من الآية 46 الى الآية 52
الآيــات
{قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ* وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ* وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤونَ* فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ* قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ* فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ* أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (46ـ52).
* * *
معاني المفردات
{وَحَاقَ بِهِم}: نزل بهم.
{فِتْنَةٌ}: بلية.
* * *
الله يحكم بين العباد
{قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} قل ـ يا محمد ـ في هذا الجوّ الموبوء بالجهل والتخلف، المملوء بالغفلة والنسيان، الذي يعيش أفراده في وحول الشرك والعصيان، ويستغرقون في شهواتهم، فلا يرتفعون إلى الآفاق الرحبة التي تفتح العقول على الله، وتطهّر القلوب في روحيّة عبادته...، قل كلمتك الخاشعة المبتهلة المنفصلة عن كل هذه الكلمات، البعيدة عن كل إيحاءاتها المتمرّدة، ومداليلها المتخلّفة، وانطلق في مناجاتك بالكلمات المؤمنة التي توحي بعظمة الله، وتتحدث عن الحقيقة المتمثلة في سيطرته على الكون كله، وفي حكمه على الخلق كلهم، وتنادي الله بصفاته التي تملأ الروح الإنسانية بالمعاني التي تفتح آفاقها على العلاقة العميقة التي تشده إليه، وهي علاقة أقوى صلابةً وثباتاً وامتداداً، وذلك في موقع خلقه للسماوات والأرض، وإبداعه لكل شيءٍ فيهما، وتدبيره للنظام الذي يتحرك في رحابهما، ليستمعوا إلى هذه الصفة {فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} ويعيشوا معها إحساسهم بأن وجودهم مستمدٌّ منه، وأنّ كل مفردات هذا الوجود التي تكفل لهم استمرار الحياة مخلوقةٌ له خاضعةٌ لإرادته، ليفكروا به من خلال وجودهم في العمق، ويستغرقوا في محبته من خلال استغراقهم الواعي في الإحساس بوجودهم المرتبط بوجود الكون كله في قدرته.
{عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أنت ـ يا ربنا ـ الذي تحيط بكل شيء من دون أن يغيب عنك شيء، فأنت في الغيب، كما أنت في الشهادة، محيطٌ بالأمر كله في عمقه وامتداده، وفي كل السر المخفيّ فيه، لأن الأشياء كلها حاضرةٌ عندك، لأنك أنت الخالق لها، العالم بكل خفاياها التي قد تخفى عن بقية المخلوقات، ولكنها لا تخفى عنك... وهذا ما يجعلنا ـ يا رب ـ نحسّ بأننا مكشوفون أمامك بما نخفي أو نعلن من أقوالنا وأعمالنا وعلاقاتنا العامة والخاصة، ما يثير فينا الشعور بأننا سنقف بين يديك لتكون الحكم في كل القضايا التي نختلف فيها في قضايا العقيدة والحياة، فإذا كنا لا نصل إلى نتيجة حاسمةٍ مُرضيةٍ في ذلك في ما تثيره من حديث الحوار في هذه الخلافات، لأن هناك من يتمرّد على الحق، ويتنكر له من دون أساس، على خط العناد المستكبر... ولكن من هو الذي يستطيع أن يعاند حكمك في يوم القيامة؟ فهذه هي الحقيقة التي لا بد للإنسان من أن يعيش في أجوائها الروحية في كل أفكاره.
{أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيعرفون في مثل إشراقة النور أين يقف الحق في قناعاتهم وفي مواقفهم التي كانوا يقتنعون بها أو يمارسونها في الحياة الدنيا، فينتهي كل الخلاف وتذوب كل الكلمات المعاندة أمام الحكم الحق الصادر من الله. ويقف المعاندون ليواجهوا استحقاقات المصير في عذاب الله وليحاولوا أن يجدوا أيّة فرصةٍ للنجاة منه، في هذا الموقف الصعب الذي تضيق فيه كل الفرص، {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بالكفر والشرك، وتمرّدوا على الله بعصيانهم لأوامره ونواهيه، {مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} مما يفدي الناس به أنفسهم، بسبب ما قاموا به من عدوانٍ على بعضهم البعض، معرِّضين أنفسهم بذلك للحكم بالهلاك، وقد حاولوا في الدنيا أن يلجأوا إلى المال ليكون عوضاً عن أنفسهم، نتيجة الحق الذي أضاعوه… وهكذا قد يفكر هؤلاء، فيخيّل إليهم أن الدنيا تشبه الآخرة في ذلك، وأن الموقف مع الله هو كالموقف مع الناس، فيتمنون أن يكون لهم ما في الأرض جميعاً، باعتبار أن حجم المبلغ الذي يقدم إلى الله لا بد من أن يكون كبيراً، فلو كان لديهم ذلك، {لاَفْتَدَوا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ولكن ما قيمة ذلك أمام الله، وما أسخف هذا التفكير، ولكنها الحالة النفسية الخائفة القلقة التي يحاصرها هذا الواقع فتلجأ إلى أي شيءٍ حتى الوهم، لتفتدي به من العذاب، بعيداً عما إذا كان ذلك ممكناً أو غير ممكن، معقولاً أو غير معقول.
{وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ} من العذاب {مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} لأنهم كانوا في غفلةٍ عن قدرة الله، وعن حجم عقابه، ما جعلهم لا يستعدّون لهذا الموقف، {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} بفعل ما ظهر لهم من النتائج الصعبة القاسية التي تأكل كل ما حصلوا عليه من لذاتٍ وشهواتٍ وامتيازاتٍ كانوا يعيشونها في الدنيا، {وَحَاقَ بِهِم} من العذاب الشديد في نار جهنم، {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤونَ} عندما كان الأنبياء يحذرونهم لقاء يومهم هذا، وما فيه من عقاب.
ولعلَّ مشكلة الإنسان أنه لا يفكر في قضاياه إلا من خلال اللحظة التي يعيش في داخلها، فلا يتعاطى معها انطلاقاً من المعطيات الحقيقية التي تنفذ إلى داخلها في العمق العميق من الحياة، وهذا ما صوّره الله في القرآن في أكثر من آية، كما صوّره في هذه الآية. {فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} وهذه هي الحالة الطبيعية التي يعيشها الإنسان في حياته، في حجم الظاهرة المتكررة مع الكثيرين من أفراده، فقد يلاحظ المتتبع للسلوك الإنساني أنه قد يختلف في علاقته بالله ونظرته إليه وإلى نفسه، بين حالةٍ وحالةٍ، فإذا عرض له المرض أو الفقر أو الخوف، أو غير ذلك من الأوضاع التي تمثل جانباً من جوانب النقص المادي والمعنوي في حياته الخاصة، أو غرق في أزماته النفسية من الداخل والخارج، فإنه يلجأ إلى الله، ليعيش مع الوجدان الإيماني الذي يبحث فيه الإنسان عن ربه ليبتهل إليه ويخضع له، ويتوسل إليه في إنقاذه من الواقع السيّىء القلق المهتز الذي يعيش فيه. وتبقى العلاقة بالله مرتبطة بالحاجة إليه، في الجانب الحسي المباشر في حركة الشعور. ويبقى الشعور بالعبودية المنسحقة أمام الربوبية المطلقة محدوداً في هذه الدائرة، فإذا تبدّل الوضع إلى وضعٍ أفضل وجاءت النعم الإلهية لتغمر كل حياته، وابتعدت الأزمات عن الداخل النفسي، وعن الواقع الخارجي، واستراح للغنى بعد الفقر، وللصحة بعد المرض، وللأمن بعد الخوف، وللعلوّ بعد الانحطاط، نسي ربّه وفضله عليه، وحركة نعمته في وجوده وفي امتداد حياته، واستغرق في ذاته، في العنصر المباشر من حركتها، وفي الطاقات البارزة في حركته، فأصبح يتحدث عن هذه النعم الكثيرة التي تملأ كل وجوده، من خلال الميزة الشخصية التي يملكها، فيعيد الفضل إلى ما يملكه من علمٍ وخبرةٍ وقوّةٍ وحسن إدارةٍ وذكاءٍ وشطارةٍ ونحو ذلك، فلا دخل لله بنظره في ذلك، ولا حاجة به إليه، بل هو التفوق الذاتي في كل شيء.
