تفسير القرآن
الزمر / من الآية 68 إلى الآية 75

 من الآية 68 الى الآية 75
 

الآيــات

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ* وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّيْنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ* وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ* وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ* قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ* وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ* وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ* وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (68ـ75).

* * *

معاني المفردات

{الصُّورِ}: القرن ينفخ فيه.

{وَوُضِعَ الْكِتَابُ}: كتاب أعمال العباد.

{وَسِيقَ}: السوق الحث على السير.

{حَآفِّينَ}: محدقين به دائرين حوله.

* * *

ووضع الكتاب.. وقضي بينهم بالحق

هذا هو الفصل الأخير من السورة، الذي ينقل إلينا مشهد الانتقال المفاجىء الهائل إلى موعد القيامة، حيث يندفع الكافرون والمتقون إلى مصيرهم المحتوم الأخير في الدار الآخرة.

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} في ما توحي به الكلمة من الصوت القويّ الهائل الذي ينطلق من البوق مما قد يكون كنايةً عن الوسيلة التي تطلق الصوت الضخم الذي يهز الواقع بشكلٍ قويٍّ مثير، {فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ} من الخلق الذين لم يرد الله لهم أن يموتوا، وقد اختلف المفسرون في بيان مصداق هؤلاء مما لم يرجع إلى دليلٍ قطعيٍّ. وهكذا تهدأ الحياة في الكون وتموت كل مظاهرها المتحركة لتستعدّ لنقلةٍ نوعيّة أخرى، تتميّز بالاندفاع القويّ نحو عالم آخر، مختلفٍ عن العالم السابق الذي كان، لأنه عالم المواجهة أمام نتائج المسؤولية في عالم الآخرة.

{ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى} في صرخةٍ تهز الأموات في قبورهم فتبعث فيهم الحياة من جديد، {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} في موقف الترقب والانتظار المشدود إلى الواقع الجديد المجهول الذي يتطلعون إلى مشاهده التي تبدو ملامحها تدريجياً، {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} وانفتحت كل الساحات أمام الناظرين، فلا شيء يحجب شيئاً منها عن شيءٍ، ولا مجال للحواجز المنتصبة في الآفاق مما يمنع عن الرؤية، وقد يكون المقصود من النور هنا، المعنى الحسّي الذي يوحي بالإضاءة الطبيعية، بما يخلقه الله من الوسائل التي تحقق ذلك، أو بالتجلّي الإلهي للأرض كما يتجلى لفصل القضاء. وقد يكون المقصود منه العدل الذي تضيء به الحياة، أو الحق والبرهان، بما يقيمه الله فيها من الحق والعدل ويبسطه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيّئات، أو انكشاف الغطاء وظهور الأشياء بحقائقها وبروز الأعمال من خيرٍ أو شرّ أو طاعةٍ ومعصية، أو حقٍّ أو باطل للناظرين. ولمّا كان إشراق الشيء هو ظهوره بالنور، فلا ريب أن مظهره يومئذٍ هو الله سبحانه، إذ الأسباب ساقطةٌ دونه، فالأشياء مشرقةٌ بنور مكتسب منه.

