمد فيها، ليكون الإسلام ديناً قومياً، أو ليكون النبي رسولاً قوميّاً، لأنه لا معنى للرسالة أن تنحصر في جماعةٍ معينة، فالقيم الروحية والمادية التي تحكم الحياة لا تختص بقومٍ دون قوم، بل تشمل الناس كلهم.

وإذا كان الإسلام وحي الله، فإنه لا يتأثر في مضمونه بالدائرة القومية التي نزل فيها وانطلق منها، بل إنه جاء من أجل أن يغيّر الكثير من المفاهيم في مجتمعه، مما لا ينسجم مع خط العقيدة والشريعة، ويُبقي ما هو منسجمٌ معها من موقع الإسلام، لا من موقع القومية... وقد تؤدي بعض المؤثرات الذاتية أو القومية إلى تنوّعِ في حركة الأساليب التي يتحرك فيها الأشخاص، أو الاجتهادات التي تمثل طريقتهم في فهم الكتاب والسنة، ولكن الإسلام يبقى في حقيقته الأصيلة ميزاناً يكشف خطأ الأساليب والأفهام وصوابها؛ {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} فهو مستقيمٌ في لغته وأسلوبه ومعناه، وفي انفتاحه على حاجات الإنسان وفي الدعوة إلى أن يكون مستقيماً في تصوراته وحركته ومنهجه، ليقرب من الله في عقله وروحه وحياته، {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} عندما ينضبطون من خلال مراقبة الله في أعمالهم وأقوالهم خوفاً من عقابه ورغبةً في ثوابه.

* * *

ترجمة القرآن

وربما يثار في أجواء الحديث عن الصفة العربية للقرآن، سؤالٌ شرعيٌّ عن جواز ترجمة القرآن إلى لغاتٍ أخرى غير العربية.

والجواب أن هذا جائز بلا ريب، بل ربما كان ضرورياً ليفهمه الناس الذين لا يفهمون اللغة العربية أو الذين لا يستطيعون تعلّمها، ليطّلعوا على الإسلام من خلال ذلك. ولكن لا بد من أن تكون الترجمة دقيقةً في المعنى والمبنى والجوّ الذي تعيشه اللغة في طريقتها الفنية في التعبير عن الفكرة القرآنية، تماماً كما هو التفسير للقرآن، بل إن الترجمة قد تكون نوعاً من أنواع التفسير، لأنه يعتمد على فهم المعاني القرآنية التي ينقلها المترجم إلى لغةٍ أخرى، ولهذا فإن الترجمة لن تكون قرآناً، في ما هي الأحكام الخاصة للقرآن، بل هي كتاب تفسير.