من الآية 23 الى الآية 29
الآيــات
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ* إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ* فَلَمَّا جَآءهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ اقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ وَاسْتَحْيُواْ نِسَآءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ* وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ* وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ* وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ* يا قَومِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} (23ـ29)
* * *
معاني المفردات
{وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}: حجة واضحة.
{عُذْتُ}: لذت واعتصمت.
{مُسْرِفٌ}: المسرف هنا: مَنْ تجاوز الحد في معاصي الله.
{ظَاهِرِينَ}: غالبين.
* * *
فرعون في مواجهة موسى(ع)
وهذه صورةٌ من قصة موسى، قد تختلف في بعض ملامحها عن القصة المذكورة في الآيات السابقة، وتبرز فيها شخصيةٌ نموذجيّةٌ للإنسان المؤمن الذي يتحفّز لمواجهة كل الواقع الطاغي، الذي ارتفع طغيان الظالم فيه إلى مستوى ادعاء الألوهية في وحشيةٍ وتسلطٍ ليصدم اعتزاز ذاك الظالم بموقعه، وطريقته الاستعراضية في إثارة الناس ضدّ الرسول والرسالة، مع ملاحظةٍ مهمّةٍ وهي أن هذا المؤمن جزءٌ من العائلة المتألّهة، وبذلك فإن لانفصاله عن تلك العائلة قيمة كبيرة بما يؤكده في ذلك من قوّة إيمان، وصلابة موقفٍ، وشخصيةٍ مميّزةٍ قويّة، استطاع بها أن يتخلص من كل الإغراءات التي قدّمت إليه على طبقٍ من ذهب.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا} التي تمثل المضمون الفكري والروحي للرسالة في ما يريد ـ من خلاله ـ أن يقنع فرعون وقومه والناس جميعاً بالإيمان به والانتماء إليه، {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} مما مكنه الله عليه من معجزاتٍ خارقةٍ للعادة كاليد البيضاء والعصا ونحوهما.
{إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} اللذين كانا يمثلان المركز الأعلى في السلطة السياسية الطاغية، {وَقَارُونَ} الذي كان يمثل القوّة المالية في المجتمع، وهذه هي الآية الوحيدة التي يتحدث فيها القرآن عن قارون باعتباره إحدى الشخصيات البارزة التي أراد الله لموسى أن يبلغها الرسالة، بشكل مباشر.
ولعلّ الحديث عن هؤلاء الثلاثة، يعود إلى قوّة تأثيرهم على المجتمع لكونهم يمثلون رموز المجتمع السياسية والمالية التي ألف الناس الخضوع لها في الفكر والانتماء والممارسة.
{فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ} لأن هاتين الصفتين تسقطان عن موقف موسى الرسالي صبغة القداسة، في الكلمة، وفي الخط والموقف.. ليكون وصفه بالساحر سبيلاً لإدخاله في نادي السحرة الذين يحترم الناس ألاعيبهم المثيرة، ولا يرتبطون بفكرهم وخطّهم في الحياة، فإذا أضيفت إليها صفة الكذّاب، أصبح بعدهم عنه أمراً حاسماً.. فقد خان هذا الساحر جمهوره عندما اندفع إليهم من موقع السحر، ليدّعي دعوى غريبةً تربطه بالسماء كذباً وبهتاناً {فَلَمَّا جَآءهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا} في ما تتميز به الرسالة من مضمون الحق كعنوانٍ للفكر والمنهج والحركة والموقع.. لم يقابلوه بالتأمّل والحوار الناقد؛ بل قابلوه بالقوّة المتعسفة المعاندة المتوحشة، و{قَالُواْ اقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} فهذا هو المنطق الذي استخدمه فرعون في حكمه الطاغي قبل ولادة موسى، اضطهاداً لبني إسرائيل.. وهو المنطق نفسه الذي واجه به موسى ومن آمن معه، فقد أمر بقتل الأبناء، لئلا يمتد الإيمان إلى الجيل القادم، وليكون ذلك عقوبةً رادعةً للمؤمنين ليتراجعوا عن هذا الإيمان، {وَاسْتَحْيُواْ نِسَآءهُمْ} لإِبقائهنَّ للخدمة ولغير ذلك من الأغراض الفاسدة.. وقد نلاحظ ـ في هذا الموضوع ـ أنَّ هؤلاء الطغاة لم يأمروا بقتل المؤمنين أنفسهم، بل بقتل أولادهم في سبيل الضغط عليهم، ما قد يوحي أن هناك مانعاً يمنع إجراءً كهذا، وهو الإِجراء الطبيعي في مثل هذه الحالات.
{وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ} فلن يستطيعوا بلوغ غاياتهم في ما يكيدون وفي ما يخططون، لأنهم لا يتحركون من قضية حقٍّ وعدلٍ، بل يتحركون من عقدة باطلٍ وظلمٍ، لإِسقاط الحياة، لا لتقويمها وإسعادها.
* * *
فرعون يؤلب الناس على موسى(ع)
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ} ـ وهو يستشير قومه ـ ليبقى له الموقع المميز بينهم.. {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى} فيبدو أنه كان يواجه معارضةً منهم، ولهذا فإنه يطلب منهم أن يوافقوه على قتله {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} فهذا الربّ لن يستطيع أن ينصره علينا. ثم بدأ عملية الإِثارة التي تخاطب مشاعرهم، وتستثير غرائزهم، وتحرّك عصبيتهم {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ} الذي درجتم عليه منذ بدآية تاريخكم وينقلكم إلى عبادة الإِله الواحد {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} الذي قد يسيء إلى النظام العام، وإثارة الفتنة، وتحريك المشاكل ضد الحكم الطاغي. هذا هو الأسلوب الذي يستعمله الطغاة في تأليب الناس ضد من يعملون على إصلاح الواقع وإسقاط حكمهم وتغيير النظام الفاسد.. فهم يتهمونهم بالكلمات المثيرة للمشاعر، كالتخريب، والإفساد وتبديل الدين ونحو ذلك.. وهذا ما حاول فرعون فعله في مواجهة موسى ليحصل على تأييد قومه لفكرة قتله.
* * *
موسى(ع) يبطل تأثير كلام فرعون في النفوس
{وَقَالَ مُوسَى إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} فليست قوّتي الذاتية هي التي أواجه بها هذا المنطق التهديدي الذي تستخدمونه ضدي بما تملكونه من قوّةٍ كبيرة، بل إنني أستجير بقوّة الله منكم، وأنا واثقٌ بأني سأحصل منها على ما أريد، لأني لا أتحرك من موقع ذاتي، بل من موقع رساليّ، وهو موقعٌ يحقّق لي الشعور بالأمن منكم و{مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} ولا يخاف نتائج عمله، لاستغراقه في الأنانية والكبرياء اللتين تبعدانه عن التفكير في الواقع بموضوعية وفي النتائج بمسؤولية، وتلك هي مشكلة الاستكبار التي تمنع الإنسان من الإيمان بيوم الحساب.
ومن خلال ما ذكرناه، فإننا نلاحظ أن موسى لم يقل هذا الكلام من موقع ضعف، بل حاول التأثير على نفسياتهم ومواقفهم عبر الإيحاء بأن الله الذي هو ربّه وربّهم يدعم موقفه، ليبطل تأثير كلام فرعون في نفوسهم، وليبعث الخوف في نفس فرعون بالذات، كردٍّ على كلامه في مواجهة موقع موسى عندما قال: {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ}.
* * *
مؤمن آل فرعون: نموذج إنسانيّ إيمانيّ
{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ}.. وهذا نموذجٌ إنسانيٌّ إيماني، يريد القرآن أن يقدمه لنا عبر ما يمثله من مواقف في تاريخ العقيدة الإِلهيّة وحركة الأنبياء وتأثيرها في حياة مجتمعاتهم الكافرة والضالّة، ويضعه في مستوى الظاهرة البارزة بسبب الموقف الرائع الذي اتخذه في عملية التحدي.