وربما لا يكون الأمر بحاجةٍ إلى كلَّ هذه التوجيهات، لأن المسألة المطروحة هي أن الله سبحانه هو الذي يُطلُّ بنوره الذي تشرق به الأرض، لتكون الكلمة كلمته التي يشعر الجميع هناك في أرض المحشر بأن الله هو ـ وحده ـ الذي يملك الأمر كله، ويشرق نوره على الساحة كلها، {وَوُضِعَ الْكِتَابُ} الذي يشتمل على أعمال الخلق، سواءٌ كتاب الفرد أو كتاب الأمّة، ليكون هو الأساس في النتائج، {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّيْنَ وَالشُّهَدَآءِ} لأن النبيين هم الشهود على حركة الرسالة في خط التبليغ، وأما الشهداء، فهم الذين يشهدون على حركة الرسالة في خط الواقع في سلوك الإنسان العام والخاص. وقد تكرر الحديث في القرآن أن الله قد أخرج من كل أمةٍ شهيداً، وقد يلتقي الأنبياء والشهداء من أوصيائهم وأوليائهم في شهادةٍ واحدةٍ حول موضوعٍ واحد، وقد يشهد كل واحدٍ منهم بموضوعٍ يختلف عما يشهد به الآخر... وهكذا تتم المحاكمة من خلال الكتاب والشهود، لتقوم الحجة على الناس من خلال الوسائل الظاهرة، كما قامت عليهم من خلال القضايا الخفية التي يعلمها الله. {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} لأنه لا معنى للظلم في يوم القيامة الذي يملك الله كل أمره، وهو مستحيل عليه، ولا معنى لنسبته إليه، لأن الظلم مظهر ضعف من الظالم في ما يخافه من أمر المظلوم، والله القويّ القادر لا يخاف أحداً من عباده، بل يخاف كل العباد مواقع عدله، بسبب ما يستحقونه من ذنوبهم وجرائمهم. {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} من خيرٍ أو شر {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} فلا يخفى عليه من أمرهم شيء.

{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً} أي جماعات، {حَتَّى إِذَا جَآءوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} فهي جاهزةٌ لاستقبالهم، لأن الله أعدّها لهم عندما حذرهم من عقابه، ولذلك يجدونها مفتوحة الأبواب، {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} في أسلوبٍ إيحائيٍّ بقيام الحجة عليهم، واستحقاقهم هذا المصير، فلم يظلمهم الله بذلك، ولكنهم ظلموا أنفسهم، {قَالُواْ بَلَى} في اعترافٍ بالذنب في إذعانٍ وتسليم، {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} لأنهم واجهوا الحقيقة الحاسمة التي لا مجال فيها لاعتذارٍ أو تبرير.

{قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} الذين قادهم استكبارهم إلى الكفر والضلال، فكان جزاؤهم أنهم وصلوا إلى أقصى درجات الانحطاط، {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الّجَنَّةِ زُمَراً} أي جماعات، {حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} في طريقةٍ توحي بالاستقبال والتكريم، {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ} بما توحي به كلمة السلام من الإيحاء بالطمأنينة والأمن والجوّ الحميم، {طِبْتُمْ} في كل ما قلتموه أو فعلتموه من طيّب القول والعمل الدال على طيبة الروح والشعور، وهذا هو الأساس في المصير الذي أعده الله لكم في ساحة رضوانه وجنته، {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}.

{وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} فهو الذي وعد المتقين بالجنة، {وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ} والظاهر ـ كما قيل ـ أن المراد بها أرض الجنة، {نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ} في ساحاتها الواسعة، {حَيْثُ نَشَآءُ} من دون أيّ حدٍّ في أيّ موقع، فلنا الحرية فيها في ما نحبه ونرغبه، {فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} الذين صدقوا الإيمان وصدّقوه بالعمل، {وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} محدقين به، باعتبار ما يمثله من المكان الأعلى وما يرمز إليه من موقع السلطة التي تصدر منها الأمور من خلال إرادة الله على يد ملائكته في عالم الغيب الذي استقل الله بعلمه، {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} وذلك هو الذي يعطي المشهد روعةً ورهبةً وجلالاً...

وانتهى الموقف كله أمام الحقيقة الحاسمة، ليذهب كل شخصٍ أو كل فريق إلى موقعه ومصيره، {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} ولم يبق هناك إلا الله الذي ينتهي كل الحمد له من خلال أنه ـ وحده ـ الذي أعطى لكل مخلوق صفات حمده، فهو الواحد في عظمته وجلاله وفي كل صفات الحمد، {وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} في كلمة تجعل الوجود كله متطلعاً إليه في كلمة التوحيد المنفتحة على كل الحمد، وعلى كل معاني الربوبية التي تتسع للعالمين جميعاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.