المقدمة
سـورة غـافـر
مكية، وآياتها خمس وثمانون آية
في أجواء السورة
وهذه سورة من السور المكية التي تتميز بالحركية الفكرية في ساحة الصراع بين الدعوة وخصومها من الكافرين والمشركين، بما يثيره هؤلاء من جدال بالباطل يريدون دحض الحق به، وما يتحدون به الرسالة من أساليب التكذيب المتنوعة، وما يهوّلون به من الكلمات والمواقف المعاندة المستكبرة.. وتثير في أجواء ذلك مسألة الاستكبار والعلوّ في الأرض والتجبر بغير الحق، وكيف يواجه الله ذلك كله ببأسه وعذابه في الدنيا والآخرة. وتتحرك في داخلها خطوات المؤمنين المنفتحين على الواقع في موقف الدعوة، وساحة التحدي، وتتحدث عن تجارب بعضهم في مواجهة الطغيان الشامل، حيث يصل الاستكبار إلى ادّعاء الألوهية، ودعوة المستضعفين إلى عبادة شخص يصفه أتباعه بالإله من دون الله، وتأتي السورة على ذكر قصة مؤمن آل فرعون الذي تمرد على قومه، وواجههم بأسلوب قويٍّ فاعلٍ يتميز بالصلابة والحكمة والتحدي، لتقدم نموذجاً لكل الرساليين في ساحة الصراع، ليزدادوا قوّةً وحكمةً.
وتتنوع الآيات التي تتحدث عن بأس الله في الدنيا الذي يتجلى في مصارع الأمم السابقة، وفي الآخرة، ويتجلى في مشاهد يوم القيامة، وما أعدَّ الله للكافرين من عذابٍ، وكيف يواجهون الموقف بكل ذلّةٍ وخضوعٍ وحيرةٍ. وتثير أمام النبي مسألة الصبر في الدعوة ومتابعة الحركة لإعلان كلمة الله، لأن النصر يحتاج إلى كثير من المعاناة في خط المواجهة، وإلى مراحل متعددة تهيىء له شروطه. ولا بد لتحقيق النصر من إعلان الموقف الصريح بالتزام الإسلام قولاً وعملاً كعنوانٍ للشخصية والحركة والموقف، تأكيداً للتمايز عن الكافرين الذي لا يقبل بآية تسويةٍ معهم في ما يريدونه له من الاندماج معهم، ولو في بعض الخطوط والأفكار.
* * *
سبب التسمية
وقد اختلف المفسرون في تسميتها، فجاء ذكرها باسم «غافر» من خلال قوله تعالى في بدايتها: {غَافِرِ الذَّنبِ} التي يتحرك مضمونها في ثنايا آيات السورة من الإيحاء بالغفران للتائبين والمنيبين إليه، والمسلمين إليه أمرهم، وجاء ذكرها باسم «المؤمن» إشارةٍ إلى قصة مؤمن آل فرعون الذي يمثل النموذج الفريد الذي وقف وحده ضد المستكبرين من قومه، متمرداً على كل المشاعر العاطفية والامتيازات العائلية من موقع الرسالة التي تتحدى وتواجه التحدي بالحكمة والقوّة.
وليس في الاختلاف حول التسمية أية مشكلةٍ، لأن الأسماء ليست داخلة في مسألة الوحي.
تفسير القرآن