من الآية 62 الى الآية 67
الآيــات
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ وَكِيلٌ* لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآياتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ* قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ* وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ* بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشّاكِرِينَ* وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (62ـ67).
* * *
معاني المفردات
{مَقَالِيدُ}: مفاتيح.
{بِيَمِينِهِ}: بقدرته.
* * *
ما قدروا الله حق قدره
إنه التوحيد الذي يركِّز القرآن عليه كل اهتماماته في إثارة الفكر الإنساني نحوه بمختلف الأساليب الروحية والفكرية، ويجعل المصير مرتبطاً بالانسجام معه والابتعاد عنه، إيجاباً وسلباً.
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} فهو الذي ينتهي إليه وجود الأشياء كلها {وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ وَكِيلٌ} لأن ذلك معنى ملكيته لما خلق، ما يجعله وحده المهيمن على تدبير كل شؤونه ورعايتها في ما تحتاج في خصائصها وحركتها الداخلية والخارجية.
{لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} والمقاليد ـ كما قيل ـ مفاتيحها، وهي كنايةٌ عن كل خزائنها التي تشتمل على غيب الكون كله بما يتصل بالنظام الكوني في ظواهره وخفاياه، وفي امتداد وجوداته، فهو المهيمن على ذلك كله، وهو الذي يعطي من يشاء منه ما يكفل له الربح والفوز في الدنيا والآخرة، وهم المؤمنون الذين ارتبطوا به في مواقع العقيدة والطاعة والعبادة. {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآياتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} لأنهم الذين انقطعوا عن الله، فلم يرتبطوا به بأيّةِ رابطةٍ من قريبٍ أو من بعيد، ولم يقتربوا من مواقع رحمته ومغفرته، بل ابتعدوا عنها بكفرهم وتمرّدهم، فخسروا الدنيا والآخرة.
{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} في ما تدعونني إليه من عبادة الأصنام والأشخاص الذين لا يملكون من الحياة ومن إدارة شؤونها شيئاً، بل لا يملكون أنفسهم ولا يستطيعون لها نفعاً ولا ضرّاً... فكيف تتحركون معي في هذا الاتجاه، وما هو الأساس في ذلك {أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} بحقائق الكون والعقيدة الذين تبتعدون عن عمق التوحيد في طهارة الفكر في حركته، لتغرقوا في وحول الشرك وأوساخه؟؟!
{وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} من الأنبياء الذين كانت دعوتهم كما كانت دعوتك إلى الناس أن يعبدوا الله وحده وأن يتَّقوه في كل أفعالهم وأقوالهم، ليكون التوحيد هو المنطلق وهو الهدف الكبير لحياتهم، {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} لأن القاعدة إذا اهتزت أو سقطت فلن يبقى هناك شيءٌ من الأعمال المرتكزة عليها، إذ لا قيمة لأيِّ عمل لم يرتبط بالله الواحد، فبالتوحيد ترتبط الأعمال بالله، {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الذين لا يحصلون من جهدهم على شيء، بعد فقدانهم لروحه ومعناه {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ} ولا تعبد معه أحداً غيره {وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} الذين يشكرونه بالقول والعمل في خط الطاعة.
* * *
كيف نفهم خطاب الله للأنبياء عن إحباط عملهم؟
وقد يثار هنا سؤال: كيف يمكن أن يوجّه الخطاب للنبي ولغيره من الأنبياء بهذه الطريقة، في الوقت الذي لا يتصور فيه أحد، أن يصدر منهم أيّ نوع من أنواع الشرك، لأن صفاء نفوسهم، وعمق إخلاصهم، وصدق يقينهم، يمنع أيّة حالةٍ من حالات الاهتزاز في عقيدتهم، فكيف يمكن أن يطوف في خيالهم الشرك كفكرة للعقيدة؟
والجواب عن ذلك: إن الأسلوب القرآني يؤكد على قيمة العقيدة من حيث علاقتها بالمصير الإنساني عند الله بمختلف الأساليب، ولعلّ الحديث مع الأنبياء عن إحباط أعمالهم في حالة التزامهم بالشرك، يمثل أسلوباً متقدماً في هذا الاتجاه، على أساس أن القضية التوحيدية لا تخضع للتمييز بين شخصٍ وآخر، بما فيهم الأنبياء. هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى، فإن النبيّ خاضعٌ للأوامر والنواهي الصادرة من الله، في تكليفه العقيديّ والشرعيّ، إذ لا فرق بينه وبين الآخرين من موقع بشريّته التي تفرض عليه الالتزام بالمبادىء العقيدية والشرعية العامة والخاصة، تماماً كما يدعو الناس إليها، وإذا كان النبي معصوماً، فإن العصمة لا تمنع من توجيه الخطاب إليه، لأنها تعني امتناع صدور المعصية منه، وهذا ما لا يتنافى مع التكليف، ما دامت العصمة لا تتنافى مع الاختيار، كما ذكره الباحثون في حديث العصمة.
{وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} في ما تصوروه في آفاق ذاته المقدّسة من إمكانية وجود شريك، أو ولد له، في التأثير على إرادته من خلال بعض المقربين منه، ما يجعله محدود القدرة، وذلك بسبب ما يعيشونه من التخلف في التصور الذي يربط القضايا الغيبية في العقيدة، بالقضايا الحسِّية في الحياة، من دون أن يتعمقوا في مواضع قدرة الله وآفاق عظمته.
{وَالأرْضُ جَمِيعاً} بكل سهولها وجبالها وبحارها وأنهارها وسطوحها وأعماقها، وكل ما فيها من إنسان وحيوانٍ ونباتٍ وجماد {قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي داخلةٌ في قبضته، تماماً كما يسيطر الشخص بقبضة يده على ما في داخلها، وذلك على سبيل الكناية في التعبير عن السيطرة التامة الشاملة، {وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} يحركها كيف يشاء ويدبّرها كما يريد، وذلك على نحو الكناية عن قدرته على التصرف بها تماماً كالقدرة على ما يكون مطويّاً باليمين، {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} مما ينسبونه إليه من أصنام وأشخاص وظواهر كونية، تتمتع بقدرة وتدبيرٍ ومشاركةٍ في إدارة شؤون العالم.
تفسير القرآن