من الآية 1 الى الآية 6
الآيــات
{حم* تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ* مَا يُجَادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ* كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ* وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} (1ـ6).
* * *
معاني المفردات
{ذِي الطَّوْلِ}: الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه.
{لِيُدْحِضُواْ}: ليبطلوا.
{حَقَّتْ}: وجبت.
* * *
الله العزيز العليم
{حم} من الحروف المقطعة التي تقدم الحديث عنها. {تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} فهو ليس تأليف بشر، كما يدّعي المشركون عندما ينسبون القرآن إلى رسول الله، بل هو تنزيل الله الذي اتّصف بالعزّة في ما توحي به كلمة العزة من قوّةٍ تدحض وسائل التهويل والتنكيل والعناد والجحود التي يستعملونها لإضعاف موقف النبيّ والمسلمين معه، ليتراجعوا عن الرسالة ويتخذوا موقع المغلوبين أمام الغالبين.. ففي كلمة العزة إيحاء بأن الله أنزل هذا الكتاب من موقع عزته التي لا تغلب، كما أنزله من موقع علمه الذي أحاط بكل شيء من مصالح العباد، وما يبني حياتهم على أساس الخير والقوّة والرشاد، فكانت آيات الكتاب قاعدةً للحق الذي يريدهم أن يتبعوه وينهجوا نهجه، ليأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه، كي يصلوا إلى الشاطىء الأمين في الدنيا والآخرة.
* * *
صورة الله في وعي المؤمن
{غَافِرِ الذَّنبِ} الذي يطلّ على حركة عباده في مواقع أمره ونهيه من خلال مغفرته التي تطّلع على نفوسهم، فإذا وجدت فيها شيئاً من الخير التقت به في تطلعاته المبتهلة إلى الله بالتوبة، وتطّلع على ظروفهم، فإذا وجدت فيها بعض العذر في ما يضغط على أفكارهم وعواطفهم وحياتهم مما يقودها إلى الانحراف من دون عمدٍ، قدّرتْ لهم المغفرة ليتحركوا من خلالها ـ من جديد ـ في خط الاستقامة.
{وَقَابِلِ التَّوْبِ} الذي يقبل التوبة عن عباده ويحب التوابين الذين تدل توبتهم على صدق إخلاصهم، وعمق إيمانهم، وطهارة مشاعرهم، ووعيهم للجانب الإنساني الذي يجعلهم خاضعين لنقاط ضعفٍ سببها طبائعهم وغرائزهم وتأثّرهم بالواقع الخارجي المحيط بهم، مما قد يسقط الإنسان أمامه دون شعور، فإذا تنبَّهوا لذلك ووعوا خطورة الموقف، في ما يمثله من عصيانٍ لله، الذي يقود العاصين إلى نار الله في الآخرة، تراجعوا عن المعصية، وأنابوا إلى الله في توبةٍ صادقةٍ تؤكد موقع نقاط القوّة التي تتحدى نقاط الضعف، فتخضعها للإيمان وللإسلام.
{شَدِيدِ الْعِقَابِ} للمتمردين الطاغين الذين عاندوا الحق واستكبروا على حامليه، ووقفوا ضد حركته، وحاربوا رسالته ورسله {ذِي الطَّوْلِ} أي الإنعام الذي يفيض به على عباده بما يرعى به حياتهم، ويدبّر شؤونهم، لينعموا بذلك، ويرجعوا إليه، في تنظيم قضايا معاشهم ومعادهم. {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} فهو وحده، الذي اتصف بالألوهية لأنه وحده الذي أوجد الخلق كلهم وأشرف على كل أمورهم بحكمته وقوّته وتدبيره، فلا إله غيره، لأن كلَّ من عداه مخلوق له محتاجٌ إليه في كل شؤونه الخاصة والعامة، {إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} الذي يرجع إليه الخلق كلهم ليواجهوا نتائج المسؤولية في موقف الحساب أمامه، ليجزي الذين أساءوا بعقابه والذين أحسنوا بثوابه..
وتلك هي الصورة البسيطة الواضحة التي يقدّمها الله لعباده، ليتصوروه بها، ليعرفوا موقعهم منه وموقعه منهم، ليعيشوا مع الله في وعيٍ كاملٍ لصفاته المتعلقة بعباده، المتصلة بالكون الذي يتحركون فيه، فلا تكون صفة الله غامضةً في شعورهم فيتصوّروه من موقع الغموض الذي يحيط بالسرّ الكامن في ذاته الذي لا يطّلع أحد على شيء منه، بل تكون واضحةً ليتطلعوا إليه من الموقع الذي يتحسسون فيه رحمته إلى جانب غضبه، ويدركون فيه عزته وقوّته وعلمه المحيط بكل شيء، إلى جانب مغفرته وقبوله التوبة، ويتعرفون فيه على شدة عقابه إلى جانب امتداد إنعامه، ويعيشون الشعور العميق الممتد في الكون كله، بوحدانيته وبطلان كل ما عداه، ويفكرون ـ دائماً ـ برجوعهم إليه، ووقوفهم بين يديه في نهاية المطاف، فمنه البداية وخط السير، وإليه النهاية..
