من الآية 41 الى الآية 45
الآيــات
{إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنّاسِ بِالْحَق فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ* اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخرى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ* أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ* قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخرةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (41ـ45).
* * *
معاني المفردات
{اشْمَأَزَّتْ}: انقبضت ونفرت.
* * *
قل لله الشفاعة جميعاً
{إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ} الذين يحتاجون إلى وحي الله ليهتدوا به في تنظيم أمورهم، ورعاية أوضاعهم، لئلا يختلفوا في ذلك يميناً وشمالاً تبعاً لاختلاف أهوائهم ومصالحهم الخاصة، حيث ينفذ الباطل إلى تفكيرهم وتشيع الفوضى والفساد في حياتهم، فكان لا بدَّ لهم من قاعدةٍ ينطلقون منها ويقفون عليها {بِالْحَق} الذي يضمن لهم التوازن في قضاياهم، والسعادة في مصيرهم، فيختارون طريقهم في هذا الاتجاه أو ذاك من موقع الوعي الذي يفتح عيونهم على جانب الحق المراد لهم أن يختاروه في مقابل الباطل المراد لهم أن يرفضوه، لتبقى حرية الاختيار لهم في ما يصلح أمورهم أو يفسدها، ليتحملوا مسؤولية ذلك كله عند الحساب بالنجاة أو الهلاك.
{فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ} لأنه سيبلغ بالسير في طريق الهدى إلى الغاية السعيدة في الدنيا والآخرة، {وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} فلن يسيء إلا إلى نفسه عندما يورّطها في السير في خط الضلال الذي يؤدّي بها إلى الغاية الشقيّةِ في الدنيا والآخرة. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} فلا سلطة لك على عقولهم وقلوبهم، لأنك لا تملك إلاَّ الكلمات التي تقرّبهم إلى الحق، والأساليب التي تفتح عقولهم عليه، ليفكروا بها ويتأملوا فيها... وهذا هو كل شيءٍ في مسألة الدعوة في حركة الرسالة.
{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا} بأن يبلغها الأجل الذي أجّله لها، فإن التوفي يعني أخذ الشيء كاملاً أخذاً تامّاً، وقيل إن المراد بالنفس الروح التي تنفصل عن البدن انفصالاً تاماً عند الموت، فإن الله يتوفاها فيبلغها أجلها في داخل البدن فتبتعد عنه ليتحول إلى شيءٍ جامدٍ لا حركة فيه ولا حياة... وربما كان المراد بالنفس الذات الكاملة التي يتوفَّاها الله، فينتهي بها إلى الوقت الذي وقّته لها في حركة الحياة عندما يحين موعد الموت، فينتهي بذلك التزاوج بين الروح والبدن في هذا الموعد.
{وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} فيتوفاها، بنحو مؤقّتٍ في حالة النوم، فتتجمد الحياة بطريقةٍ يفقد معها الإنسان الشعور مع بقاء التنفس، وبهذا يكون النوم حالة وفاةٍ كما هو الموت كذلك، {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} فينقلها من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، {وَيُرْسِلُ الأخرى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} لتأخذ بقيّة دورها في الحياة إلى أن يحين موعدها الأخير في هذه الحياة الدنيا، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} يرصدون سنَّة الله في الكون والإنسان فيتأملون فيها ليصلوا إلى النتائج الفكرية التي تصلهم بالحق في العقيدة بالله، وتوحي لهم بأن الله وحده هو الذي يملك أمر الإنسان، بما فيه حياته وموته.
{أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ} يتوسلون إليهم في قضاء حاجاتهم وحلّ مشاكلهم، ونجاتهم من الهلاك... {قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً} لأنهم في موقع الحاجة إلى الله في كل شيء، فلا يملكون إلاَّ ما ملّكهم، {وَلاَ يَعْقِلُونَ} لأن تلك الأصنام لا تسمع ولا تعقل، فكيف يمكن أن تستمع إليهم في ما يتحدثون به إليها، أو يبتهلون فيه في أجواء عبادتهم لها. {قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} فهو يملك الأمر كله في الكون وفي الإنسان، في الدنيا والآخرة، {لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} يتصرف بها كيف يشاء، وذلك هو مظهر قدرته التي لا يدانيها أحد، {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وتقفون أمامه لتقدموا حساب أعمالكم إليه، وتواجهوا مصيركم من خلال حكمه العادل، ما يفرض عليكم أن تفكروا في مسألة الإيمان به، والارتباط به في خط الطاعة بطريقةٍ أكثر جدّيّةً، وأن تقبلوا عليه بعقولكم ومشاعركم من موقع المحبّة والإخلاص.
ولكن المشكلة عندهم هي أنهم في غفلةٍ عن الآخرة، من خلال الأضاليل التي نفذت إلى عقولهم، فأخلدوا إلى الأرض، وارتبطوا بالمادّة، واستغرقوا في الحسِّ، فابتعدوا ـ بذلك ـ عن التفكير بالله في نطاق التفكير بقضية المصير، واندفعوا في حالةٍ من التخلف إلى آلهة الأرض، وأصنام الكفر، فآمنوا بها وأحبّوها، والتزموا بها التزام الإيمان المنحرف، والشعور المتخلّف {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخرةِ} لأنهم لم يألفوا العظمة التي يمثلها اسمه، والرحمة التي تفيض من لطفه، والتوحيد الذي يتمثل في وعي معنى ذاته. وهكذا كانت قلوبهم مشغولةً عنه بغيره، حتى تحوّل ذلك إلى عقدةٍ متأصّلةٍ في شخصياتهم، فأصبح ذكره ـ بوحدانيته ـ مثيراً للنفور والاشمئزاز وللمشاعر السلبيّة.
{وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} لأنهم عاشوا معهم في إحساسهم الذاتي، وفي عاداتهم وتقاليدهم المتصلة بهؤلاء، مما ورثوه من التاريخ المظلم في حياة الآباء والأجداد، فأوجد ذلك نوعاً من الإلفة والعاطفة والشعور الإيجابي تجاههم. وبذلك تتحول الحالة الفكرية المضادّة أو الملائمة، إلى حالةٍ شعوريةٍ سلبيةٍ أو إيجابية، في ما يأخذ به الناس أو يدعونه من خلال التصور أو الممارسة.
تفسير القرآن