تفسير القرآن
الزمر / من الآية 61 إلى الآية 53

 من الآية 61 الى الآية 53
 

الآيــات

{قُلْ يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ* وَاتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ* أَن تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتي عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ* أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِين* أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِين* بَلَى قَدْ جَآءتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ* وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ* وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (53ـ61).

* * *

معاني المفردات

{تَقْنَطُواْ}: القنوط: اليأس.

{مَثْوًى}: مقام.

{بِمَفَازَتِهِمْ}: المفازة: النجاة.

* * *

إن الله يغفر الذنوب جميعاً

وهذا نداءٌ من الله الرحمن الرحيم، لعباده الخاطئين الذين توغّلوا في الخطيئة، أن لا يستسلموا لليأس، وأن لا يبتعدوا كثيراً عنه، وأن يفكروا في مواقفهم على أساس تصحيح الانحراف بالطريقة التي يرجعون بها إلى الله في خطٍّ عمليٍّ يلتقون فيه بخط الاستقامة في رحمة الله ومغفرته... وهو النداء الحميم الذي ينفذ إلى أرواحهم ومشاعرهم ليهزَّها بالأمل الكبير ليستيقظ فيها الإحساس ـ من جديد ـ بالله في التفاتةٍ روحيةٍ حميمةٍ وفي عودة إلى طاعته في مواقع رضاه، وهذا ما يشعرهم بأن الله يلاحق خطاياهم بالرحمة والمغفرة عندما يعودون إليه، كما يلاحقها بالعقوبة والشدّة عندما يصرّون على التمرّد عليه... ثم يضع لهم الشروط العملية للإخلاص بالتوبة، لئلا تكون مجرّد حالةٍ شعوريّةٍ كلاميَّى، بل تكون نهجاً فكريّاً وعمليَّاً في حركة الشخصية الإنسانية التي تريد اللقاء بالله بقوّةٍ وإخلاص، في آفاق التغيير من الجذور.

{قُلْ} يا محمد، لهؤلاء الخاطئين الذين عاشوا في أوحال الخطيئة حتى كادوا أن يغرقوا فيها، وابتعدوا عن الخط المستقيم حتى أوشكوا أن يستسلموا للضياع في متاهات الكفر والضلال...، قل لهم كلمة الرحمة والمغفرة والحنان التي تحتوي كل مشاعرهم وتطلّعاتهم في الحياة: {يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} وتجاوزوا الحدود، واستسلموا لليأس {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} في الحياة، لتعيشوا في إيحاءٍ يائسٍ بأن الوقت قد فات، فلا مجال للعودة إلى الله، لأن المسألة قد بلغت في التمرد والخطيئة مبلغاً لا يستطيع الإنسان فيه أن يواجه الله بالتوبة، لكن الذنب مع الله يختلف عن الذنب مع الناس، فقد يتعقد الناس من الذنوب التي يفعلها بعضهم ضد بعض، فيحملون في داخل نفوسهم الحقد والأذى إلى المستوى الكبير الذي لا يسمح بقبول التوبة من المذنب، أو العفو عنه، لأن الحالة النفسية المعقّدة قد بلغت من التعاظم حدّاً كبيراً من التعقيد أحاط بالشخصية كلها... أما الذنب أمام الله، فلا يترك أيّ تأثيرٍ في ذاته المقدسة في مواقع التعقيد، لأنه أعظم من ذلك، فهو الله الذي لا تقترب الانفعالات من عظمته، ولا يعرف الحقد مكاناً في مواقع قدسه، بل كل ما هناك، أنه يغضب على المذنبين بالمعنى العملي للحالة الغضبية الذي يبقى ويزول تبعاً للحكمة التي يراها في ذلك، ولهذا فإن هناك واقعية أكيدة لمسألة التجاوز عن العقوبة في حركة المغفرة للذنب، والرحمة للشخص على أساس ما يعرفه الله من المعاني الطيبة الكامنة في نفسه، أو على أساس ملاحظة الظروف الضاغطة في طبيعة النوازع الذاتية أو في عمق الحركة المنطلقة من لهب الغريزة الحارّة، أو على أساس إفساح المجال للإنسان ليعيد النظر في التمرّد على سلبيّات تاريخه من أجل بدايةٍ جديدةٍ لحركةٍ إيمانيةٍ جديدةٍ. وهكذا تنطلق القضية من مواقع المغفرة الواسعة والرحمة الشاملة في ما يتسع منهما للإنسان كله، تبعاً لما يعلمه الله من الحكمة في ذلك، على مستوى قضية الشخص أو قضية الحياة.

{إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} للتائبين من ذنوبهم، فإن الظاهر أنَّ الآية تتحدث عن سعة المغفرة على أساس الدعوة إلى التوبة التي يعود فيها الناس إلى ربّهم، وبذلك يكون جوّ الآية قرينةً على هذا التقييد، فلا ينافي مضمونها الشامل للذنوب جميعاً ما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48] فإن الظاهر أن المراد في تلك الآية، نفي المغفرة من دون توبة، لأن المعروف أن التوبة تشمل الذنوب جميعاً حتى الشرك، {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الذي سبقت رحمته غضبه، ما يفسح المجال لعباده أن يتطلعوا إليها في الرغبة بالغفران لذنوبهم، بحيث لا يشعرون باليأس من خطورة ذنوبهم التي وصلوا بها إلى الحدّ الذي تجاوزوا فيه كل الحدود.

{وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ} وارجعوا إليه بالابتعاد عن الآلهة المزعومين الذين ارتبطتم بهم من دون الله، سواءٌ بالعبادة الخاضعة لهم في عمق النفس المنسحقة أمامهم، أو بالالتزام والطاعة لكل أوامرهم أو نواهيهم، أو لكل ما تفرضه الخطوط العامة التي تتمثل في المضمون الوثني للعقيدة، {وَأَسْلِمُواْ لَهُ} في الشعور المنفتح على آفاق عظمته، بالتسليم المطلق الذي لا يجد معه الإنسان أيَّ موقعٍ لإرادته أمام إرادة الله، فلا يريد الإنسان شيئاً إلا حيث يريد الله، ولا يريد ما لا يريده... كخطٍّ في الالتزام والحركة، فذلك هو الطريق إلى الخلاص الذي لا بد للإنسان من أن يبادر بالسير عليه، {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ} الذي هو النتيجة الطبيعية للإصرار على الذنوب التي سيواجه الإنسان نتيجتها بعد الموت، {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} لأن الله هو الذي يعاقب هؤلاء، فليس هناك أحدٌ ينصرهم أمام الله.

* * *

اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم

{وَاتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} وهو القرآن الذي يشتمل على الشريعة المميّزة التي جمعت خلاصة الشرائع، والعناصر التي تمثل الخط الأحسن الذي تحركت فيه الرسالة، مما يضمن للإنسان سعادة الدنيا والآخرة، وصلاح حياته وأمره. وهذا الذي يريده الله من التائبين من عباده، بأن تتحول توبتهم إلى واقعٍ حيٍّ إيجابيٍّ متحرك في تصحيح مسيرة الإنسان نحو الله بالالتزام بالمفردات الشرعية في كل قضاياه، فلا يكتفوا بالجانب النفسي الذي يمثل الالتزام الروحي بالرفض للماضي الأسود والندم عليه، لأن البرهان العملي على صدق التوبة، يتمثل بالتقاء الجانب الشعوري بالجانب العملي {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} عندما يأتيكم الموت فجأة لتواجهوا من خلاله العذاب الذي تستحقونه إذا لم تلتزموا باتباع القرآن في مفاهيمه وتعاليمه ومناهجه في حركة الإنسان والحياة.

وربما كان وصف القرآن بكونه {أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} بالمقارنة مع الكتب المنزلة الأخرى السابقة عليه، باعتبار أنه جامع لخلاصات الأفكار العامة فيها مع زيادة اقتضتها الحكمة، والله العالم.

