من الآية 11 الى الآية 17
الآيــات
{قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ* ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ للَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ* فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ* رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ* يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ* الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (11ـ17).
* * *
معاني المفردات
{يُنِيبُ}: يرجع.
* * *
حديث أهل النار مع الله تعالى
هذا حديث أهل النار الذين يتوسلون إلى الله أن يخرجهم من هذا المأزق الذي وضعوا فيه أنفسهم بكفرهم وعنادهم، وردّ عليهم بأنه لا مجال لذلك، وأن الأمر لله الذي يملك الأمر كله، ويرجع إليه الخلق في كل شيء. {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} فقد كانت هناك حالتان من الموت وحالتان من الحياة، واختلف المفسرون في تحديد هاتين الإماتتين وهذين الإحياءين.. فذهب بعضهم إلى أن الموتة الأولى هي التي تسبق وجود الإنسان، والموتة الثانية هي التي تأتي بعد وجوده، لتكون الحياة الأولى هي الحياة في الدنيا، أمّا الحياة الثانية فهي حياة الإنسان بعد البعث في الدار الآخرة.
* * *
ما المراد بالموتتين والإحياءين؟
وذهب بعضهم إلى أن الموتة الأولى هي الإماتة عن الحياة الدنيا، والإحياء للبرزخ، ثم الإماتة عن البرزخ والإحياء للحساب يوم القيامة، وقد ذكر هذا البعض أن هؤلاء «لم يتعرضوا للحياة الدنيا ولم يقولوا: وأحييتنا ثلاثاً وإن كانت إحياءً، لكونها واقعةً بعد الموت الذي هو حال عدم ولوج الروح، لأن مرادهم ذكر الإحياء الذي هو سبب الإيقان بالمعاد وهو الإحياء في البرزخ ثم في القيامة، وأما الحياة الدنيوية فإنها وإن كانت إحياءً، لكنها لا توجب بنفسها يقيناً بالمعاد، فقد كانوا مرتابين في المعاد، وهم أحياء في الدنيا»[1].
ولعل الأقرب إلى الذهن من خلال بعض الآيات القرآنية هو المعنى الأول، فقد جاء في قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} ما يعني أن الله يعبر عن الحالة التي تسبق الحياة الدنيا بالموت، مع ملاحظة أنَّ القرآن لم يذكر شيئاً واضحاً عن حياة البرزخ وموته إلا في قوله تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} الأمر الذي يجعل الذهن متطلعاً إلى هذا العالم في حياته وموته من خلال الأسلوب القرآني..
وقد ذكر صاحب الكشاف الذي اختار الوجه الذي استقربناه، تعليقاً على ذلك: «فإن قلت: كيف صح أن يسمّي خلقهم أمواتاً إماتةً؟ قلت: كما صح أن تقول: سبحان من صغّر جسم البعوضة وكبّر جسم الفيل، وقولك للحفّار: ضيّق فم الركية ووسّع أسفلها، وليس ثمَّ نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيقٍ إلى سعةٍ، ولا من سعةٍ إلى ضيق، وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات، والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان معاً على المصنوع الواحد، من غير ترجّح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه»[2].
أما ما ذكره صاحب الميزان شاهداً على تفسيره، بأن المراد ذكر الإحياء الذي هو سبب الإيمان بالمعاد، وهو الإحياء بالبرزخ ثم في القيامة دون الحياة الدنيا التي لم تكن سبباً في الإيمان بالمعاد لأنهم كانوا مرتابين، وهم في داخلها؛ فقد نلاحظ عليه، أن هذا التحوّل من الحياة الدنيا إلى الآخرة، بالموت، ربما جعلهم يعيدون التفكير في أمر الحياة والموت بالطريقة التي تثبت قدرة الله على إرجاع الإنسان إلى الحياة بعد الموت، كما كان قادراً على إحيائه بعد الموت الذي كان غافلاً عنه في الدنيا لاستغراقه في المألوف، ما جعل الآيات تتكرر تذكيراً للإنسان بأن الله الذي بدأ الخلق، قادر على أن يعيده.. وبذلك تتكامل النظرة عندهم للمسألة الإلهية في قضية الحياة والموت، ليفكروا بعد التجربة الحيّة في الدار الآخرة، بحركة الحياة والموت في قدرة الله، والله العالم.
* * *
اعتراف أهل النار بذنوبهم
{فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} ورجعنا إليك في إيمانٍ صادقٍ وتوبةٍ خاشعةٍ لأننا أدركنا الحقيقة الإيمانية الواضحة بعد أن كنا غافلين عنها {فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} لنتبع دعوتك من جديد، من خلال هذا الوضوح في الرؤية الذي تحوّل في وجداننا إلى فيضٍ من الإشراق الروحي بعظمة الله. وقد لا يكون هذا الكلام سؤالاً يبحث عن جواب، بل هو تعبير عن حَيْرةٍ وإحباط إنسان غلبه اليأس والقنوط.