وبهذا يكون وضوح تصوّرهم لله الذي يعبدونه، أساساً لعلاقةٍ حميمةٍ تربطهم به وتشدهم إليه وتجعلهم يعيشون معه في جوهر الفكر وروحية العبادة وامتداد الحياة.
* * *
جدال الكافرين
{مَا يُجَادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} في ما يثيرونه من كلمات لا تحمل أيَّ مضمونٍ عقلانيٍّ حول ما تحمله آيات الله، وحول ما يمثله رسول الله من موقع، وحول الدعوة التي يحملها لهداية الإنسانية إلى سواء السبيل، فليس لدى هؤلاء دعوةٌ بديلةٌ في مستوى عمق دعوة الإسلام وشمولها، ليقوم جدالهم على أساس إسقاط فكرةٍ، وإقامة أخرى. وليس عندهم مفاهيم ذات مضمونٍ فكريٍّ ضد مفاهيم الدعوة الإسلامية وشرائعها، ليكون الجدال منطلقاً في اتّجاه إبطال مضمونها في وعي الناس، بل كل ما يفعلونه هو إثارة الدخان حول الرسول والرسالة، بطريقةٍ انفعاليةٍ تخاطب الغرائز والمشاعر ولا تخاطب العقول، فيكون جدالهم لمجرّد الجدال.. أمّا المؤمنون، فهم لا يدخلون الجدال إلا عندما تكون لديهم علامات استفهام يريدون معرفة الجواب عنها، أو تكون عندهم قناعاتٌ فكريةٌ يعملون على تأكيدها في الذهن والواقع، في مقابل القناعات الفكرية المضادّة.. وإذا ما دخلوا في الجدال، فإنهم يمارسونه بطريقةٍ عقلانيةٍ مسؤولة، لأنهم لا يستهدفون إسقاط مواقف الآخرين وإسكاتهم فحسب، بل يستهدفون إلى جانب ذلك، ربح مواقف الآخرين لحساب الحق من خلال اقتناعهم بالحق. وهذا هو الفرق بين المؤمنين والكافرين في مسألة الجدال، فالمؤمنون ينطلقون فيه من موقع البحث عن الحق، بينما ينطلق الكافرون فيه من موقع الاستكبار واستعراض القوة التي يفرضونها على الموقف..
{فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ} الذي يحاولون فيه البروز بمظهر قويّ لإثارة الرهبة والخوف في نفوس الناس من خلال مواقع السلطة التي يملكونها، أو الوسائل العنيفة التي يحركونها، أو غير ذلك. فلا تعتبر تقلبهم في البلاد مظهر ضغطٍ قويٍّ شاملٍ، لأنه سينتهي إلى زوال إن عاجلاً أو آجلاً، بل انظر إلى ما يختزن في داخله من نقاط الضعف، لا إلى ما يبرز في ظاهره من نقاط القوة.. فليسوا أوّل الناس الذين يتحركون بهذه الطريقة، فقد جاءت أممٌ قبلهم كانت على شاكلتهم في الاستكبار والعناد والتكذيب، ولكنها تبخّرت مع الزمن، وسقطت أمام بأس الله.
* * *
جدالهم بالباطل لإسقاط الحقّ
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} كقوم عاد وثمود ولوط وغيرهم، كما كذب هؤلاء {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} فواجهوه بالعناد والتكذيب، وضغطوا عليه بكل الوسائل، وعذبوه بما استطاعوا أن يعذبوه به، ليسقطوا موقفه، وليضعفوا موقعه، وليفرّقوا الناس عنه، {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ} فاستغلوا كل العوامل النفسية القلقة التي تعيش في وجدان الناس من حولهم، وتتحرك في مشاعرهم، لجهة ما يعيشونه من تقديس لعقائد الآباء والأجداد، وما يرتبطون به من قضايا الحسّ، وما كانوا يقترحونه من معجزاتٍ على الأنبياء الذين لا يملكون الإتيان بها إلا بإذن الله، فحكمة الله لا تقتضي الاستجابة لكل مقترحات الناس التعجيزية، لأن النبي لم يأتِ ليستعرض قدرته الكونية بل جاء ليقدّم رسالته للناس.. وهكذا كان جدالهم بالباطل، ليسقطوا الحق، لا ليصلوا إليه، ظنّاً منهم بأن المرحلة التي يملكون فيها القوّة ستستمر إلى ما لا نهاية، وأن الموقف لهم في كل المراحل، ولكن ظنهم ذاك لا صلة له بالواقع.. لأن الله لهم بالمرصاد، في ما يهيِّئه للمؤمنين من أسباب النصر، وفي ما ينزله بهم من عقاب، {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} الذي أهلكهم ودمّرهم وتركهم حديثاً لمن بعدهم.
{وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ} أي كما عاقب الله هؤلاء المكذبين، فقد ثبتت كلمة الله التي تمثل حكمه الحاسم، على الكافرين من الماضين والحاضرين والمستقبلين {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} لأن ذلك هو جزاء الكفر بالله الذي لا يخضع لأي منطقٍ ولأيِّ فكر.
تفسير القرآن