{أَن تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتي عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} أي لئلا تقول نفس لم تلتزم بالخط الإيماني المرتبط بالله، كلمات الحسرة على التفريط والتقصير في جانب الله، في ما يفرضه أمره ونهيه من السلوك المستقيم الذي يؤدّي إلى الله، لا سيما إذا واجهت الموقف الصعب الذي يجعلها تتذكر الماضي الأسود الساخر من الإيمان والمؤمنين، والسخرية فرضتها حالة الكبرياء التي تختزن الكفر في داخلها، وتحمل الظلام في عيونها... فتتساءل كيف فعلتُ ما فعلتُ {وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} الذين يواجهون الرسالة بمنطق السخرية، لا بمنطق العقل المفكر الذي يبحث عن الحقيقة في نداء الرسالة.

{أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} في عقليةٍ متخلّفةٍ منغلقةٍ تضع في حسابها أن الهداية عمليّة يثيرها الله في عمق الشخصية بالطريقة التكوينيّة التي تخلق الهداية في الكيان، كما تخلق السمع والبصر ونحوهما في الجسد، فكأن المسألة عندهم مسألة المشيئة الإلهية التي لم تشأ لهم الهداية، لا مسألة الاختيار الذاتي السيّىء الذي مارسوه من خلال انفعالاتهم الخاصة، فمنعهم من التحرك في خط التقوى في الفكر والعمل.

{أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِين} في عودة إلى أجواء التمنيات غير الواقعية، عندما يواجهون الاستحقاق المصيري المتعلّق بدخولهم في النار انطلاقاً من أعمالهم السيّئة، أو عقائدهم الفاسدة، فيتحدثون عن إمكانية الرجوع إلى الدنيا، ليحسنوا الفكر والنهج والعمل، حتى يتفادوا هذا المصير الشقيَّ الأسود. ولكن الله يرد عليهم في مسألة الهداية التي يعتبرونها أمراً إلهيّاً لم تتعلق مشيئة الله بحصولهم عليه، ليعرّفهم أنها ليست حالةً قهريّةً تكوينيّةً، بل هي حالةٌ اختياريّةٌ خاضعةٌ للإمكانات والمعطيات التي يقدّمها الله للإنسان ليهتدي بها من موقع الحسّ الذي يهيّىء المفردات، والفكر الذي يحرّكها في اتجاه النتائج الفكرية التي تقود إلى الإيمان العميق بالله، والوحي الذي يوجه الحس والفكر نحو المنهج الصحيح.

{بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آياتِي} التي تحدّد لك علامات الهدى المنفتح على الله من أوسع الأبواب وأرحب الآفاق، {فَكَذَّبْتَ بِهَا} من دون حجّةٍ ولا برهانٍ، {وَاسْتَكْبَرْتَ} فمنعتك الكبرياء الذاتية المعقدة عن الخضوع للحقّ النازل من الله، بالوحي الذي يحمله الرسل ليهتدي به الناس، لأنك رأيت نفسك فوق مستوى استلهام الهدى من غير ذاتك، {وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} لما يحققه الكفر لك من مواقع الاستعلاء، وطبقية الامتيازات، وشهوانية اللذات.

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ} فنسبوا إليه الشريك والولد ونحو ذلك مما ابتدعوه من بدعٍ وأضاليل في الدين {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} من خلال سواد أعمالهم التي تنعكس على مواقعهم في الآخرة ذلاً وسقوطاً وانحطاطاً، {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} الذين تحوّلت الكبرياء لديهم إلى عقدةٍ مستعصيةٍ تأكل الإيمان كله، والخير بأجمعه في داخل نفوسهم وخارجها، وبهذا تتحول إلى مشكلة في مستقبل المصير لديهم، بدلاً من أن تكون حلاًّ لهم في ما يخيّل إليهم من معنى العلوّ والعزّة، وما إلى ذلك من المعاني التي ترفع مستواهم أمام الناس، فإذا بهم يحترقون في نار جهنم، وتحترق كل امتيازاتهم الطبقية هناك.

{وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ} فهم فازوا بالنعيم الخالد والرضوان العظيم، {لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ} من أي موقع من مواقع السوء، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لأنهم لا يعيشون الحرمان مما تشتهيه النفس وتستلذه الروح، ليكون ذلك أساساً للحزن، بل يعيشون بدلاً من ذلك الامتلاء الروحي بالفرح الكبير الذي يتحرك من خلال ما يتوفر لهم من كل ما تشتهيه الأنفس وتلذّ به الأعين، وما تتطلبه الروح من المتع الروحية في دار النعيم.