* * *
الحكم لله
{ذَلِكُم} ذلك الواقع الذي لا سبيل لكم إلى الخروج منه {بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ} وجحدتم وحدانيته {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ} بكل رموز الشرك ومواقعه، ولم تكفروا من موقع حجة، ولم تشركوا على أساس برهان، ولم تغلق عنكم أبواب المعرفة، بل كانت مفتوحةً لكم بكل رحابة الحقيقة في الطرق الموصلة إليها. فكانت لله عليكم الحجة، وليست لكم أية حجة في ذلك كله، {فَالْحُكْمُ للَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} الذي يحكم على عباده الكافرين المشركين الخاطئين بما يستحقونه دون أن يملك أحد معارضته، لأنه العليّ الذي علا على كل خلقه، الكبير الذي يصغر الكون وما فيه أمام حجم قدرته وعظمته.
* * *
بين آيات الله وعمق الإيمان
{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ} في الكون ليهديكم إلى معرفته من موقع الحسّ الذي ينقل الصورة، ومن موقع العقل الذي يحرّك كل مفرداتها في ساحة الإيمان بالله الواحد {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقاً} في ما ينزله من مطر يحيي الأرض بعد موتها، ويمنح الحياة فيها لكل شيء يدبّ عليها، ويعيش فيها.. أو في ما يقدّره الله من رزق للناس جعله بتدبيره ورحمته وحكمته، وأنزله إليهم بأسبابه ما يفرض عليهم أن يتذكروا ربهم ليعرفوه وليؤمنوا به، وليواجهوا المسؤولية أمامه فيطيعوه في ما أمرهم به ونهاهم عنه.. ولكن الكثيرين لا يتذكرونه، بل يظلون سادرين في غيّهم، مستغرقين في غفلتهم، {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} ويرجع إلى الله في وعي المعرفة وعمق الإيمان.
{فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} فهذا هو التعبير الحيّ عن الموقف الإيماني، والشعور العميق بالحضور الإلهيّ الشامل الذي يستوعب الكون كله فيشرق فيه بنوره، ويرعاه برحمته وقدرته وحكمته، ويشرف على الإنسان في وجوده في ما يطّلع عليه من خفايا نفسه، وأسرار حياته، ويدبّر له كل شؤونه الماديّة والمعنوية.. بما يجعل كل حاجاته الخاصة والعامة خاضعةً لإرادته، الأمر الذي يدفع الإنسان إلى الرجوع إليه في ذلك كله في ابتهالٍ خاشعٍ، وإخلاصٍ عميق، تعبيراً عن إخلاص الدين كله لله، فإن الدعاء يمثل الارتباط الحيّ بالله في ما يوحي به من انفتاح الروح بحاجاتها ومشاعرها، على الله، ليكون ذلك التحدي العملي للكافرين الذين يتحركون بعيداً عن الله، كما لو لم يكن الله موجوداً أو مهيمناً على الكون، أو للمشركين الذين يستغرقون في عبادة غير الله ويغفلون عن عبادته {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} في مواقع ملكه بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يبلغ درجات هذا العلو الذي يعبّر عن عظمته وعلوّه، {ذُو الْعَرْشِ} الذي يمثل الموقع الأعلى في السماوات، باعتبار أنه مظهر السلطة. وربما كان كنآية عن السلطة المطلقة {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} ربما كان المراد بالروح، الوحي أو الرسالة التي تنزل بأمره، وهو المظهر الحيّ لإرادته، على من يشاء من رسله الذين اصطفاهم لرسالاته {لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ} فيعرّفهم يوم القيامة، ليفكروا فيه، وليذكروه دائماً وليحسبوا حسابه في كل أعمالهم وأقوالهم، ليتحملوا المسؤولية فيه، {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} لا يحجبهم حجاب {لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} لأن الله مطّلعٌ على كل خفاياهم وأسرارهم، بما لا يعرفونه من أنفسهم.
{لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} ويتطلّع الجميع إلى السؤال الذي يتحدى كل الواقع الإشراكي الذي يلتزمه الكثيرون في عقيدتهم وانتماءاتهم في الدنيا.. وينطلق الجواب الذي يفرض مضمونه على الموقف كله، والجمع كله، في ما يرونه من الواقع المهيمن على الأمر كله {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} الذي تنطلق وحدانيته من موقع خلقه للكون كله كما ينطلق قهره من سيطرته المطلقة على الدنيا والآخرة.
* * *
لا ظلم اليوم...
{الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} فهذا هو منطق العدل في الآخرة، كما هو في الدنيا منطق العدل، والقيمة الروحية والاجتماعية والأخلاقية، فشعار يوم القيامة {لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ} لأن الله غنيٌّ عن ظلم أحدٍ، لأن الظلم ينطلق من موقع ضعف الظالم أمام المظلوم وما يعيشه تجاهه من عقدةٍ تأكل حسَّ الطمأنينة في داخله.. ولذا فلا معنى للظلم هناك، كما لم يكن هناك معنى للظلم في الدنيا. {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} فلا يشغله حساب أحد عن حساب غيره، فهو يحاسب الخلق جميعاً كما خلقهم جميعاً من دون خطأٍ في الحساب، لأنه لا ضغط في هذه المسألة في أيّ شيء.
ـــــــــــــــــــ
(1) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ لبنان، ط:1، 1411هـ ـ 1991م، ج:17، ص:314.
(2) الزمخشري، أبو القاسم، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق التنـزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الفكر، ج:3، ص:418.
تفسير القرآن