من الآية 32 الى الآية 37
الآيــات
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ* وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ* لَهُم مَّا يَشاؤونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِين* لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ* أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ* وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ} (32ـ37).
* * *
معاني المفردات
{مَثْوًى}: المكان الذي يثوي فيه الإنسان إذا أقام فيه.
* * *
من صفات المتقين: الصدق
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى اللَّهِ} الذي خلقه وأنعم عليه وسخر له كل شيء يحتاجه من أمور حياته ما يفرض عليه أن يشكره بالإيمان به وبالطاعة له، ولكنه سار في اتجاهٍ آخر، فقد افترى على الله كذباً، فجعل له شركاء، وتحدث عنه بما لم يقله، {وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ} الذي أنزله الله على رسوله، في ما ينبغي للناس أن يفعلوه أو يتركوه، أو ينتهجوه في طريقة حياتهم وإقامة علاقاتهم، فلم يفتحوا عقولهم عليه ليفكروا به، ولم يصغوا إليه بأسماعهم ليستمعوا إليه، بل رفضوه من دون وعيٍ ولا مناقشة، لأنهم كانوا خاضعين لكبرياء الباطل المسيطر على عقولهم، {إِذْ جَآءهُ} في كلام الرسول... فهل هناك ظلمٌ أشدّ من هذا الظلم الذي يظلم به الإنسان نفسه وربه، كما يظلم الحقيقة والحياة من حوله، فإن خطورة الكذب، في موقعها من معنى الظلم، تأخذ حجمها بمقدار عظمة المكذوب عليه، وقيمة الحق الذي ينكره، ونوعية الأثر السلبي الذي يتركه على الحياة كلها من حوله، ومن حول الناس. وهل هناك خطورة أكبر من أن يشارك الإنسان في إسقاط الإيمان من حسابات العقل والحياة؟ وهذا هو الذي يحدد مقدار العقوبة وطبيعتها عند الله الذي جعل النار هي الدار التي يسكنها الذين يكفرون من دون حجّةٍ ولا برهان.
{أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} الذين لم يكن الكفر لديهم حالة فكرٍ يقنع، بل حالة عنادٍ يتمرّد؟
{وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ} في الرسالة التي حملها ليبلغها للناس كلهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، {وَصَدَّقَ بِهِ} عن قناعةٍ فكريّةٍ وصفاءٍ روحيٍّ، ووعيٍ شعوريٍّ، وانفتاح على الحق كله، من موقع المسؤولية العميقة أمام الله... وإذا كان هذا الكلام يخص رسول الله، باعتباره الإنسان الذي جاء بالصدق وصدّق به، فإنه يوحي بأنه يخص كل الذين يحملون الصدق ويصدّقون به، سواءً كانوا من الأنبياء أو من أتباع الرسالة... وربما كان المراد بالذي جاء بالصدق، رسول الله، وبالذي صدّق به، المؤمنون به... {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} الذين عاشوا روح التقوى الفكرية والروحية والشعورية والعملية، وذلك من خلال عيشهم رقابة الله عليهم في حسّ المسؤولية.
* * *
جزاء المتّقي الصادق
{لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} فلهم الحرية التي يشتهون ويطلبون، لأن الله يكرم عباده الذين اتقوه وأحسنوا للحياة ولأنفسهم في خط رضاه... فيعطيهم كل شيء في نعمه، كما أعطوه كل شيء في جهدهم. {ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ} الذين حملوا الإحسان رسالةً فكان عنواناً لحياتهم، وحركةً في عقولهم ومشاعرهم وإخلاصهم لله {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذي عَمِلُواْ} في كل تاريخهم الذي قد حمل بعض الأعمال السيّئة والخطوط المنحرفة التي لا تلتقي بالاستقامة في العقيدة، بعد أن تراجعوا عنها، وابتعدوا عن أجوائها، وأنابوا إلى الله، وأصلحوا أعمالهم، {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فكما كانت أعمالهم في المستوى الأرفع، فإن درجتهم في أجرهم ستكون بالمستوى الأعلى.
* * *
الله يكفي عباده الهادين
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} من كل ما يهمّه ويحزنه ويخيفه من خلال لطفه به ومحبته له ورحمته له، وكيف لا يكفي الله رسوله من ذلك في مواقع الضعف التي تريد أن تهزم موقفه القوي في سبيل الله؟! {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ} من أصنامهم التي اعتبروها آلهةً من دون الله، أو من مراكز القوى التي كانت تملك المال والقوّة والسلطان.
{وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} لأن مسألة الضلال الخاضعة لكل الأسباب الحتمية، التي ترتبط بها ارتباط العلة بالمعلول، لا يمكن أن تنفصل عن ذاتها تحت تأثير أيّ شخص آخر، ما دام قانون السببية الذي أودعه الله في عمق الأشياء، يفرض نفسه على الكون في ما يعبّر عنه من إرادة الله... وتلك هي القاعدة في مسألة الضلال التي تجتذب القاعدة الأخرى في مسألة الهدى.
{وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} لأن الذين يأخذون بأسباب الهدى، في الموقف والإرادة والمضمون، لا يمكن أن يخضعوا لتأثير كل عوامل الضلال التي لا تملك الحتمية في هذا الإطار.
وهكذا تؤكد هاتان القاعدتان اللتان تمثلان الحقيقتين الثابتتين على الصعيد الإنساني في حالتي الانحراف والاستقامة، أن الله إذا أراد أيّ شيء في ما يتعلق بالإنسان، بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، فلا رادّ لإرادته، من أيّة قوّة أخرى، مهما كانت عظمتها، لأن كل قوّةٍ هي مستمدةٌ منه وخاضعةٌ له.
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ} لا يغلب في عزته وفي إرادته {ذِي انتِقَامٍ} من المتمردين عليه، الكافرين به، المنحرفين عن خطه المستقيم؟
تفسير القرآن