من الآية 18 الى الآية 22
الآيــات
{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ* يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ* وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ* أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ* ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَويٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (18ـ22).
* * *
معاني المفردات
{الأَزِفَةِ}: القريبة الدانية، والمقصود بها يوم القيامة.
{كَاظِمِينَ}: من الكظم: شدة الاغتمام.
{حَمِيمٍ}: صديق أو قريب.
{وَاقٍ}: حافظ.
* * *
أنذرهم يوم الأزفة
وتتوالى الآيات التي تنذر وتذكر وتتوعد وتلامس القلب والشعور بطريقةٍ توحي بالصدمة، وتجعل الإنسان يقف حائراً وحده، يلتفت ذات اليمين وذات الشمال، فلا يرى أحداً ينجده، ولا ولياً ينصره.. فليس هناك إلا الله، وحده، هو الذي يملك المصير كله.
{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأَزِفَةِ} أي يوم القيامة القريبة الدانية التي يرونها بعيدة ونراها قريبةً، لأنها آتية لا ريب فيها، وحدّثهم عن أهوالها {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} وذلك كما لو كانت القلوب تقفز من مقرّها وتبلغ الحناجر من شدّة الخوف، وهم يعيشون الغمّ الشديد الذي يحتبس في نفوسهم فلا يملكون أن يخرجوه أو ينفّسوا عنه بالتعبير عن أحاسيسهم ومشاعرهم الدفينة {مَا لِلظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية {مِنْ حَمِيمٍ} حيث لا صديق يشاركهم مشاعرهم، {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} فيُستمع إلى شفاعته، لأن الشفاعة لله وحده الذي {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعْيُنِ} فيرصد النظرة الخائنة التي تتلصص وتتجسس وتخون مشاعر العفة في الإنسان، مما لا يطلع عليه أحد {وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} في ما تختزنه الصدور من أسرار وخفايا، وفي ما تخفيه المشاعر من عواطف وانفعالات.. مما لا يستطيع الناس اكتشافه إلاّ بوسائل خاصة، ولكن الله يعلمه بعلمه الذي لا يخفى عليه شيء.
* * *
القضاء لله
{وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} لأنه يملك الفصل بين الناس يوم القيامة بالحق الذي يمنح كل واحدٍ حقه على مقتضى عدله {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} لأنهم لا يملكون أية سلطة تسمح لهم بالقضاء، أو أيّ موقع يفسح لهم مجال ذلك، لأنهم مملوكون لله، لا يملكون إلاَّ ما ملَّكهم من أمورهم أو أمور الآخرين. وربما كانت الآية توحي بالمعنى الشامل الذي يتحدث عن قضاء الله في حكمه وتدبيره للخلق من الناحية التكوينية والتشريعية {إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الذي يحيط بكل المسموعات والمبصرات إحاطةً ذاتيةً من موقع علمه المطلق بالأشياء.
* * *
لا واقي من الأخذ الإلهي
{أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم السابقة و{كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ} أي من هؤلاء المشركين المكذبين بالله ورسوله ورسالته {قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأرْضِ} في ما يملكونه من القوّة الجسدية والمالية والمعنوية، ومن الطاقات التي يبنون فيها المدائن الحصينة والقلاع المنيعة والقصور العالية ،{فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} في ما كانوا يعيشون فيه من طغيانٍ وتعسف وكفرٍ وشرك وجحودٍ وعصيانٍ {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ} فليس هناك في الكون كله من يستطيع أن يقي الناس من الله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُواْ} فهذا هو الأساس في الأخذ الإلهيّ، {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ} أخذ عزيز مقتدر، {إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} فليفكر الجاحدون المتمردون بقوّته وشدته في العقاب، لتتوازن خطواتهم في خط التقوى، ولتتجه إلى الصراط المستقيم.
تفسير القرآن