ولكنها الغفلة عن الحقيقة الكامنة في عمق الأشياء، فإنه لا يملك شيئاً إلا ما أعطاه الله إياه بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، ولم تكن هذه العطايا امتيازاً من الله له، {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} في ما يفتن الله به عباده، ويمتحنهم ويختبر إيمانهم، وهو العالم به، ليظهر جوهره في أنفسهم وأمام الناس. إن ما يجدونه من السعة والجاه والقوّة يخيّل لهم أنهم يملكونه بأنفسهم ولا يحتاجون إلى الله، إلا من عصمه الله منهم، فكان واعياً للمسألة في عمقها الواقعي، وفي معناها الإلهي، ما يجعل من الإنسان عارفاً بحاجته إلى الله في كل شيءٍ، وأنه لا يقدر على أيّ أمر إلا ما أقدره الله عليه في كل قضاياه وقدراته الخاصة والعامة، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} لأنهم يرتبطون بالجانب الحسي المباشر بالأمور، ولا يلتفتون إلى ما تحت السطح، أو في آفاق الغيب، ليعرفوا أن الله وراء ذلك كله.
{قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} الذين رزقهم الله من مالٍ وجاهٍ وقوّة، فقالوا إنهم حصلوا عليها من خلال أنفسهم في طاقاتها الذاتية، {فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من هذه الأشياء التي اكتسبوها بقوتهم ـ كما يرون ـ ولم تفدهم كل هذه القوّة، لأنها لا تمثل أيّة قيمةٍ مستقلةٍ قادرةٍ أمام الله، فهي من بعض نعمه، كما أنهم من بعض مخلوقاته.
{فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} من أعمالٍ خبيثة وأقوالٍ سيئةٍ وعلاقاتٍ منحرفة ونحو ذلك. {وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلاَءِ} الذين واجهوك بالعناد والشرك والضلال، لن يكون مصيرهم مختلفاً عن مصير من سبقهم من أولئك. {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} وسيدخلهم الله في دار عذابه ليذوقوا جزاء أعمالهم السيئة. {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} لله في ما يريد أن يؤاخذهم به من العذاب الشديد.
{أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} فهو الذي يسهّل من أسباب الرزق التي قد تضيق، وقد تتسع، لأن حركة الإنسان في الرزق ليست مربوطةً بذاتيته المستقلة، بل هي مربوطة بالتقدير الإلهي الذي جعل لكل شيءٍ قدراً في نطاق علاقة الناس بالواقع المادي في الحياة، ومن خلال علاقتهم بالأشياء المحيطة بهم، أو الأشخاص الذين يتحركون معهم. وهذا ما يجب أن يفهموه ليعرفوا أن الله هو الذي يفعل ذلك كله، لأنه السبب الأعمق للوجود في طبيعته وامتداده ومفرداته. ولو كانت المسألة تابعةً للإنسان، لكانت النتائج كلها في مصلحته، ولكنه يصطدم بالكثير من القضايا التي تمنعه من الوصول إلى ما يريد مما لا يستطيع مقاومته، ولا السيطرة عليه.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لأن الإيمان هو الذي يفسر كثيراً من حقائق الحياة تفسيراً معقولاً، وهو الذي يستلهم من الواقع ما يستطيع عبره أن يقوّي إيمانه، وذلك بفعل ما يغذي به روحه من المفردات الحيّة التي تدعمه بكل قوّة.
تفسير القرآن