فليس من المستبعد أن ينشأ إنسانٌ مؤمنٌ في مجتمع الكفر بصورةٍ عامّة، ولكنَّ من المستبعد جدّاً أن يكون هذا الإِنسان المؤمن جزءاً من الجهاز الحاكم الذي يرعى حركة الكفر وينمّيها، ويحارب كل من يعارضها أو يقف في وجهها، باعتبار أن الكفر هو مصدر امتيازات الحكم التي حصل عليها، وبالتالي فإن سيادة الإيمان في المجتمع تفقده قداسة الشخصية وقداسة المركز، وهو أمر نلاحظه في وضعيّة فرعون بالنسبة لمجتمعه، فهو كان يحكم المجتمع من موقع شعور الناس بقداسته، لأنه يجسّد الألوهية أو يحمل جزءاً منها يبرّر مطالبتهم بالخضوع له وتقديسه.
* * *
المؤمن ـ الظاهرة
وعلى ضوء هذا، نستطيع أن نقرّر أن مؤمن آل فرعون يمثّل ظاهرةً مشرقةً جديرةً بالتأمّل والدرس، وباعثةً على الأمل في ظلمات اليأس، عندما يجد الداعية الأجواء مكفهرّةً أمامه، فإنه سيلتقي أملاً أخضر لظهور وجهٍ جديدٍ غير منتظر، يحمل الرسالة معه، ويجاهد من أجله، من دون التفات للامتيازات أو الإِغراءات المطروحة أمامه، أو الموجودة لديه.
وقد صوَّر لنا القرآن الكريم هذا المؤمن ـ الظاهرة بصورة الإنسان الرساليّ الذي يمتلىء قلبه بالحزن على قومه، فتزحف مشاعره على كلماته لتتلمسها بحذرٍ وهدوءٍ، لتفتح نافذةً على الحق هنا، أو هناك، وتفسح مجالاً للضوء كي يخترق بعض خيوط الظلام، لينطلق الضياء خطوة خطوة لمعةً في الأعماق، وإشراقةً في الضمير، قبل أن يشعر جنود الظلام بأن جحافل الفجر تعدّ في مقالع الضوء أعمدة الشروق.
ثم يندفع في رسالته، وتتصاعد الكلمات بقوّة، وتتفجر الآلام بحزم، وتنطلق الكلمة الحاسمة، لتكشف عن الحق، فيحسم الموقف بالنداء القويّ الهادر الذي يترك الحذر خلفه، ليستقبل المجابهة بقوّة.
ولعلّ قيمة هذا المؤمن الكبيرة تتمثل في هذه الانطلاقة الإيمانية التي عاشت في نفسه فعبّأت داخله بكل معاني الحياة الكبيرة، حتى تحوّل إلى إنسانٍ لا يكتفي بالجانب الذاتي للإيمان الذي يضمن مصيره في الآخرة من دون أن يترك أيَّ أثرٍ حركيٍّ في موقفه تجاه الآخرين، كما هي حال كثير من المؤمنين الذين يشعرون بأن مسؤوليتهم تجاه الإيمان تنتهي عندما يقومون بما يفرضه عليهم من أعمالٍ وعباداتٍ أو ممارساتٍ فرديّةٍ، لأنّ ذلك هو سبيل النجاة في الآخرة.. أمّا الأعمال التي تُعرِّض الإِنسان للخطر، بفعل واقع المواجهة القويّة للتحديات الفكرية والاجتماعية والعسكرية، فليس مما تفرضه عليهم مسؤولية الإيمان، فإن لتلك الأعمال أهلها وأصحابها.
أمَّا هذا المؤمن فلم يكتف بهذا الجانب، بل اعتبر الإيمان مسؤولية المؤمن، لارتباطه بقضية الخلاص الشخصي في الدنيا والآخرة، وعلاقته بخلاص الآخرين، لأن من طبيعة الإيمان أن يعيش المؤمن ـ في نفسه ـ حركة الرسالة وامتدادها في حساب المسؤولية التي تحوّل كل المؤمنين إلى رُسُلٍ صغار، بحسب طاقتهم وقدرتهم، كما تُحوّل الأقوال والأفعال إلى رسالاتٍ تتحرك في أكثر من اتجاهٍ، لتلتقي ـ بعد ذلك ـ في نطاق الهدف الواحد الكبير، وهو سعادة الإِنسان في ظلّ شريعة الله ورسالته.
* * *
سبب كتمه لإيمانه
.. وكان يكتم إيمانه، لا بسبب الخوف، فقد كان، في ما يبدو، يملك الموقع القويَّ الذي يكفل له الحماية من قومه، ولكن كي يحصل على حرية الحركة في خدمة الرسالة من خلال الإِيحاء بالحياد والاعتدال، إزاء واقع التطرّف المتمثل في موقف فرعون المتوتر والحاقد ضد الرسالة والرسول.. فقد بدأ العمل على تفشيل مخططات فرعون ضد موسى بهدوء، من خلال نثر الكلمات التي توحي بالتفكير وتبعث على اليقظة هنا وهناك، مع هذا الشخص أو ذاك، ولدى هذه المجموعة أو تلك، حتى نستطيع أن نرجع إلى تأثيره في موقف فرعون الخائف الذي كان يستجدي تأييد أتباعه لاتخاذ موقفٍ شديدٍ ضدّ موسى، ولكنه لم يحصل على شيءٍ من ذلك، فقد يظهر لنا، من خلال دراستنا للحوار الذي كان يديره مع قومه، أنه كان يعمل على تفريغ القوّة من الداخل حتى يرتفع الضغط عن الرسالة من جهة، وتقوى خطوات الرسول من جهة أخرى.. وكان يتابع عمله هذا من موقع القوة التي يتمتع بها لا من موقع الضعف، لأننا نلاحظ ـ في ما يأتي من حديث القرآن عنه ـ أنه كان يعبِّر عن رأيه في كثير من المجالات بصراحةٍ وقوةٍ من غير أن يجابه بأيِّ ردّ، أو محاولة للرد من أحد.
وقد تحدث القرآن عن هذا المؤمن، وعن مواقفه في إطار حديثه عن قصة موسى مع فرعون، حيث نلتقي به في هذا الجو الجديد من الحوار الذي نرى فيه فرعون مجتمعاً بقومه، طالباً منهم إعطاءه الحرية في قتل موسى، متذرّعاً بالأسباب التي يتذرّع بها الطغاة ـ عادةً ـ للقضاء على خصومهم من أصحاب المبادىء والرسالات والأفكار الإصلاحية، وهي المحافظة على النظام وصلاح أمر البلاد والعباد.
* * *
الحوار غير المباشر بين المؤمن وفرعون
وهنا يقف هذا المؤمن، لينطلق صوته من الداخل، في أسلوبٍ لا يجابه فيه فرعون بشكل مباشر، بل يتجه به إلى قومه ليمنعهم من التجاوب مع فرعون في طلبه.. فنلتقي بالموقف الرائع الذي يرسم لنا صورة جديدة من الحوار الذي لا يلتقي فيه المتحاوران وجهاً لوجه، بل يطرح أحدهما الفكرة في حياة المجتمع، وينطلق الآخر مع أفراد المجتمع لردّ الفكرة وإظهار فسادها وخطئها، لأن الطرف الأول للحوار لا يمكن أن يخضع لروح الحوار في أجواء البحث عن الحقيقة، لأن القضية عنده قضية سلطانٍ يجب أن يدوم ويستمر، لا قضية حقٍّ يجب أن يقوم وينطلق، ولهذا فإن مواجهته بالنقد والحوار لا تحقق أية نتيجة، لأنها قد تشارك في خنق الصوت وقتله، أو في إقامة الحواجز بين المجتمع وبينه، لذا فإن الخطة العملية تقضي بالتوجه إلى المجتمع بعيداً عن أجواء الحاكم وضغوطه، ليلقي إليه بما يواجه الفكرة المطروحة، فإن ذلك هو السبيل الأفضل للوصول إلى النتيجة، بدون سلبيات. ولعل روعة هذا الأسلوب الجديد في الحوار تكمن في أنك لا تلتقي فيه بصوت فرعون يرن في القاعة في جانب، وصوت هذا المؤمن ينطلق في جانب آخر، بل تسمع صوت موسى ينساب هادئاً رسالياً في بعض الحالات، ليعطينا الصورة الرائعة للرسالة، وهي تتحرك بين الرسول والطاغية من جهة، وبين الطاغية والمؤمن بالرسالة من جهة أخرى. وهم جميعاً يحاولون إيصال المجتمع إلى ما يريدون، في الوقت الذي نشعر فيه بأن هذا المجتمع لا يمارس دوراً حركياً مضاداً، بل يبقى خاضعاً للتأثيرات النفسية والفكرية التي تأتي من هنا وهناك، من دون أن يمارس دوراً مستقلاً، لأنه لم يستطع التخفف من ضغط الجو الحاكم عليه تماماً، ولذلك كان يتأرجح بين رواسبه ومصالحه، وبين مشاعره وأفكاره في عملية تجاذب وصراع..
{أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} نلاحظ أن هذا المؤمن يتخذ في البداية مظهر الإنسان الحيادي البعيد ـ نسبيّاً ـ عن موضوع الخلاف، فيناقش المسألة المطروحة باعتباره فرداً من أفراد العائلة الحاكمة، بأسلوبٍ هادىءٍ خفيف، فقد كان فرعون يطلب من قومه إعطاءه الحرية في قتل موسى دفاعاً عن العقيدة والنظام، اللذين جاء موسى لتخريبهما حسب ادّعائه. وهنا يتدخل هذا المؤمن ـ في أسلوبه الواقعي الحذر ـ ليواجههم باستنكار فكرة قتل موسى لأنه قال إن ربي الله، في حشدٍ من البيّنات والبراهين التي تدعم دعواه وتؤيّدها، فهو لا يملك الرجال والسلاح لتخافوا منه على الملك، فهو يطرح الفكرة من خلال الرسالة، فاتركوه وشأنه، فإن كان كاذباً فسيجني جزاء كذبه دون أن يصيبكم منه شيء، وإن كان صادقاً يصبْكم بعض الذي يعدكم، وهذا ما عبرت عنه الفقرة التالية: {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} فلا تكونوا من المسرفين الذين يتجاوزون حدود الحق في تفكيرهم وفي موقفهم فيدّعون ما ليس لهم بحق، ولا تكونوا من الكذابين الذين يكذبون على الناس بالباطل في ما يدّعونه من ربوبية من ليس ربّاً، وفي ما يثيرونه بين الناس من أكاذيب في قضايا الحياة العامة والخاصة.
* * *
المؤمن يثير الخوف من بأس الله
ثم بدأ في إثارة الخوف بالمقارنة بين ما يملكون من قوّةٍ وسطوةٍ، وبين ما يصوّره موسى من قوّة الله المطلقة التي لا يملكون إزاءها أيّ دفاعٍ لأنها فوق ذلك كله: {يا قَومِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ} في ما تملكونه من غلبة وعلوٍّ في الموقع وفي السلطة، ولكن ما حجم قوتكم هذه، مهما كانت كبيرةً، أمام قوّة الله الذي يهددنا موسى بعذابه {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءنَا} فأخذنا بعذابه، فهل نستطيع دفاعاً، وهل نستطيع مواجهة بأس الله لتكون لنا الغلبة، أو لندفع عن أنفسنا العذاب؟!
* * *
فرعون يطلق حكمه المتعسف
ولم يشأ فرعون ـ في ما يظهر ـ أن يجيب عن هذا اللّون من الكلام، بل استعمل أسلوب الحاكم الذي يطلق حكمه من دون مناقشةٍ، بأسلوب حاول فيه التخفيف من تأثير كلام المؤمن عليهم، معلناً للناس أنه يريهم ما يراه ولن يهديهم إلا سبيل الرشاد {قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} فتلك قضية لا ينتظر لها جواباً، لأن دور الأتباع أن يتلقّوا كلامه، كحقيقةٍ لا تُناقش، كما يفعل كل الطغاة أمثاله، في عمليةٍ إيحاء بما يملكونه من قوة تطلق أوامرها من الموقع الأعلى الذي يفرض الطاعة على الجميع.
تفسير القرآن